حقيقة الدور التركي مع روسيا لإنقاذ أهالي حلب

انصبّت الجهود التركية الأخيرة على التخفيف من معاناة سكان حلب المدنيين في ظل عدوان همجي إيراني على مدينة حلب السورية، حيث إن روسيا تساند المليشيات الإيرانية الطائفية في محاولة احتلال حلب عسكرياً، وإن المليشيات الإيرانية تقاتل على الأرض والطيران الحربي الروسي يغطي من الجو، وأمريكا تساندهما بمنع الأسلحة النوعية عن المقاتلين في حلب وغيرها، وتدعو في نفس الوقت المقاتلين إلى مغادرتها مثلها مثل روسيا وإيران، وكأنها شريكة لهما باحتلال حلب وقتل أهلها إذا لم يغادروها.

لذا فقد تركّز الدور التركي بتقديم عروض التفاوض بين روسيا والمعارضة السورية؛ لعلم تركيا حاجة الطرفين لهذه اللقاءات، وهو ما تم في تركيا بعدّة لقاءات توصلت في النهاية إلى اتفاق بين المعارضة السورية المسلحة في حلب وبين روسيا، لرحيل المدنيين والجرحى والمقاتلين بأسلحة خفيفة وإدخال مساعدات إنسانية إلى الأماكن التي يتم ترحيل الحلبيين إليها، سواء في ريف حلب الغربي أو في إدلب، وفي هذه المفاوضات كان دور تركيا هو الوساطة بين طرفين تعلم تركيا أنهما راغبان فعلاً في التوصل إلى حل سياسي في سوريا كلها، وليس في حلب فقط.

هذه المفاوضات تم التوافق عليها ومتابعتها عبر اتصالات مباشرة ومكثفة ومكوكية بين الرئيس التركي أردوغان والرئيس الروسي بوتين من جهة، وبين وزير الخارجية التركي جاويش أوغلو مع نظيره الإيراني جواد ظريف من جهة أخرى.

وكذلك جرت اتصالات بين وزير الخارجية الروسي لافروف ونظيره الأمريكي كيري، ولكن المهم والأساسي فيها هو المفاوضات بين روسيا والمعارضة السورية سواء داخل سوريا أو في تركيا، بهدف تنفيذ الاتفاق الذي يتم التوصل إليه، والذي دار حول موافقة المقاتلين على ترحيل المدنيين والجرحى أولاً، وإدخال المساعدات الإنسانية إلى داخل مخيمات في شمال سوريا تقوم المنظمات الإنسانية التركية ببنائها في شمال سوريا.

وهذه المساعي التركية الناجحة أكدها الرئيس الروسي بوتين في مؤتمره الصحفي في طوكيو بتاريخ 16 ديسمبر/كانون الأول بقوله: إن "موسكو اتفقت مع أنقرة على إخراج المقاتلين من حلب"، وقوله: إن "التوصل إلى اتفاق في حلب يمهّد الطريق إلى هدنة طويلة الأمد".

فبوتين يعترف بأن تركيا قامت بدور مهم في هذه العملية، وأنه لا يزال يعمل عن كثب مع الرئيس التركي أردوغان لإتمام الاتفاق، وإصراره على القول بأن التفاوض مع المعارضة السورية تم بوساطة تركية، هو لتأكيد نقطة نجاح لتركيا مقارنة مع الفشل السابق الذي عانت منه روسيا بالبحث عن وفد معارضة سورية تتوصل معه إلى اتفاق، فكل وفود المعارضة التي صنعها الأسد أو إيران أو السيسي لم تُقنع روسيا بأنها تمثل شيئاً في سوريا سوى أشخاصها.

وبالنظر إلى الخسارة الكبرى التي تترتب على قبول المعارضة السورية في حلب بمغادرتها تحت التهديد الإجرامي للمليشيات الإيرانية ومليشيات الأسد لقتل كل من في حلب، وعدم وجود ممانعة ولا حماية دولية لهم من المجتمع الدولي أو من الأمم المتحدة أو الدول الكبرى، وضعف الدول العربية، فإن الموقف الذي تقوم به تركيا هو وضع الخيار مع المعارضة نفسها باتخذها القرار المناسب بنفسها، دون ضغط ولا إكراه.

مع التأكيد أن الدور التركي لن يكون أقوى من الموقف الدولي، وبالأخص الموقف الروسي والأمريكي، واللذين اتفقا على عدم تغيير النظام السوري بالقوة العسكرية، وعدم تمكين المعارضة السورية المسلحة من تولي شؤون الدولة السورية وحدها في الحل السياسي القادم، وأن رحيل الأسد ليس أولوية مع وجود تنظيمات يتفق المجتمع الدولي على وصفها بأنها تنظيمات إرهابية، ولها أولوية القضاء عليها قبل تغيير النظام السوري.

اقرأ أيضاً :

هل تستهدف أمريكا تقسيم تركيا وما هي أدواتها؟

إن تركيز الدور التركي الرئيسي على روسيا هو بسبب إدراك الحكومة التركية أن إيران لن تتوقف عن العدوان الطائفي في سوريا والمنطقة، فإيران تورطت بأحلام الهيمنة والحكومة الإسلامية العالمية كما يدعي قادتها السياسيون والعسكريون في الأيام الأخيرة، وهذه الأحلام الإيرانية لا يمكن كسرها ما دامت أمريكا تشجعها عليها، وما دامت روسيا ارتبطت مع إيران بتحالفات مصلحية بينهما.

فالسياسة التركية اليوم لا تثق بالدور الأمريكي في سوريا؛ لأنه يبحث عن مصالحه حتى لو أدت إلى تهديد أمن تركيا، بينما يمكن التفاهم مع الروس بأن العنف العسكري الروسي ضد الشعب السوري لن يؤدي إلى تحقيق المصالح الروسية في سوريا في المستقبل، بل إن الحل السلمي هو الأمل الوحيد.

وبالتالي فإن روسيا معنية بفتح قنوات للحل السلمي مع المعارضة السورية الحقيقية وخارج قنوات أمريكا وإيران وبشار الأسد، وهذا يعني بقاء النافذة التركية فقط في التواصل مع المعارضة السورية؛ لأن القنوات الأخرى بما فيها القنوات العربية غير مضمونة النتائج من الاختراق وتغيير المواقف تحت ضغوط دولية؛ أي إن تركيا فرصة قوية لخروج روسيا من أزمة وجودها العسكري في سوريا، وكذلك فإن تركيا فرصة للمعارضة لإيجاد حل سياسي، ما دامت آفاق الحل العسكري مرفوضة دولياً.

إن نجاح تنفيذ الاتفاق بحسب ما وقعته المعارضة السورية يعتبر نجاحاً لها أولاً، ونجاحاً للدور التركي ثانياً، وهو ما لا توافق عليه إيران بالرغم من التفاوض معها، ولكن إيران تدرك أن نجاح الأتراك في التوصل إلى اتفاق مع روسيا سوف يكون على حساب النفوذ الإيراني في سوريا أولاً، وعلى حساب العلاقات الإيرانية الروسية ثانياً.

ولذلك عملت إيران على عرقلة الاتفاق بقتل عدد من الخارجين من حلب في اليوم الأول من تنفيذ الاتفاق، ولولا التهديد الروسي بإطلاق النار على كل من يستعمل السلاح لتوقف الاتفاق، ولما فشلت إيران في خرق الاتفاق ذهبت إلى حيل أخرى، بادعاء اشتراطها توصيل مساعدات لمحاصرين من جنودها لدى المعارضة السورية، وهو ما لم يكن في بداية الاتفاق الأصلي؛ أي إن إيران ومليشياتها من العراقيين واللبنانيين الطائفيين يعملون جاهدين لإفشال الاتفاق، بل ذهب علي لاريجاني، مستشار الأمن القومي الإيراني، إلى إعلان عدم موافقته على الاتفاق، بحجة أن إيران منتصرة في حلب والمنتصر غير مضطر لتقديم تسهيلات للمهزومين.

وبالتالي فإيران تريد قتل الرجال وسبي النساء واسترقاق الذراري ونهب الغنائم، بحسب قوانين الحرب الإيرانية التي تطبقها على السوريين، وهذا الموقف الإيراني يمكن أن يكون استجابة لمقايضات سياسية وأمنية مع أمريكا؛ أي بطلب من أمريكا، لإفشال الاتفاق أيضاً، بدليل أن موقف ديميستورا ضد الاتفاق بحجة منع نقل المقاتلين من حلب إلى إدلب.

هذا الموقف الإيراني لا بد أن يجد استنكاراً من الروس، ومن الدول العربية التي يهمها إنقاذ أكبر عدد ممكن من الشعب السوري في حلب وغيرها، وروسيا بحاجة إلى التأييد التركي والعربي والإسلامي لتنفيذ الاتفاق أولاً، ومواصلة الدور التركي بين روسيا والمعارضة السورية للتوصل إلى حل سلمي ينهي الأزمة السورية ثانياً، وإلا فإن روسيا سوف تخسر المزيد من الخسائر المعنوية والسياسية والمادية في سوريا، دون أن تحقق نجاحاً.

أي إن روسيا لا بد أن تكتشف الدور الإيراني السلبي ضدها، وأن إيران وهي تبحث عن حجج لإفشال الاتفاق فإنها تضر بروسيا جداً، وأنها تعمل ضد الحل السياسي الذي ينقذ سوريا، والذي يخرج روسيا من سوريا ناجحة أيضاً، فإيران بوقوفها ضد الاتفاق إنما تقف ضد روسيا أولاً، وضد تركيا ثانياً، وضد كل من يهمهم التوصل إلى حل سلمي ينهي الأزمة السورية.

إن الدور التركي في الوساطة بين روسيا والمعارضة السورية كفيل أن يحقق النجاح لإيجاد حل سياسي للأزمة السورية، ولكن بشرط وضع حد للتخريب الذي يمكن أن تقوم به إيران ومليشياتها على الأرض لتخريب الاتفاق، وكذلك بشرط أن لا تخرج فصائل سورية تدعي قيادتها للمعارضة تطالب بأن يكون الاتفاق بين روسيا والمعارضة السورية تحت مظلة الأمم المتحدة ومتابعة جنيف1، فهذا الطلب الآن ليس بريئاً، فقد أضاعت الأمم المتحدة أربع سنوات منذ جنيف1، وقتل في هذه السنوات مئات الألوف من الشعب السوري.

وقد قيل: "لا يجرب المجرب إلا من كان عقله مخرب" أو مخترقاً، فالأولى هو الذهاب إلى المفاوضات التي تدعو لها روسيا في كازاخستان أو غيرها، وأن يبقى الدور التركي وسيطاً لإزالة العقبات أمام المعارضة السورية، على أن تلتزم روسيا بتنفيذ ما يتم التوصل إليه من اتفاقيات مع المعارضة السورية، حتى لو كانت الجهات المخربة لها هي إيران أو مليشياتها على الأرض، بما فيها مليشيات بشار الأسد نفسه، فروسيا غير معنية بالفتوحات الطائفية الوهمية التي أطلقها نائب قائد الحرس الثوري الإيراني العميد حسين سلامي لإفشال اتفاق حلب، بل هي في النهاية ضد الأمن القومي الروسي نفسه.