• العبارة بالضبط

لا أمل في وقف إطلاق النار.. وحوار الآستانة لا طعم ولا لون

تسرق هذه الأيام العاصمة الكازاخستانية، الآستانة، الأضواء من مدينة إسطنبول التركية، ولا يبدو أحد يرقب أو ينتظر ما ستفضي إليه طاولة الحوار التي ضرب لها موعد بعد منتصف الشهر الجاري، يناير/كانون الثاني، لأسباب ما أكثرها.

رغم أن موسكو وأنقرة استثمرتا في اجتماع الآستانة، وأرادوه اجتماعاً يعيد الزخم السياسي للملف السوري، بعيداً عن الولايات المتحدة الأمريكية وحلف الناتو. لكن ما كل ما تتمناه موسكو تناله، ويبدو أن حوار الآستانة ما هو إلا رمي حجر في بركة الدم السوري الفائضة.

لن نطيل الكلام في حقيقة ضعف واهتراء "الهدنة المزعومة"، السراب الذي يحسبه اللاهثون ماء، لنوضح حقيقة الخديعة.

مما لا شك فيه ولا ريب أن خيار الحرب لم يكن خيار الشعب السوري، ولا بإرادته، ولم يكن راغباً الآستانة فيه يوماً من الأيام، ولكن هو الخيار الذي دفع إليه بشار الأسد، وتحالف الشر الذي يدعمه، من أول يوم، بل من أول لحظة استشعر فيها تنظيم الأسد أن الدور جاء عليه في الخلع.

لأجل ذلك نحن رحبنا باتفاق وقف إطلاق نار شامل في كل المناطق السورية، بالتزامن مع انطلاق عملية سياسية انتقالية كاملة واضحة المعالم، تفضي بنتيجتها الحتمية إلى سقوط تنظيم بشار الأسد بكافة رموزه ومرتكزاته.

نقول للجميع بشفافية تامة، ليس لمصلحة أحد أن تسقط مؤسسات الدولة، ولم يعمل أحد من الثوار السوريين ولم يفكر بإسقاط مؤسسات الدولة. ونحن ندرك بوضوح وبوعي عميق الفرق بين تنظيم سياسي ومؤسسات الدولة أو دولة بكل مقوماتها.

إن الشخص الوحيد في سوريا الذي دفع إلى هذا السلوك هو تنظيم دمشق وحده، وإن الإرهاب وبدعته هو من منتجات هذا التنظيم، بشار الأسد، لتخويف المجتمعين المحلي والدولي، وأن البديل عنه هو الإرهاب والتطرف، وهذا كذب صريح.

اليوم نقول بكل وضوح إن محاربة الإرهاب تقوم بشكل أساس على إسقاط تنظيم دمشق، الشريان الذي يتغذى عليه الإرهاب.

ليس لدي شك للحظة واحدة أن الهدنة المزعومة التي أعلن عنها برعاية تركية روسية مشتركة، لن تجد طريقها للتطبيق على أرض الواقع، والأسباب والمسببات كثيرة جداً.

- عدم رغبة إيران في إتمام أي صفقة لا تكون شريكة في صنعها وتضمن لها السيطرة وتوسيع نفوذها، هذا ما شهدناه بكل وضوح عندما قامت العصابات الإيرانية في عرقلة اتفاق تهجير أهالي أحياء حلب الشرقية، وحاولت فرض شروطها الخاصة على الاتفاق الذي لم تشارك في توقيعه أو حضوره.

الشيء الطبيعي أن تعمل عصابات تحالف الشر الذي تقوده إيران لدعم تنظيم دمشق على خرق ما أسماه الرئيس الروسي بوتين الهدنة الهشة؛ لأنهم يعلمون علم يقين أن سبب استمرارهم بسوريا حتى اليوم هو ادعاء محاربة الإرهابيين والعصابات المسلحة التي استنبتها تنظيم دمشق لتبرير ذبح وإحراق سوريا والسوريين؛ فقط للحفاظ على حكم السلالة.

وفي حال توقفت هذه المزاعم "الحرب على الإرهاب الثوري"، فلم يعد هناك من مبرر لوجود المليشيات الإيرانية الطائفية في سوريا، والأمر الطبيعي أنه سيتم الانتقال للحديث عن الموضوع الأساس؛ وهو الانتقال السياسي السوري، وهو بكل تأكيد السيناريو الأسوأ الذي لا تريد إيران وتحالفها الطائفي الولوج إليه قبل تثبيت قوائم ظلها في سوريا "بشار"، وهو ما حاربت إيران من أجله على مدى ست سنين، واستثمرت فيه عشرات الملايين.

أحمق مغفل كل من يظن مجرد ظن، فضلاً عن أن يعتقد، أن تنظيم بشار الأسد وإيران سيسهلون وقف إطلاق نار في سوريا تكون نتيجته الولوج في عملية سياسية تفضي إلى انتقال السلطة في سوريا.

فبشار الأسد وإيران استخدموا كل ما لديهم من سلاح، واستجلبوا كل مرتزقة العالم من أجل حماية كرسي بشار وضمان حكم السلالة.

وبناءً على ما تقدم من موقف إيران ونظرتها لمستقبل سوريا، ندرك تماماً أن الهدنة ليس لها أي مستقبل على واقع الجغرافيا السورية.

إذا كانت كل نتيجة تلزم بالضرورة عن مقدمات لها، فإن النتيجة التي ستنتج عن "حوار" الآستانة، هي لا شيء. ذلك كما ذكرنا بسبب المقدمات التي سبقته نسرد جزءاً منها.

مجلس الأمن رحب فقط ترحيباً باتفاق وقف إطلاق النار ولمن يدعمه، كما أنه قال في قراره إن المجلس أحيط علماً بمحادثات آستانة، والضربة القاسية كانت في قرار مجلس الأمن أن بيان جنيف واحد وقرار مجلس الأمن ذا الصلة "2245"، ومن ثم لم يعد لنتائج حوار الآستانة أي قيمة غير الاستشارة به فقط وهي غير ملزمة.

* تصريحات وزير خارجية تنظيم دمشق، وليد المعلم، في طهران منذ أيام: "الرئيس السوري خط أحمر".

* تصريحات علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية، إن مفاوضات آستانة ستجري بين الحكومة السورية وفصائل المعارضة السورية المسلحة "المستعدة لترك السلاح والإرهاب، المستعدة لأن تكون جزءاً من الشعب السوري الكبير. لم يكن ينقص هذا التصريح إلا أن يقول إن على المهرولين إلى الآستانة ممّن يسمون معارضة "تقبيل يد خامنئي".

* ونضيف إليها تصريحات المسؤول الإيراني بأن إيران لن تقبل تقاسم النفوذ مع أي دولة أخرى في سوريا، وأن الحديث عن خروج عصابات حزب الله الإرهابي المتطرف من سوريا هو كلام فارغ ودعاية كاذبة.

النتيجة أنه لا مجلس الأمن الدولي اعتبر حوار الآستانة جزءاً أصيلاً من الحل السياسي في سوريا، ولا إيران قبلت بأن تكون منصّة الآستانة سواء في آخر النفق للولوج في عملية انتقال سياسي حقيقي في سوريا، وتنظيم دمشق رأس النظام عنده خط أحمر. فما هو الموضوع وما هي القضية التي سيحققها المؤتمرون في الآستانة؟

نعتقد أن حوار الآستانة سيكون فرصة للمؤتمرين فيه لالتقاط مزيد من الصور وتقضية وقت ماتع في مشاهدة جبال الثلج هناك.

بالعودة إلى موضوع الهدنة "المزعومة" على مدى الأسبوع الأول من إعلانها، لم يتم الالتزام بها ولا ساعة واحدة، وقد تجاوز الموضوع أمر خروقات، بل نحن نتحدث عن أكثر من أربعين قتيلاً سقطوا خلالها ومئات الجرحى. وتجاوزت مليشيا حزب الله هذا كله محاولة اقتحام منطقة وادي بردى بريف دمشق، والاستحواذ على أراض جديدة ثم تثبيت حدودها في الهدنة المزعومة.

من جانبه، الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الضامن أو بالأصح "الوصي على تنظيم بشار الأسد"، وأثناء إعلانه بنفسه التوصل إلى اتفاق الهدنة التي وصفها في حديثه أنها "هشة"، يبدو أن استخدام بوتين للفظ "هشة" هي كلمة السر والمفتاح الذي أمسكت به موسكو لتبرير التملص من استحقاق ضمان اتفاق الهدنة في سوريا.

أما عن إيران فلديها سلسلة واسعة من المبررات مختلفة الفصائل والجنسيات جاهزة لتلبي متطلبات إيران حين الضرورة. وهي بالأصل لم تكن شريكاً بالاتفاق، ورحّبت بها بعد ساعات وعلى مضض.

كما أن روسيا اعتبرت أن "داعش، وفتح الشام" غير مستثنيين من الهدنة، ما يضيف لها فرصة إضافية لتبرير جريمتها بقصف مناطق في إدلب كما حدث في الأمس.

الأمر الآخر إعلان تنظيم بشار الأسد أن داعش وفتح الشام و"حلفاءهم" غير مشمولين بالاتفاق. وكل ما ستفعله إيران أن تلتزم بما أقره تنظيم بشار، استهداف حلفاء داعش وفتح الشام "كل الفصائل المسلحة".

خلاصة القول لا أمل في هدنة، ولا الآستانة سينتج عنها شيء في حال عقدت وبمن حضر.. ورائحة من طبخوها أزكمت الأنوف..