• العبارة بالضبط

هل قتل السفير الروسي في أنقرة عمل فردي أم مدبر؟

من المؤكد أن عملية قتل السفير الروسي أندريه كارلوف على يد رجل منسوب إلى الأمن التركي (مولود مرت ألتنطاش) كانت الضربة الأمنية الأقسى التي تلقتها منظومة الأمن التركية في هذا الشهر، فخلال أقل من أسبوعين تعرضت تلك المنظومة إلى ثلاثة زلازل أمنية هزت الرأي الداخلي والخارجي لتطرح تساؤلات كبيرة، وعلى وجه الخصوص حول عملية قتل السفير الروسي هل هي مدبرة أم أنها عمل فردي؟!

بعيداً عن الأسئلة الكثيرة التي طرحت من قبل عن كيفية وزمان العملية وتوقيتها، وخاصة أنها حدثت قبل انعقاد القمة الثلاثية في موسكومع تركيا وإيران، إلا أن هناك ثلاثة أسئلة قد طرحت نفسها بقوة حول هذه العملية لتثير الشكوك بأن هذه العملية مدبرة على أعلى مستوى، وقد تكون هناك جهات خارجية ضالعة في هذا العمل، وأن هذا العمل ليس عملاً فردياً كما يُطرح في بعض وسائل الإعلام، ولهذا أرسلت روسيا وفداً كبيراً (بعد الموافقة التركية) يضم ثمانية عشر خبيراً؛ بينهم المحقق الذي أشرف على التحقيق في عملية تفجير نفق موسكو عام 2010.

السؤال الأول هو لماذا تم إطلاق النار وقتل السفير دون غيره علماً بأن من بين المتواجدين في المكان الذي كان يتكلم به السفير روس آخرون؟ فلو كانت مسألة انتقام فردية لانتقم الفاعل من أكبر عدد ممكن، كما حدث في حالات انتقامية مشابهة؛ لإيلام الطرف الثاني قدر المستطاع، لكن القتل كان يستهدف شخصاً واحداً فقط دون غيره. علاوةً على أن هذا السفير من أشد الداعمين لنظرية تقوية العلاقات مع تركيا، وهو ممّن ساهموا في عودة العلاقات التركية الروسية بعد أزمة إسقاط الطائرة الروسية؛ ولهذا السبب تبدو العملية أقرب لعملية اغتيال، أما السؤال الثاني فهو عمر القاتل والذي هو في بدايات العشرين من عمره، وهذا يوحي وكأن هناك استغلال لحماسة واندفاع الشباب وزد فوق هذا العاطفة الدينية، فالكلمات التي أطلقها منفذ العملية باللغة العربية وإن كانت ركيكة إلا أنها تخفي خلفها الكثير من عمل نفسي للسيطرة على ذهن وأفكار الفاعل، وأخيراً والسؤال الثالث لماذا رفض تسليم نفسه وقال باللغة التركية: إذا أردتم أن تأخذوني من هنا فخذوني جثة هامدة (وهذا مرتبط بالسؤال الثاني)، فلو كان عملاً فردياً لسلم نفسه كما حدث في كثير من الحوادث، ولما آثر الموت على الحياة ليخفي خلفه لغزاً كبيراً ويحرج بذلك الحكومة التركية، وخاصة أن المقتول سفير إحدى أكبر الدول.

ورغم أن الحادث وقع في تركيا والقاتل تركي إلا أن بعض القوميين الروس اتهموا المخابرات البريطانية بذلك، وربطوها بحادثة قتل السفير الروسي في إيران عام 1829، والتي تصادف توقيتها في نفس توقيت مقتل السفير في أنقرة، وحتى أنه في يوم مقتل السفير كارلوف كان في برنامج الرئيس الروسي بوتين زيارة إلى أحد المسارح لكنه ألغاها. ولأن الروس متشككين أصلاً من أن العمل هو عمل "فردي" لما أرسلوا وفداً كبيراً للتحقيق في مجريات الحادثة، التي هي أصلاً حدث في غاية الخطورة، ورغم أن التحقيقات كشفت كثيراً من الأشياء التي تستدعي ربط العملية بجماعة فتح الله غولن التي اتهمتها الحكومة التركية بأنها وراء العملية؛ لأن الفاعل قد درس في مدارس الجماعة، وأن الذين أدخلوه إلى سلك الأمن هم الآن فارون بتهمة الانتماء لتنظيم غولن، علاوة على أربعة أرقام مشفرة وُجدت في هاتف القاتل وعرض فيلم يظهر تواجد الفاعل قبل ثلاثة أيام من الحادثة في معرض تشاغ داش الذي تمت فيه عملية القتل، وعلى ضوء هذا، فإنه إذا أثبت التحقيق أن جماعة غولن خلف تلك العملية فإن المشكلة ستصبح أكبر؛ لأن الأمر لم يعد متعلقاً فقط في الخلاف التركي الأمريكي حول تسليم غولن، بل أصبح هناك طرف ثالث سيطالب به وهم الروس فالقتيل قتيلهم بل سفيرهم.