تداعيات قرار مجلس الأمن المتعلق بالاستيطان

يبدو بأن التصويت على القرار 2334 المتعلق بإدانة الاستيطان في الأراضي الفلسطينية، وذلك بأغلبية مطلقة، وبامتناع الولايات المتحدة الأمريكية عن التصويت في سابقة لم تحصل طوال فترة الثماني سنوات الماضية التي حكم فيها الرئيس باراك أوباما البيت الأبيض، قد أحدث ضجيجاً هائلاً وحرك المياه الراكدة، لا بل ذهب البعض بعيداً في وصفه حيث قالوا بأنه قد تسبب بصدمة كبيرة في بعض الأوساط التي لم تكن تتوقع تمرير هذا القرار بهذه السهولة وبهذا الإجماع الدولي، وهنا نرصد بدورنا بعض ردود الأفعال وأبعادها.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس حرص على التعبير بأن القرار يمثل انتصاراً معنوياً فقط، ممّا يعني بأن هناك إقراراً منه بأن هذا القرار غير قابل للتنفيذ عملياً ولا يتمتع بصفة الإلزام، واعتبر أن الاستيطان غير شرعي، لذلك لا يعرف لماذا ينزعج الآخرون من هذا القرار؟ محاولاً بذلك تهدئة الأجواء المتوترة التي أحاطت بهذا القرار، وفي نفس الوقت إرسال رسائل سياسية للحث على فتح الباب مجدداً أمام المفاوضات! حيث قال إن هذا القرار لا يعني أن القضية قد حُلَت، وإنما ذلك يعني أن الباب قد فُتِحَ من أجل المفاوضات ومن أجل السلام، ومن أجل الوصول إلى حل الدولتين؛ دولة فلسطينية على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ودون القدس لا توجد دولة فلسطينية، في رسالة سياسية منه إلى الرئيس المنتخب دونالد ترامب الذي عبر أثناء حملته الانتخابية عن عدم ممانعته للاستيطان في الأراضي الفلسطينية، وعن نيته نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، التي اعتبرها بأنها يجب أن تكون موحدة كعاصمة لدولة إسرائيل.

الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب عبر، من خلال تغريدة له عبر تويتر، عن أن الخسارة الكبيرة لإسرائيل في الأمم المتحدة، التي ترتبت على تمرير هذا القرار، ستجعل مفاوضات السلام أكثر صعوبة. وقال إن هذا أمر مؤسف جداً، لكننا سنتوصل إليه بأي حال، وهذا في تقديري انفتاح سياسي حذر ولكنه يحمل رسالة وعي اتجاه قضية الشرق الأوسط، تحمل في طياتها أملاً بأن هذا الملف سيحظى باهتمام إدارته مهما كانت التعقيدات والصعوبات، وهذا أمر في حد ذاته مبشر بالخير ويمثل بداية جيدة تتمثل في القدرة على ضبط النفس والقدرة على احتواء الآثار الجانبية للمناكفات التي لا زالت قائمة بينه وبين إدارة الرئيس الحالي باراك أوباما، ولكن هذا لا يغفل حقيقة أن هناك تخوفات من أن يكون هذا القرار حافزاً لتسريع عملية نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، وما يحمله ذلك من مخاطر وتحديات قد تثير ردة فعل الشارع الفلسطيني والعربي وتدخل المنطقة في دوامة من العنف.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في ظل التحديات التي تواجه بلاده، كان في موقف لا يحسد عليه خاصةً بأن الشارع المصري والعربي لم يتقبل المبررات التي سردتها وزراة الخارجية المصرية لتبرير سحب القرار، قبل تقديمه وتبنيه من قبل مجموعة الأربع دول التي تتمثل في ماليزيا والسنغال وفنزويلا ونيوزيلاندا، التي حصلت على شرف تقديم مشروع هذا القرار الذي نال الثقة في سابقة تاريخية في مجلس الأمن، بالرغم من أنه معروف تاريخياً بأن جمهورية مصر العربية هي الحاضنة الأساسية للموقف الفلسطيني والشريكة الرئيسية في كل مفاوضات السلام، لا بل هي تمثل اللاعب الأكثر أهمية الذي يحظى بثقة مطلقة لدى جانبي الصراع، ولكن هذا لا يغفل بالإطلاق أن مصر اليوم لها ظروفها ومصالحها التي باتت تتحكم بطبيعة موقفها في ظل التحديات التي تواجهها.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عبر عن الموقف الإسرائيلي الذي يبدو بأنه كان في حالة صدمة من التصويت على هذا القرار، وحصوله على هذه الأغلبية المطلقة وتمريره في مجلس الأمن، فكانت ردود فعله الأولية تتعلق بالوعيد بأنه سيعاقب الأطراف التي تبنت مشروع هذا القرار وقدمته للتصويت، لا بل وصل الحد بأن يهدد بعض أركان حكومته بالدعوة لضم الضفة الغربية لإسرائيل رداً على هذا القرار.

في تقديري أن جميع الأطراف، بمن فيهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يدركون جيداً بأن إسرائيل هي الطرف الأقوى في هذه المعادلة القائمة، وبأن هذا القرار لا يعدو سوى انتصار معنوي صعب التنفيذ على الأرض بدون اتفاق سلام، خاصةً في ظل مواقفهم المعلنة برفضه كغيره من القرارات التي سبقته، حيث أن هذا القرار لا يمكن تنفيذه بدون أن يكون هناك إرادة حقيقية وصادقة ورغبة قوية من طرفه وطرف القوى الإسرائيلية أولاً، والمجتمع الدولي ثانياً، وذلك لتحقيق السلام المنشود بين الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني، والذي لا يمكن أن يتحقق بدون الإقرار بحقوق الشعب الفلسطيني، والكف عن مصادرة أراضيه، والكف عن بناء مستوطنات غير شرعية تعمق الأزمة وتعمق التحديات، وتبعد الطرفين عن تحقيق السلام الذي بات أمراً حيوياً وهاماً للغاية؛ من أجل الأجيال القادمة التي تتطلع للعيش بأمن وأمان وسلام في دولتين متجاورتين ومزدهرتين.