لماذا نجحت عقيدة "غروزني" في حلب؟

حَسَمت عقيدة "غروزني" الروسية المعركة في حلب، فوقفنا جميعاً على أطلال الإنسانية، نرقب ونرصد الواقع السوري من النافذة الحلبية الدامية.

حلب وإن مثّلت فارقة في مسار الأزمة الطويل، إلا أنها مثّلت ذروة المشهد كآخر مدينة وازنة في يد المعارضة السورية.

وبالوقوف سريعاً، ودون الغوص في كثير من التفاصيل، على أسباب سيطرة النظام وحلفائه على حلب العاصمة الاقتصادية، وحدوث هذه الانعطافة الحادة في المشهد السوري، يمكن تسجيل الملاحظات التالية:

• أخَذ النظام السوري وحلفاؤه زمام المبادرة العسكرية بالتركيز على حلب وتحييد المناطق الأخرى، مع استخدام قوة نارية هائلة، مستفيدين من التوقيت الحرج للإدارة الأمريكية العرجاء التي تستعد لتسليم القيادة للرئيس الجمهوري الجديد ترامب، في وقت كانت فيه المعارضة محشورة في سياقات رد الفعل بعيداً عن التخطيط المسبق؛ فلم نرَ على سبيل المثال أي شكل من أشكال المناورة السياسية أو الميدانية بفتح جبهات ضاغطة على النظام السوري للتخفيف عن حلب المحاصرة، هذا فضلاً عن سوء تقدير لإمكانات وقدرات المعارضة في مواجهة ترسانة وعقيدة القتال الروسية، بالإضافة إلى قوات النظام وإيران.. مجتمعة، الأمر الذي انعكس على نتائج اللقاءات التي جمعت الروس بالمعارضة السورية في تركيا لمناقشة الوضع في حلب، فكان مصيرها الفشل؛ لسوء تقدير واقع الحال أولاً، وثانياً بسبب دخول بعض الأطراف المعنيّة على خط المفاوضات للضغط باتجاه إخراج كافة مسلحي المعارضة من شرقي حلب بدلاً عن حصر الأمر بخروج عناصر فتح الشام ، وذلك عكس ما كانت ترغب به وتسعى إليه قوى المعارضة السورية المدعومة من تركيا.

• تعدُّد وتشتُّت وتنازُع فصائل المعارضة السورية..؛ فمن المعلوم أن قوى المعارضة عبارة عن لوحة فسيفسائية متناثرة من القوى السياسية والعسكرية، تبدأ بالاختلاف في المواقف السياسية، ولا تنتهي بالخلاف بين القوى العسكرية إلى درجة الاقتتال فيما بينها تحت سقف وقصف الطائرات الروسية والنظام السوري. أي أننا أمام حالة مضطربة يغيب عنها الناظم السياسي والميداني، ويعتريها الخلل في الرؤية المشتركة القادرة على ضبط الحالة برمتها في نسق واحد. ناهيك عن تعدد خطوط الاتصال ومصادر الدعم الخارجي، وارتباط الفصائل والأحزاب على كثرتها بدول ذات أجندات خاصة أو غايات قد تختلف مع أهداف "الثورة" أو الحراك السوري المسلح.

• تعرض قوى المعارضة لخذلان "أصدقاء" الشعب السوري، وخداع الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس أوباما؛ فالدول التي ادّعت صداقة الشعب السوري، أغرقت السوريين بالمواقف النارية، والتأييد، والاستنكار، والإدانة..، والتكتيكات الدبلوماسية التي لم تصمد أمام الفيتو الروسي - الصيني في مجلس الأمن، ولم تجرؤ تلك الدول "الصديقة" أن تأخذ موقفاً عملياً بعيداً عن الرغبة الأمريكية التي خدعت المعارضة وأوهمتها بالتأييد والنصرة طوال عمر الأزمة السورية الطاحنة، فمارست عليها الخداع والاستهلاك الإعلامي في المواقف الخطابية، ومنعت عنها الأسلحة النوعية، إلّا من دعم وتسليح حقّق إطالة أمد النزاع دون حسم، وحوّل سوريا إلى مستنقع لاستنزاف الأطراف الداخلية، والخارجية المناوئة للسياسة الأمريكية. وأصبح من نافلة القول، أن معادلة لا غالب ولا مغلوب، التي انتهجها الرئيس أوباما، نجحت لحد الآن في الحفاظ على مصالح الولايات المتحدة الأمريكية والاحتلال الإسرائيلي في المنطقة، دون كلفة مادية وبشرية تذكر قياساً بحجم المصالح الاستراتيجية لهما. بل يمكن القول أن واشنطن خرجت كأحد أكبر المستفيدين من انخفاض أسعار النفط عالمياً، إضافة إلى تنشيط سوق السلاح الذي تحظى فيه واشنطن بنصيب الأسد.

• تراجع وانخفاض السقف التركي..؛ لطالما عوّلت المعارضة السورية على الموقف التركي الذي بدأ مرتفعاً وحاسماً خطابياً، وتطور مادياً بفتح الحدود لملايين اللاجئين السوريين ولآلاف المعارضين السياسيين، وبفتح الممرات لتزويد المعارضة السورية بالسلاح. ولكن، وما لم تنتبه له المعارضة السورية، أن النظام التركي بقيادة أردوغان ورغم مواقفه القوية، إنما هو محكوم لأنظمة داخلية، ومصالح قومية مرتبطة بقوى دولية. فتركيا التي وُصِفت بالمترددة في التدخل عسكرياً في الأزمة السورية، لم تستطع تجاوز الفيتو الأمريكي الرافض لتزويد المعارضة السورية بأسلحة نوعية منذ بداية "الثورة" أو النزاع المسلح، كما أن الانقلاب الفاشل الذي كشف ازدواجية السيطرة والتحكم في الدولة التركية، والمدعوم غربياً، دفع أنقرة إلى إعادة رسم علاقاتها بموسكو، بحثاً عن توسيع دائرة المناورة في مواجهة اشنطن، ولحماية مصالح تركيا الاقتصادية مع روسيا والمُقدّرة بنحو 40 مليار دولار أمريكي، ويُنظر إلى رفعها إلى 100 مليار بين البلدين. من جانب آخر فإن تركيا أعادت رسم سلم أولوياتها بعد الانقلاب، وتصاعد عنف حزب العمال الكردستاني، وتقدم قوات سوريا الديمقراطية الكردية المدعومة أمريكياً شمال سوريا..، فقامت أنقرة بوضع استقرارها الداخلي، وأمنها القومي على الحدود مع سوريا كأولوية بالتفاهم مع موسكو الطرف الأقوى والمسيطر على الأجواء السورية. ومن هنا فقد برز تقاسم مساحات النفوذ التركي والروسي في سوريا، حيث الانتشار العسكري المكثف والعمليات التركية باسم "درع الفرات" في شمال سوريا لمنع إقامة كيان كردي مناوئ، في موازاة هجوم روسي وبغطاء جوي منه لقوات النظام وإيران للسيطرة على حلب لتغيير موازين القوى داخلياً، ولفرض سياسة الأمر الواقع أمام الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة الرئيس القادم "ترامب".

تبقى حلب علامة فارقة في مسار النزاع على الساحة السورية التي خرجت من شرنقة الصدام الداخلي إلى فضاء الصراعات الدولية بين روسيا والصين وبين الولايات المتحدة الأمريكية. وما حلب، وما قد يتبعها من معارك أخرى في إدلب وأخواتها خلال الشهر الجاري واللاحق، إلا تحضير لساحة المعركة السياسية القادمة بين إدارةٍ أمريكيةٍ جديدة بقيادة "ترامب" وبين روسيا "بوتين" الساعية لاستعادة مكانتها الدولية كشريك فاعل في السياسة الدولية.