حفتر يجنح لمزيد من الاقتتال.. والسر في موسكو

بعد تواريه عن الأنظار، وانحسار تحركاته، وتراجع قواته على الأرض، عاد اللواء المتقاعد، خليفة حفتر، للظهور على الساحة السياسية الليبية بقوة، وبدأ في تحقيق انتصارات ملموسة ومهمة على الأرض في مواجهة حكومة الوفاق (في طرابلس) المدعومة دولياً، والتي تعاني أزمات كبيرة. بل إن الحديث عن ضرورة مشاركته في قيادة البلاد بات مطروحاً للنقاش لدى دول كبرى، ما يؤكد أن تغييراً كبيراً طرأ على المعادلة السياسية التي تعاني تأزماً كبيراً وصراعاً بين ثلاث قوى سياسية، وبرلمانَين.

في27 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، زار حفتر، المتمركز في شرق ليبيا، موسكو رسمياً، واجتمع بوزيري الدفاع، سيرغي شويغو، والخارجية سيرغي لافروف، ومجلس الأمن القومي، حسبما أفادت وكالة سبوتنيك الروسية.

وبعد أسبوعين من هذه الزيارة تمكنت قوات حفتر من السيطرة على منطقة الهلال النفطي، في مشهد غير متوقع أثار مخاوف دولية، ودفع المبعوث الدولي إلى ليبيا، مارتن كوبلر، للتحذير من أن ذلك سيزيد الشقاق ويؤثر على صادرات النفط.

حفتر ولافروف

والأحد الماضي، دعا فائز السراج، رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الليبية، من الجزائر، الأطراف كافة في بلاده إلى طاولة حوار، وفتح صفحة جديدة لحل المشاكل القائمة، بعيداً عن التدخل الخارجي.

-تمسك بالقتال

لكن حفتر قال في مقابلة مع وكالة رويترز، الثلاثاء، إنه لا توجد أي خطط لاستئناف المحادثات مع حكومة الوفاق، وهو ما قد يقوّض آمال الغرب في إنهاء أعوام من النزاع في البلد الذي يسوده الانقسام.

كما أكد مصدر قريب من الحكومة الجزائرية أنه "كان من المتوقع أن يجتمع حفتر مع فائز السراج، رئيس حكومة طرابلس المعترف بها دولياً، في الجزائر خلال الأيام المقبلة؛ لمناقشة إمكانية تشكيل حكومة وحدة وطنية".

اقرأ أيضاً :

"الفشل" يدفع نائب رئيس حكومة الوفاق الليبية للاستقالة

حديث المصدر الجزائري لا يمكن فصله عن إعلان نائب وزير الخارجية الروسي، غينادي غاتيلوف، في 27 ديسمبر/كانون الأول، أن "حفتر يجب أن يشارك في إدارة ليبيا"، وفقاً لوكالة بلومبرغ.

حفتر أكد في مقابلة جديدة، الثلاثاء، أن حالة الحرب الحالية "تتطلب قتالاً وليس سياسة". وفي وقت سابق من اليوم، نقلت صحيفة كورييري ديلا سيرا الإيطالية، عن اللواء المتقاعد قوله: "ما إن نهزم المتشددين يمكننا العودة للمحادثات بشأن الديمقراطية والانتخابات، ولكن ليس الآن".

حديث حفتر عن القتال يشي بأنه ربما حصل على ضوء أخضر من القيادة الروسية بالابتعاد عن طاولة المفاوضات والانخراط في الحرب، وهو خيار يبدو أنه -وإن كان يهدد بمزيد من الفوضى- ليس بعيداً.

حفتر كوبلر

-غزو طرابلس

أحد المصادر المقربة من حفتر قال لـ "الخليج أونلاين": إن اللواء المتقاعد "حصل على ضوء أخضر من موسكو لشن هجمة خاطفة يسيطر من خلالها على العاصمة طرابلس بمعاونة مؤيدين له في الداخل". وأكد المصدر (الذي تحفظ على ذكر اسمه) أن هذه الهجمة "ستترافق مع تظاهرات مناهضة لحكومة الوفاق، لكي يبدو الأمر وكأنه ثورة شعبية".

المصدر نفسه أوضح أن الترتيب لهذه العملية "يتم بمعرفة أحمد قذاف الدم، المبعوث الخاص للرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، المقيم في القاهرة، وكذلك سيف الإسلام القذافي، الموجود حالياً في الزنتان"، حسب قوله.

وكان حفتر، الذي يقول إن قواته تسيطر على نحو 80% من البلاد، قد أمر قواته في منتصف ديسمبر/كانون الأول، التي يطلق عليها اسم "الجيش الليبي"، بالاستعداد لـ "تحرير" طرابلس، كما أنه أكد أن الرئيس الروسي يحاول رفع حظر توريد السلاح المفروض على ليبيا من قبل مجلس الأمن.

Nic6330977

ورغم الحظر الدولي على توريد الأسلحة فإن الواقع يشير إلى أن حفتر يحصل من حلفائه على ما يريد، وخاصة من مصر، التي ينظر نظامها إلى قوات حفتر بوصفها جيشاً وطنياً رسمياً، ويتعامل مع حفتر على أنه قائد لهذا الجيش.

اقرأ أيضاً :

لأول مرة.. موسكو تعلن دعم حفتر للمشاركة في قيادة ليبيا

والمعروف أن الأطراف الدولية والإقليمية تؤدي دوراً محورياً في المشهد السياسي الليبي الملتهب؛ من خلال تحالفاتها مع مراكز القوى واللاعبين المحليين في إطار تقاطع المصالح. فتواجه حكومة الوفاق الوطني تحديات إنهاء الصراع في شرق ليبيا، مع إصرار معسكر حفتر ومناوئيه على مواصلة الحرب في بنغازي، ومحاولات حفتر استنساخ تجربة الانقلاب العسكري المصرية.

كما أن حكومة الوفاق لم تزل تلاقي معارضة في غربي ليبيا، وبعد الكشف عن ضلوع كلٍّ من فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة في مساندة حفتر عسكرياً ضد مناوئيه، صار المعسكر الشرقي هو الوحيد بين كافة الفرقاء الذي يؤيد التدخل الخارجي.

-حكومة في مهب الريح

وتُمثِّل الحرب على تنظيم الدولة اختباراً صعباً لمراكز القوى، فمن المفارقة أن حفتر الذي رفع شعار محاربة الإرهاب لم يفلح بعد عامين من المواجهات في القضاء على تنظيم الدولة، في حين نجح خصومه والقوات الموالية لحكومة الوفاق الوطني في هزيمة التنظيم في عدة مدن ليبية.

وفي خضمّ هذه الصراعات تبرز نية الدول الغربية -التي أيدت حكومة الوفاق- في السيطرة على حقول وموانئ تصدير النفط الليبي أكثر من حرصها على استقرار ليبيا، وذلك من خلال دعمها لحفتر، ولو بغض الطرف عن تحركاته.

حفتر

ووسط كل هذه العواصف والتقلبات، تقف حكومة الوفاق الوطني في مهب الريح، وتتصاعد مخاوف تحول الصراع في المنطقة الشرقية إلى طرح البعثة الأممية لخيار التقسيم كحل لإنهاء الحرب التي طال أمدها، وهو طرح سبق أن حذر منه الكاتب البريطاني ديفيد هيرست، في مقال كتبه لـ "ميدل إيست آي"، منتصف سبتمبر/أيلول الماضي.

وفي ظل تلك الظروف قد يشكِّل الصراع على النفط بين الشرق والغرب ملامح المشهد القادم في حال فشلت المؤسسة الوطنية للنفط والأطراف الغربية المعنية بالنفط الليبي؛ كإيطاليا وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، في إيجاد آلية عادلة لتقسيم عوائد النفط الذي يوجَد قرابة ثلثيه في برقة (الخاضعة لحفتر).

كما أن حدوث استقرار في المنطقة الغربية بعد هزيمة تنظيم الدولة في سرت ربما يدفع المجتمع الدولي للتعامل مع حفتر بوصفه صاحب قرار الحرب والسلام.