حكم المليشيات.. لهذا السبب تعرقل إيران وقف إطلاق النار بسوريا

أثارت الخروقات التي شهدتها الأيام الأولى من وقف إطلاق النار الذي توصلت إليه المعارضة السورية ونظام الأسد في أنقرة، برعاية روسيا وتركيا، الانتباه إلى أطراف أخرى في الصراع تسعى إلى محاولة إفشال الاتفاق أو عرقلته، برغم جدية الطرفين الروسي والتركي في إتمامه، بحسب محللين.

فمنذ دخول الاتفاق حيز التنفيذ، يوم 30 ديسمبر/كانون الأول الماضي، وهو يشهد خروقات في مناطق عديدة؛ ما بين قصف واشتباكات من قوات تابعة لنظام الأسد، أو مليشيات مدعومة من إيران، وهو ما يحمل رسالة مباشرة تدل على عدم رضى الأخيرة بهذا الاتفاق المبرم؛ لكونها المتضرر الأكبر منه.

ويتفق كل من النظام السوري وإيران على ضرورة استمرار الاشتباكات؛ في محاولة لتحقيق مزيد من المكاسب على الأرض، بما ينعكس على طاولة المفاوضات، دون مبالاة باتفاق تم إقراره من قبل روسيا، التي باتت تملك القرار الحقيقي من جهة، وتركيا التي باتت تستشعر خطورة التهديد الذي يحيق بها حدودياً.

وزير الدفاع التركي، فكري إيشق، كان قد صرح في أول أيام الهدنة ما معناه أن اتفاق وقف إطلاق النار لا يزال صامداً رغم الخروق التي تقف خلفها جهات معينة، مضيفاً: "نعلم أن بعض البلدان تقوم بأعمال خلف الستار من شأنها التسبب بانهيار الاتفاق"، في إشارة إلى إيران، التي اتجهت أصابع الاتهام نحوها في الخروقات التي وقعت في وادي بردى والغوطة الشرقية بريف دمشق بشكل أساسي.

الحكومة التركية سعت لتعزيز الاتفاق في محاولة لتحييد إيران، حيث قال وزير خارجيتها، مولود جاويش أوغلو، إنه يأمل أن تمارس إيران تأثيراً إيجابياً على حزب الله والتنظيمات الشيعية والنظام السوري من أجل تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار في سوريا، وفق ما قاله في تصريح للصحفيين بولاية أنطاليا في 30 ديسمبر/كانون الأول 2016، مؤكداً أن هناك مجموعات ودولاً غير راضية عن الاتفاق.

تصريحات الساسة الأتراك دلت بوضوح على أن إيران تحرص على إفشال الاتفاق، وأن مليشياتها التي تدعمها والنظام السوري يسعون جميعاً إلى عرقلة الاتفاق عبر اشتباكات ومناوشات على الأرض، في انتهاك صارخ للاتفاق المبرم، وفي تجاهل تام للضمانة الروسية في إنجاح الاتفاق.

وعبّرت إيران عن تحللها من الاتفاق بصراحة، حسبما جاء على لسان المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني، العميد رمضان شريف، الذي قال في 31 ديسمبر/كانون الأول 2016، إن "محور المقاومة" قد يواصل عملياته العسكرية بأي منطقة في سوريا بحال اقتضت الضرورة ذلك، زاعماً في الوقت ذاته أن "بعض المجموعات الإرهابية تقف مانعاً أمام تحقيق ذلك".

اقرأ أيضاً :

جحيم الطائرات الروسية.. كابوس قديم تجدد بعد التدخل في سوريا

من جهته صرح علي أكبر ولايتي، المستشار الأول للمرشد الإيراني علي خامنئي، أنه برغم اتفاق وقف إطلاق النار في سوريا، فإن حزب الله لن يخرج من هذا البلد، مستدركاً بالقول إن طهران ستواصل التنسيق مع موسكو حول سوريا.

وأضاف قائلاً، في تصريحات نقلتها وكالة (إسنا) الإيرانية: "خروج حزب الله من سوريا بعد اتفاق وقف إطلاق النار دعاية الأعداء"، في إشارة إلى موقف إيران الرافض للاتفاق ضمنياً.

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات خلص في ورقة تقدير موقف، نشرت الاثنين 2 يناير/كانون الثاني 2017، إلى أن إيران تشكّل عقبة أساسية في وجه الجهد الروسي التركي في سوريا، بدأت بتحفّظها على التحركات الروسية التركية منفردين، بالإضافة إلى أنها أبدت استياءها من روسيا جراء تجاهل الأخيرة طلبها اعتبار بعض فصائل المعارضة السورية المشاركة في محادثات أنقرة "إرهابية"، فضلاً عن خشيتها من وجود تفاهمات روسية - تركية غير معلنة لحل الأزمة السورية.

ودل على هذه العرقلة الإيرانية ما قام به الحرس الثوري عبر حزب الله من استمرار استهداف قرى وبلدات وادي بردى والغوطة الشرقية في ريف العاصمة دمشق، متجاهلاً الاتفاق، وفق ما ذكرته ورقة المركز، التي وصل إلى "الخليج أونلاين" نسخة منها.

تعزيز النفوذ

ثمة أمر آخر يكمن في استغلال إيران عدم الاستقرار الناشئ، وحجتها في محاربة الإرهاب، لتعزز نفوذها في المنطقة العربية، في الوقت الذي تشغل فيه الجميع بالتصدي لمثيري الشغب وباعثي الفوضى الذين يتحركون بإيعاز إيراني، وهو ما بدا جلياً في محاولاتها عرقلة الاتفاق الحالي، والاتفاقات السابقة؛ عبر مليشياتها، بعدما أبدت امتعاضاً لعدم إشراكها بشكل مباشر في الاتفاق التركي - الروسي.

ومن ناحية أخرى، تعتمد الاستراتيجية الإيرانية للتوسع في المنطقة على مبدأ خلق المليشيات وتعزيز دورها في إدارة الدول بحكم القوة، على اعتبار أن ولاء المليشيات مضمون أكثر من ولاء الدول مهما كانت حليفة.