• العبارة بالضبط

درعُ الفرات.. صداقة من طرف واحد

إن انفعال الناس إزاء أي مأساة طارئة تحدثُ على خط الثورة؛ كمجزرة طارئة كبيرة، أو خسارة منطقة جديدة؛ يدفعهم لتبني معيار تقييمي، يحددون من خلاله مدى اصطفافهم من عدمه مع أي عملية يمكن أن تقوم بها قوة ثورية مهما كان نوعها أو مكانها ( عسكرية - إعلامية - إغاثية - سياسية).

حيث تجعلهم حالتهم النفسية وانفعالهم يحيلون تأييدهم لهذه العملية من عدمه، موقوفاً على المقدار الذي تخفف به هذه العملية من المأساة الطارئة، كالتخفيف من أعداد القتلى في المجازر، أو استعادة المناطق التي تمت خسارتها مؤخراً، أو ملء الفراغ السياسي الذي خلّفته هيئةٌ ما مؤخراً، بعد أن عوّل عليها المجتمع زمناً.

وإذا لم يكن هناك ارتباطٌ مباشر بينها وبين إيقاف المأساة، فإنها تُضافُ إلى خانة السيئات، والمؤامرات المحاكة ضد الثورة.

***

هدف الدرع اليوم، الذي لا تجد فصائله سبباً لإخفائه، هو محاربة داعش والحزب الكردي فقط، وتأمين مساحة آمنة بمقدار 5000 كم مربع بحسب المُعلن، مع العلم أن فصائل الدرع حاربت الأسد وداعش والفصائل الكردية طوال السنوات السابقة، وهي اليوم على مشارف مدينة الباب لقتال داعش، بعد أن هزمته في معركته "دابق" التي جعل منها رمزية دينية.

لقد سيطرت داعش وحدها، في فترة من الفترات على 40%، من المساحة المحررة، وكادت تبتلع نصف الثورة، بوجود حالة من الحيرة والشلل الفقهي لدى الثوار إزاءها؛ كما سلمت للنظام عشرات المناطق بعد تحريرها من الثوار.

ومثلها كان موقف الأحزاب الكردية في الاصطفاف مع المستبد ضد الثائر المناضل، وكثيراً ما كانت القوات الكردية تطعنُ الثوار بخاصرتهم في مجمل مشروعهم، المتجه لإقامة كيان كردي يصل بين ضفتي الفرات؛ كوباني وعفرين، وأثبت كلاهما أنها مجرد وجه آخر من أوجه الاستبداد.

تتألف مكونات درع الفرات من فصائل عديدة، غالبها قاتل ضد الأسد طوال السنوات السابقة، وبعضها لا يزال: ألوية المعتصم والحمزة والسلطان مراد وفيلق الشام، والزنكي والتحرير والنصر وصقور الجبل وتل رفعت والجبهة الشامية ولواء الفتح، ويجدرُ ذكرُ أن ألوية المعتصم والحمزة وآخرين خاضوا قبل معركة الدرع، معركة حصار مارع 2016/8/1 وحدهم ضد تنظيم الدولة والأكراد والنظام معاً، في معركة واحدة تناوب النظام على قصف مارع خلالها، لإضعاف الخطوط الدفاعية للثوار، حملهم على التسليم، ذرية بعضها من بعض.

الموقف السلبي لجزء كبير من الحاضنة الشعبية إزاء الدرع، يعودُ لعاملين؛ الأول عدم وضوح أهدافها كما يجب، وقلة الاعتناء الإعلامي بها، واعتياد الحاضنة على تأييد الخطوات ذات الأهداف الواضحة، والمشحونة عاطفياً.

وهنا اعترافٌ بتقصير المسؤولين عن الدرع بتأدية مهمة التوضيح، وهو ما لا تنكره فصائل الدرع. وثانيها معيارُ قياس مدى ثورية أية خطوة ثورية بمدى تخفيفها من المجازر، وهنا التنبيه على أن مساحات الألم واسعة، والثورة تمتد على جغرافيا واسعة، وكثيرٌ من العمليات الثورية لن تكون ثورية بهذا المقياس؛ لكونها لم تلتحم بالمحرقة، وتتلقى المجزرة عن صاحبها.

**

تنظيف الريف الشمالي لحلب من خلايا داعش والأكراد والنظام وتأهيله كمنطقة آمنة للمدنيين محمية جوّاً من قبل تركيا.. هدف الدرع الرئيسيّ.

سبق أن قامت درع الفرات بدعوة الفصائل بإدلب الانضمامَ إليها، لتحصينها من جرائر الفتاوى المبتلة بالدم، والمحافظة عليها، وعلى الرغم من أن إجابة هذه الدعوة غير متاحة، لأن الدرع محصور بجغرافيا محددة، يلزمُ لمن ينضم أن يوجد فيها، أو يذهب إليها، وثانيها لأنّ موقف الجو العام لا يزالُ مشحوناً وينظر بعين الغموض للدرع، وهو ما يجبُ على الدرع أن تسهم بتخفيفه عبر التواصل والإعلام والتوضيح.

الدرع هي حالة بين غرفة العمليات المشتركة، وأقل من التوحد الكامل، إلا أنّها شريكة باتخاذ القرار هذه المرة مع الجيش التركي، الذي يرى في وجود داعش والأكراد على حدوده الجنوبية خطراً يهدد أمن تركيا، خصوصاً بعد أن كانت كيليس وكاركاميش في متناول مدافع داعش قبل انطلاق الدرع، ومحاولات الأحزاب الكردية الوصل بين ضفتي الفرات.

***

منذ عامين.. والنظام يلجأ إلى القتال عبر أذرِعَتِه؛ داعش والأكراد والفتاوى المبللة بالدم، هل تبقى بعد عامين للنظام غير أذرعته كسلاح في يده؟

خدشُ اليوم ألمُ الغد وجرحه العميق، وإذا تُركَ الذراعُ لينمو استحالَ جسداً على مائدة أطباقها أشلاء الثوار ودماؤهم، وقتالُ الأذرع ممثلاً بداعش والأكراد قتالٌ شريفٌ، يحرقُ أوراق النظام الذي لم يتبقَّ منه رمقٌ غير رمق معاونيه وأذرعه، ومن يحققون أهدافه مجاناً، ولا سيما أنهم سبق أن مهدوا له استرداد عشرات القرى والبلدات التي حررها الجيش الحرّ.

***

صداقة من طرف واحد هي درع الفرات ..

بين الجيش الحر والحاضنة صداقة لم تكتمل ولادتها، امتدت فيها كفّ واحدة للمصافحة، ويكتنفُ الأخرى الشك والغموض.

جزء كبير من الحاضنة الثورية يرفضُ بانفعالية تخلفها لديه المجازر الدامية.. تجاوزَ مبادئ السياسة التي تكون الخدمات المتبادلة فيها لاتفاق المصلحة، ولذا فسبب حيزٍ كبير من السخط على الدرع هو تعاونها مع تركيا المسخوط عليها أصلاً من كثير من الناس، لعدم دخول جيشها لقلب نظام الحكم.

من أبجديات السياسة أن الدول لا تدعمُ مجاناً، أو أن تجازف بمواقفها ومصالحها ومخزونها البشري والاقتصادي مدفوعةً بموقف أخلاقي فقط، دون دراسة للتعبات التي ستخلفها خطوتها.

لكل الدول مصالح، وميزان أخلاقي كذلك يحدد اتجاهات سياساتها ومواقفها، لكنه ليس وحده من يحدد المواقف، وإنما بمقدار ما تتفقُ مصلحته مع موقفه الأخلاقي، إلا أن أبجديات المجازر والألم لا تدعُ مجالاً للمكلوم والمفجوع لقراءة مشاهد الدمار والحزن، والإقدام والإحجام في ضوء المبادئ والمعايير السياسية.

الدرع .. هي المولودُ الذي كان عليه أن يختار زمناً آخر للولادة إن أراد كسب وإقناع الحاضنة به بسهولة، ولأنّ الثائر خلقَ ليعاني ويقضي حياته غريباً، ولأن الرجوع عن الولادة محال، فأمام الدرع مهمّة توضيح الواضحات، وشرح المشروحات، وإثبات أفضلية مشروعها الثوري بين فوضى المشاريع، وأمام الكفّ الأخرى التروي، وعزل انفعالات النفس، وقراءة أجزاء الصورة كاملاً.

***

كثائر غريبٍ يمشي في ظلام لا ضوء على مقربة، ضميره يهتف به تقدم، والآخرون بأسئلة كثيرة مشككة.

نزغ الأصدقاء وبأس العدو سيفان يتناوبان على الغرز بنفس الجرح. في أبجديات الحياة، أن تعيشَ صداقة من طرف واحد إهانة، لكنها في عُرفِ النضال ألمٌ للغرابة يُضافُ إلى الرصيد لا أكثر.