سليماني يستعرض في حلب و"نجباؤه" يقتلون المدنيين

روسيا وإيران والنظام السوري، ثلاثي سيبقى في ذاكرة العالم أنه دمّر حلب، ولعل الشريك الرابع في المسؤولية هو الولايات المتحدة التي بذلت الكثير من أجل بلوغ هذا اليوم، فالتفاهم الروسي - الأمريكي على إخلاء حلب كان واضحاً.

هذه ليست مجرد مدينة، بل حاضرة انحفرت في التاريخ بتجربتها الإنسانية الخاصة، المغرقة في القدم، المتواصلة بفضل أهلها لا بجهد محتلّيها القدامى الذين لم يرحّلوا أهلها منها، وستستمرّ بعودة أهلها وليس اعتماداً على محتلّيها الجدد، الذين لم يكن لهم أي دور في بناء عزّها، وإنما كان لهم الدور كلّه في تخريبها وإعدام مقوّمات العيش فيها.

ليست صدفة أن يكون قاسم سليماني أول متفقّدي الركام الذي ترقص فوقه عناصر ميليشياته، بل أراد الجنرال الإيراني أن يوقّع «انتصاره» بقدميه، كما فعل مراراً في العراق.

كثيرون تذكروا صورة آرييل شارون في بيروت خلال اجتياح لبنان قبل أربعة وثلاثين عاماً، إذ رأوا تحدّياً متماثلاً في الحدثَين؛ الإسرائيلي غازياً في عاصمة عربية، والإيراني معربداً في حلب بعد دمشق.

جاء سليماني للتصوّر في قلعة حلب فيما كانت طهران تقيم الاحتفالات بـ «أولى الفتوحات». ما الذي أراده الإيرانيون؟ مواجهة «المؤامرة الكونية» أم محاربة التكــفيريين، كما ادّعوا ويدّعون؟ ما حصل في حلب كان بإرادة الروس، وبموافقات متفاوتة من دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، وحتــى من رجب طيب أردوغان، وإن مضطرّاً وعلى مضض، فلو لم تقدّم أنقرة سكوتها خلال العملية العسكرية لما فاوضـها الــروس، بل لما وافقوا على التفاوض مـع الفصائل لوضع ترتيبات إجلاء المدنيين والمقاتلين.

لم يكن الإيرانيون يريدون وقفاً للنار ولا خروجاً آمناً للمدنيين، كان مقاتلو ميليشياتهم تلقوا شحناً نفسياً على مدى أسابيع هدفه «قتل كلّ من في حلب»، لذلك أوقفوا الباصات، ونكّلوا بالمغادرين، ونهبوا أموالهم، وقتلوا منهم مَن قتلوا، ثم عطّلوا الإجلاء لإجراء إجلاء متزامن من قريتَي الفوعة وكفريا الشيعيتين المحاصرتين في محافظة إدلب، على رغم أن مــعاناة حلب وأهلها كانت أكثر عجلةً وإلحــاحاً. كانت روسيا تحت ضغط دولي لأن هذه الميليشيات- حليفتها - باشرت تصفـية المدنيين باقتحام البيوت وإخراج العائلات منها، حتى إنها أقدمت على تعذيب أطفال قبل استجوابهم ثم قتلهم، وقد تولّت الأمم المتحدة كشف هذه الجرائم.

لم تكن معركة حلب ضد «المؤامرة» ولا ضد الإرهاب، بل كانت معركة لزرع كل الأحقاد التي يمكن أن تنتج العنف المتطرّف المقبل. الواقع أن ما أراده الإيرانيون هو تسجيل أول واقعة سقوط مدينة «سنّية»، وأول انتصار خالص في الحرب الشيعية - السنّية، الدائرة بالأحرى من جانب واحد، إذ لم يتبنَّ السنّة هــذه الحرب ولم يرغبوا في خــوضها، بل رفضوها ويرفضونها، في حين أن إيران استثمرت فيها الكثير وما انفكّت تدفع الشيعة أينما كانوا إلى استعداء السنّة، بثقافة عدائية بات واضحاً بعد حلب أنها تحلل قتلهم، فإيران مصرّة على الحرب، والعرب مصرّون على المسالمة، لكن المحارب يخوض حربه وينتصر ويعيث فساداً. وقد أظهر وجود قاسم سليماني، في الوقت الذي أقدم «إرهابيون أجانب موالون للنظام السوري» (كما باتت التسمية الدولية للميليشيات الإيرانية)، على قتل أربعة عشر مدنياً، مدى استهتار القادة الإيرانيين بأخلاقيات القتال، إذ لم يعد هناك فارق بينهم وبين «شبّيحة» النظام. بل إن وجود سليماني في تلك اللحظة تسبّب بحماسٍ أمريكي مفاجئ ومتأخر لإثارة قضيّته في مجلس الأمن، وليس مؤكداً أن واشنطن ستفعل، لأنها سبق أن باركت الدور الإيراني في سوريا ولم تعترض عليه إطلاقاً.

لم تحسم معركة حلب الصراع في سوريا، إلا أنها مرشحة لإطلاق ورشات البحث عن حلول بعيدة المدى. عندما ظهر رأس النظام ليعلن عن «انتصاره الإلهي» كان يؤكد أنه ربح رهان بقائه في السلطة، لكنه يجهل على الأرجح لماذا سيبقى، طالما أنه لم يعد مؤهلاً لتوحيد الشعب والبلاد. المؤكّد أن بقاءه لا يفيد سوى إيران وروسيا؛ وإذ كشفت طهران بعض أوراقها في شأن ما تريده مما بعد حلب، فإن الأهم عندها أن تضمن عدم مشاركة النواة الصلبة السنّية في أي حكومة تنبثق من أي «حل سياسي»، وهي تتمسّك ببشار الأسد باعتباره المدافع الأول عن مصالحها، والحريص على استمرار وجودها؛ لأنه سيحتاج إلى ميليشياتها لفترة طويلة. أما موسكو فتعتبر أنها ربحت لتوّها ورقة «بقاء النظام»، أو ما تسميه «الحفاظ على الدولة والمؤسسات»، لكنها كانت ولا تزال تعلم أنها تتحدّث عن كذبة أو عن شيء وهمي، وما يبرّر تمسكّها بالأسد هو حاجتها إلى «شرعية» تغطّي دورها في سوريا، رغم علمها بأن هذه «الشرعية» الورقية لا تعني شيئاً بالنسبة إلى بقية دول العالم. تراهن موسكو على «حل سياسي» مبنيّ على وجود الأسد في شكل أساسي ومشاركة «المعارضات الموالية» التي رعتها هنا وهناك بغية إشراكها في إعادة ترميم شرعيته.

لكن تبقى المعارضة الحقيقية، المتحالفة مع الفصائل المقاتلة، التي شارك النظام وروسيا وإيران في مقاتلتها، كما شاركت أمريكا في خداعها، هذه المعارضة هي التي يعتقد الجميع أنها هُزمت في حلب، ويريدونها بالتالي أن تستسلم وتعلن «انتهاء الثورة». وقد نصحها جون كيري بأن تذهب إلى أي مفاوضات وتوافق على المشاركة في «حكومة وحدة وطنية برئاسة الأسد»، قائلاً إن هذا «أفضل ما يمكن أن يُعرَض عليها الآن، والأرجح أن ما سيُعرض عليها مــع إدارة دونالد ترامب سيكون أقلّ وأســوأ»... وبطبيعة الحال فإن المعارضة ستجد نفسها في مأزق محتمل، سواء مع داعميها أو مع الذين منحوها ملاجئ ومنابر وتسهيلات طالما أن وجودها على الأرض السورية كان دائماً مستحيلاً. هنا ستجد تركيا نفسها تحت ضغوط روسية وإيرانية، وحتى أمريكية ومن بعض أوروبا، إذ يراهن عليها الروس لتضغط على المعارضة المتمثلة خصوصاً بـ «الائتلاف»؛ لتأمين مشاركتها وقبولها الصيغة المقترحة. وللحصول على تعاون أنقرة كثّفت موسكو التعاون معها في الفصول الأخيرة من عملية شرق حلب، كما أن الاجتماع الثلاثي في شأن سوريا، وهو الأول من نوعه بين روسيا وتركيا وإيران، يكرّس المرجعية الروسية بالتوافق مع واشنطن.

ليس مؤكّداً أن روسيا ستكون محايدة بين الطرفين الآخرين، إذ تبقى حالياً أقرب إلى إيران التي تتقاسم معها الكثير من الأهداف في سوريا، وأهمها دعم نظام الأسد، على رغم الخلافات المتزايدة بينهما على الأرض، التي أظهرت تباعداً في مسائـل استراتيجية ستتفاعل في المراحل المقبلة، منها مثلاً متطلبات الحل الأمني والسياسي، ووجود الميليشيات متعددة الجنسية التابعة لإيران. أما تركيا التي خسرت الكثير من طموحات النفوذ التي أبدتها سابقاً، فيبدو أن روسيا ماضية في تعويضها تلك الخسارة، من خلال الدور الذي تلعبه في عملية «درع الفرات»، لكن يبقى أن تنال ما يطمئنها بتقنين دور أكراد حزبَي «الاتحاد الديموقراطي» و«العمال الكردستاني»، وعدم تشجيع قيام كيان كردي انفصالي في شمال شرقي سوريا. ومن الواضح أن ثمة مساومة بدأت، بدليل أن وزير الخارجية التركي أثار علناً مسألة «قطع الدعم عن بعض المجموعات الوافدة إلى سوريا من الخارج مثل حزب الله اللبناني والمجموعات الأخرى».

قد لا تكون إيران مرتاحة إلى هذه الصيغة الثلاثية، لكنها فهمت أن هناك شيئاً من التسليم الدولي لروسيا في إدارة الأزمة السورية، وبالتالي عليها أن تتعامل مع هذه الصيغة طالما أنها لا تمسّ بمصالحها، وقد أصبحت الميليشيات جزءاً من تلك المصالح. يكفي أن يكون لقاء موسكو تطرّق إلى «حزب الله» ليشكّل ذلك إنذاراً لطهران بأن قضية الميليشيات من شأنها أن تتفاقم إذا لم تبادر إلى اتخاذ خطوات في شأنها. لكن المرحلة المقبلة قد تبيّن للإيرانيين كم كان مخطئاً ذهاب سليماني للاستعراض في حلب، وكم كان مخطئاً اعتداء «النجباء» على المغادرين، إذ إن ممارساتهم اضطرت الروس للتهديد بإطلاق النار على من يعرقل عمليات الإجلاء، ثم اضطرتهم إلى القبول بمراقبين دوليين.

(الحياة اللندنية)