• العبارة بالضبط

بعد فيتو المجازر.. هل حان وقت هيكلة الأمم المتحدة ومجلس أمنها؟

في ظل تزاحم أماكن وأعداد المجازر الإنسانية في كثير من بلدان العالم، بدأت العديد من الدول العربية والإسلامية تطالب بضرورة مراجعة هيكلية مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية، عقب الفشل المتواصل في وقف نزف الدماء الذي يذهب ضحيته على الغالب الشعوب الإسلامية؛ خصوصاً في فلسطين وسوريا والعراق واليمن وميانمار، وقبلها البوسنة والهرسك.

ومع أن أهم الأسباب التي دعت إلى تأسيس هيئة الأمم المتحدة، حماية الحقوق المدنية والسياسية للإنسان في جميع دول العالم، فإن الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، وهم خمس دول؛ الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا، وفرنسا، وبريطانيا، والصين، يسمح لهم باستخدام حق النقض "الفيتو" ضد القرارات، لذلك صدرت الكثير من القرارات التي تخالف ميثاق الأمم المتحدة بحماية حقوق الإنسان وضمان حرية الشعوب.

واستخدمت دول "الـفيتو" حق النقض في القرارات التي قد تعرقل مشاريعها التوسعية ومصالحها، وضربت بقوانين الحقوق والحريات عرض الحائط، دون مراعاة عدد الأرواح التي تتسبب فيها الحروب بالشرق الأوسط، كما استخدمت الدول العظمى حق النقض (الفيتو) ضد القرارات التي تتعارض مع نفوذها واحتلالها للدول الأخرى.

اقرأ أيضاً :

"الخليج أونلاين" يروي من الموصل قصة تحول حدائق المنازل لمقابر

وبعد تراكم قرارات "فيتو" الأعضاء في الهيئة الدولية، التي اتُّخذت ضد مشاريع قد توقف هدر الدماء وانتهاك قوانين حقوق الإنسان، طالب وزير الخارجية القطري، في مقال له بجريدة "نيويورك تايمز" الأمريكية، نُشر في 13 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، مجلس الأمن بتنفيذ القرار "A 377"، المعروف بـ"الاتحاد من أجل السلام"، أو "خطة آتشيسون" التي أقرت عام 1950، لوقف المجازر التي يرتكبها نظام الأسد والطيران الروسي في سوريا بحق المدنيين، وحماية السكان وإقامة منطقة حظر جوي.

وتنص خطة "آتشيسون" على أنه في أية حالة يخفق فيها مجلس الأمن، بسبب عدم توافر الإجماع بين أعضائه الخمسة دائمي العضوية، في التصرف، كما هو مطلوب للحفاظ على الأمن والسلم الدوليين، يمكن للجمعية العامة أن تبحث المسألة بسرعة، وقد تُصدر أي توصيات تراها ضرورية من أجل استعادة الأمن والسلم الدوليين.

وقبل مطالبات قطر بتطبيق خطة لحماية السكان في سوريا، دعا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى إعادة هيكلة مجلس الأمن في ضوء التغيرات العِرقية والدينية، حتى يكون للعالم الإسلامي تأثير فيه، وحث دول منظمة التعاون الإسلامي على العمل لحل مشاكلها بنفسها دون أن تسمح بالتدخل الخارجي.

اقرأ أيضاً :

"مضايا.. هدنة تحتضر و40 ألف محاصر مقبلون على المجهول

وقال أردوغان، خلال افتتاح القمة الثالثة عشرة لمنظمة التعاون الإسلامي بإسطنبول في أبريل/ نيسان الماضي: "علينا إيجاد الحلول للإرهاب والأزمات الأخرى بأنفسنا في الدول الإسلامية من خلال التحالف الإسلامي ضد الإرهاب"، مشيراً إلى أن الآخرين (في إشارة إلى الغرب) يتدخلون من أجل النفط وليس من أجل الرفاهية والسلام بيننا".

وحث المجتمعين على تشكيل هيئة لمكافحة الإرهاب؛ لأن العالم الإسلامي هو الأكثر تضرراً من التنظيمات الإرهابية.

وعقب سلسلة من الفشل المتواصل في اتخاذ قرار يهدف إلى وقف المجازر بسوريا، نجحت السعودية وقطر في حشد أكثر من 60 دولة ترفض الموقف الروسي في حلب، ووجهت رسالة باسم هذه الدول إلى مجلس الأمن، استنكرت فيها تخاذل المجتمع الدولي عن تحمل المسؤولية تجاه المدينة، واستخدام الفيتو من قِبل روسيا لوأد بقايا الإنسانية في هذا العالم وتجريدها من معانيها.

وأماط فشل مجلس الأمن طيلة السنوات الماضية في اتخاذ قرار يوقف مجازر نظام الأسد والطيران الروسي على حلب، اللثام عن مدى إرباك وهشاشة تركيبة المنظمة الدولية التي أنشئت للدفاع عن الإنسانية وحرية الشعوب.

اقرأ أيضاً :

"كيف أفشلت أمريكا مفاوضات أنقرة بين روسيا والمعارضة السورية؟

تراكم سياسة الاستنكار والشجب، في ظل إصرار روسيا على استخدام "الفيتو" أكثر من 6 مرات في مجلس الأمن ضد قرارت الأعضاء الآخرين، لحماية مشروعها في المنطقة الذي يتمدد على أشلاء الشعب السوري وقنابل نظام الأسد، دفع ذلك إلى حراك دولي، بقيادة السعودية وقطر و60 دولة أخرى، بضرورة إبعاد الحل العسكري عن الصراع في سوريا، ودعم حل سياسي يشارك فيه جميع الأطراف يفضي إلى تطبيق قرارات جنيف ومجلس الأمن بهذا الشأن.

ورغم أن المبادرة تحمل بعداً إنسانياً وأخلاقياً، فإن شمولها أكثر من 60 دولة، يدل على وجود دول أخرى غير أصحاب المبادرة تلمس الوضع المأساوي والأزمة الإنسانية في سوريا، بحسب أستاذ تاريخ الشرق الأوسط المعاصر بجامعة قطر، محجوب الزويري، في حديثه مع "الخليج أونلاين".

ويعود قرار "الاتحاد من أجل السلام" أو قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم "377 إيه"، أو ما يعرف بـ"خطة آتشيسون" إلى عام 1950، التي كان عرابها دين آتشيسون، وهو أبرز مهندسي العديد من المنظومات الدولية؛ منها: حلف الناتو، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والاتحاد الأوروبي، ومنظمة التجارة العالمية.

- مجازر تاريخية

وفي مجازر البوسنة والهرسك، اعترفت الأمم المتحدة، التي كان يترأسها وقتذاك بطرس غالي، بقتل القوات الصربية أكثر من 300 ألف مسلم و200 ألف جريح ومعاق، واغتصبت فيها 60 ألف امرأة وطفلة مسلمة وهُجّر مليون ونصف المليون، وهدَم الصرب فيها أكثر من 800 مسجد، وذُبح أكثر من 12 ألف صبي من الذكور والإناث، بحسب إحصاءات أممية وحقوقية.

وخلفت سنون الحرب وراءها تدمير 60% من المنازل والمساكن، و33% من المستشفيات و50% من المدارس، و85% من البنية التحتية ومساحة 300 كيلومتر مزروعة بالألغام، طبقاً لتقدير مركز مكافحة الألغام التابع للأمم المتحدة في البوسنة (UNMAC)، وتعرض نصف الناجين من سكان البوسنة تقريباً للأمراض العصبية والنفسية في الحرب التي بدأت في أبريل/ نيسان 1992، وانتهت 1995 بعد توقيع اتفاقية دايتون.

وأكدت محكمة العدل الدولية في فبراير/ شباط 2007، ما أصدرته محكمة جرائم الحرب في يوغسلافيا السابقة، بأن ما جرى في مدينة سيربرينيتسا (المدينة المسلمة) هو إبادة جماعية، إلا أن مجلس الأمن ومحكمة الجنايات الدولية لم يتخذا الإجراءات المناسبة ومعاقبة الجناة ولم يحركا ساكناً أو حتى استخدام "الفيتو" في أثناء ارتكاب تلك المجازر، في تناقض واضح لازدواجية معايير اتخاذ القرارات في المجلس.

- ميانمار.. لا بواكي لها

يتعرض المسلمون في ميانمار منذ يونيو/ حزيران 2012 لأفظع أشكال الإبادة الجماعية والتهجير القسري، منها حرقهم وهم أحياء بأبشع أنواع القتل التي تخالف جميع الأعراف والقوانين الإنسانية والدولية.

ومع أن ممثلي جميع الأديان في البلاد اعتبروا أن ما يتعرض له المسلمون يُشكل تهديداً خطيراً للسلام العالمي وانتهاكاً واضحاً لحقوق الإنسان، فقد حمّلوا الأمم المتحدة المسؤولية الكاملة لعدم تدخّلها في إيقاف المجازر بشكل مباشرة، في الوقت الذي تدين فيه المنظمة الأممية كثيراً في تقاريرها ارتكاب جرائم مشابهة تقوم بها جماعات "إرهابية" محسوبة على الإسلام، مثل "داعش"، في الشرق الأوسط ودول الغرب وأمريكا.

وفي عام 2016، أصدرت الحكومة البورمية بيانات التعداد السكاني الخاصة بالدين والعِرق لعام 2014، في خطوة هي الأولى من نوعها منذ 33 عاماً، بعد عامين من التأخر، لتظهر تلك البيانات تراجعاً في نسبة مسلمي البلاد، من 3.9% من إجمالي تعداد السكان لعام 1983، إلى 2.3%، في حين لم يشمل التعداد نحو 1.2 مليون نسمة من مسلمي الروهينغا. وأشارت نتائج التعداد إلى أن المسلمين المسجلين، يقدرون بمليون و147 ألفاً و495 نسمة، من تعداد سكان البلاد البالغ 51.5 ملايين نسمة.

- حرب العراق.. وحيادية مجلس الأمن المزيفة

حاولت الإدارة الأمريكية قبل وفي أثناء وبعد سقوط نظام الرئيس الراحل صدام حسين ببغداد 9 أبريل/ نيسان 2003 بتسويق عدد من التبريرات لإقناع الرأيين العامين الأمريكي والعالمي بشرعية الحرب على العراق على أنها حرب تحرير ومنع النظام العراقي من امتلاك أسلحة دمار شامل ونشر الديمقراطية في الشرق الأوسط ومحاربة الإرهاب.

لكن الحرب تسببت في أكبر خسائر بشرية بصفوف المدنيين في تاريخ العراق، بالإضافة إلى انتشار الأوبئة والأمراض الانتقالية وتفشي أمراض السرطانات بسبب استخدام الأسلحة المحرمة دولياً في المعارك، خصوصاً في الفلوجة وفتح مخازن المواد الإشعاعية والنووية جنوبي بغداد بمنطقة المدائن أمام الأهالي لسرقة محتوياتها؛ إذ تعاني تلك المناطق انتشار وباء السرطان.

وبعد أكثر من 13 عاماً من انتشار سياسة القتل والدمار والتشريد والتجويع وثبوت عدم امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، اعتذر رئيس الوزراء البريطاني السابق، توني بلير، الحليف الأبرز لجورج بوش، عن غزوه للعراق.

ورغم إعلان واشنطن وبريطانيا عقب الاحتلال في 2003 أنهما اعتمدا على تقارير مزيفة وغير دقيقة، فإن مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة ولا حتى محكمة الجنائية الدولية، لحد الآن، لم تقم بواجباتها الأخلاقية والقانونية والإنسانية ومحاسبة المقصّرين في نشر تقارير مزوّرة عن مبررات احتلال العراق.

وهكذا، يسجل التاريخ في صفحاته، يوماً بعد يوم، انحياز المنظمة الدولية التي أُسست لحماية الإنسان وحقوقه لصالح الدول العظمى ومصالحها في العالم، على حساب القيم الإنسانية التي اتُّخذت ذريعة لإسقاط دول وأنظمة في العالم، وما زالت شعاراً يبرر الكثير من الحروب الآنية والمستقبلية.