أيها الغزاة الحاقدون اسحبوا أوغادكم من مدينتنا وانصرفوا.. إنها حلب

أرجوكم جميعاً، استيقظوا، نحن لسنا في عام 1948، ولسنا في فلسطين من أرض الشام، نحن في حلب، واليوم هو الخميس 15 يناير/كانون الثاني من عام 2016، ليست آلة الزمن نتابع عبرها فيلماً من أفلام الخيال العلمي الهوليوودي. ولسنا في رحلة بالذاكرة تعود بنا إلى مشاهد التغريبة الفلسطينية على أيادي عصابات الهاغانا الصهيونية، لا، لسنا في حيفا الفلسطينية، إننا في حلب، بكامل وعيننا وحضورنا الذهني، نتابع على الهواء مباشرة التهجير القسري الواقع على أهلنا من أحياء حلب الشرقية، المشهد نفسه مع اختلاف بسيط؛ الصورة اليوم بالألوان.

نحن اليوم، وبكامل وعينا، نوثق جرائم الروس وعصابات إيران بحق أهالي حلب والشعب السوري الثائر، في وقت لم يعد فيه الخبر الأول الذي يتصدر تقارير وكالات الأنباء ومحطات التلفزة، كم عدد من قُتل اليوم في حلب ولم يتحدث الخبر التالي عن عدد المصابين في شرقي حلب؟

الحديث كله يتركز على ما بات يحلو للبعض تسميته "إجلاء" أهالي أحياء شرقي حلب، وهو الاسم المستعار الذي يتم به تزييف الحقائق والوقائع وتجميل القبيح "التهجير القسري" في زمن العولمة.

لا يلتبس عليكم الأمر ولا تُطيلوا التفكير وإمعان النظر، لا داعي للدهشة والاستغراب، قد تتشابه الأحداث لكن من ترونهم في الصورة أهل حلب، هذه أحياء صلاح الدين وهنانو وسيف الدولة والسكري والمشهد، إنها حلب. هؤلاء المهجَّرون أهل حلب سبقهم على درب الآلام –هذا "التهجير القسري"– أهالي داريا والقصير وبابا عمرو ويبرود.

نعم، الصورة واضحة من المصدر، إنها صورة قاسم سليماني، قائد فيلق القدس "الإيراني"، يقف مزهوّاً منتفش الريش أمام قلعة حلب، جاء ليحتفل مع عُصبته وقطعان مرتزقته بانتصاراتهم، ليس بتحرير القدس؛ بل على أشلاء حلب، والصواب على حلب التاريخ والحضارة والإنسان.

لا، لست مخطئاً عزيزي القارئ، الصورة ليست ملفَّقة ولا مفبركة، ليست مندسَّة. إنه سليماني وإنها حلب، لم يُضع أو يخطئ الطريق إلى القدس. المجرم بكامل وعيه وحضوره الذهني، ببساطة هو وُجد من أجل هذا الدور؛ تدمير حلب، ولم يدر في مخيلته ذات يوم أو فكَّر مجرد تفكير أن يحرر القدس. لا تنغرَّ بالأسماء "فيلق القدس"؛ فكثير منا ليس له من اسمه نصيب.

السيدات والسادة المحترمين، قد يصاب أحدنا بشرخ في الذاكرة أو انفصام بالمشهد. لكن الصورة والصوت واضحان من المصدر، إنها حلب. والقتلة هم القتلة أنفسهم "الهاغانا" ولو تغيرت الوجوه والأسماء وطال الزمن. الفعل فعلهم والفكر فكرهم. في أبريل/نيسان من عام 1948، قامت عصابات الهاغانا بقتل وذبح وتشريد أهلنا في حيفا بفلسطين وقامت بتوطين اليهود الصهاينة بدلاً منهم، وحاولت عبثاً تغيير ذاكرة جغرافيا المكان والتاريخ والإنسان وإحلال أشخاص بدلاً من أهل الدار، في محاولةٍ إلغائية للفلسطينيين وإحلالية للمستوطنين من كل بقاع وأجناس الأرض وقفارها. كان دور هاغانا الصهيونية في تلك الحقبة الزمنية هو إنشاء وتأسيس جيش للصهيونية يسيطرون به على فلسطين من أرض الشام. أما الدور المنوط بهاغانا "الفرس" اليوم، فهو تشكيل وتأسيس نواة الجيش الشيعي للسيطرة على بلاد العرب أوطاني. اليوم وفي شهر ديسمبر/كانون الأول من عام 2016، تقوم هذه العصبة بعد أن بدلت أثمانها وغيرت مسمياتها بالمحاولة نفسها؛ إلغاء أهالي أحياء حلب الشرقية كما فعلت في يبرود وداريا والقصير.

لم يتغير شيء في النهج والتفكير، فقط الأسماء تغيرت والأفعال هي هي مذ 1948 إلى 2016. لكن اليوم الملغى هم أهل حلب؛ بل حلب بإنسانها وعمرانها وحاضرتها وماضيها ومستقبل أبنائها، وبقية من أهل سوريا. والإحلال البديل عنهم مليشيات متعددة الجنسيات والثقافات يجمعها شيء واحد هو، "ولاية الفقيه" الذي أمرهم فأطاعوه دون تفكير أو واعظ من ضمير كيف نفعل ذلك بأناس آخرين هم بشر مثلنا لهم عائلاتهم، وذكرياتهم وأحلامهم سكنت معهم في أنفسهم وبيوتهم، كبروا معاً، وصارت جزءاً أصيلاً منهم! البديل اليوم لأهل حلب لم يعرفوها ولم يعيشوها، فلم يشهدوا ﻋﺒﺪ الرحمن الكواﻛﺒﻲ "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد". ولم يسمعوا قول أبي العلاء المعري:

حلب للوارد جنة عدن ** وهي للغادرين نار سعير

وبكل تأكيد، لم يقرؤوا "رسالة الغفران": يا شاكي النُّوب انهض طالباً حلباً ** نهوض مضنى لحسم الداء ملتمس

واخلع حذاك إذا حاذيتها ورعاً ** كفعل موسى كليم الله في القدس

لو أنهم قرؤوا ما فهموا من هي حلب. لا الروم نالت من حلب ولا ما ساسه في القوم ساسان، العجم نال من حلب، ولم يستطع هولاكو المغول قهر حلب ولا إغريق اليونان ولا روم بيزنطة. جميعاً ذهبوا وبقيت حلب، وجميعاً ذاهبون وستظل حلب أم التاريخ وبوابة الحضارة ومعقل الأدب. كل الخونة، والمارقون المنفلتون من عقال الأخلاق والقيم الإنسانية، الحالمون عبثاً بالتمرد على عِبر التاريخ ودروسه، وأولئك المتراقصون على أشلاء أطفال حلب، أنتم جميعاً ذاهبون إلى غير رجعة كما سبقكم كثيرون عبر القرون من الغزاة الحاقدين جميعهم سقطوا وما زالت بالأمل والعزيمة بأهلها تحيا حلب. أيها الغزاة، أيها المجرمون القادمون من غياهب الجهل، الغارقون بشعوبيتكم وأوهام ثاراتكم، لن تهزموا حلب. اسحبوا أوغادكم من مدينتا وانصرفوا.

ميسرة بكور

* كاتب وباحث سوري