• العبارة بالضبط

"مدائن صالح".. معلم سعودي يضع المملكة على خريطة الثقافة والسياحة

تعد المملكة العربية السعودية واحدة من أهم الوجهات السياحية في العالم، ومرد ذلك إلى كونها مهد الدين الإسلامي، الذي سطعت شمسه من أرض الحجاز، ببعثة نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم، حيث يقصد المسجد الحرام في مكة المكرمة، والمسجد النبوي في المدينة المنورة، ملايين المسلمين من قارات العالم الخمس، لأداء فريضة الحج ومناسك العمرة.

ولا يقتصر الثراء السياحي للمملكة على المواقع الدينية، بل تزخر أرضها بالمواقع الأثرية التي عرفتها البشرية قبل ميلاد السيد المسيح بقرون، ومنها "مدينة صالح" التي دخلت عام 2008 ضمن قائمة مواقع التراث العالمي للأمم المتحدة للعلوم والتربية والثقافة، لتصبح بذلك أول موقع سعودي يسجل في القائمة.

وتعد السياحة في السعودية من القطاعات الناشئة، وباتت تلقى دعماً متزايداً من الحكومة، خصوصاً في رؤية 2030، التي من بين أهدافها تطوير المواقع السياحية والتراثية وتأهيلها، والارتقاء بقطاع الإيواء ووكالات السفر والخدمات السياحية، وتطوير الأنشطة والفعاليات في المواقع السياحية، فضلاً عن تنمية الموارد البشرية السياحية، سعياً لتحويل السياحة إلى قطاع اقتصادي يسهم بفعالية متزايدة في الناتج القومي الإجمالي، ودعم الاقتصاد الوطني الذي يعتمد على النفط.

- الموقع والأهمية

"مدائن صالح"، وتعرف قديماً بمدينة الحِجْر، موقع أثري يقع شمال غرب المملكة العربية السعودية، يتبع محافظة العُلا التابعة لمنطقة المدينة المنورة، تقع على بعد 400 كم شمال غرب المدينة المنورة في منطقة سهلية، عند سفح هضبة من البازلت التي تشكل الجزء الجنوبي الشرقي من جبال الحجاز.

يتميز الموقع بطبيعته الصحراوية، وفيه تكوينات صخرية، كما أنه يمتاز بتنوّع ألوان صخوره الرملية بين الأحمر والأصفر والأبيض، بالإضافة إلى أن الموقع محاط بالكثبان الرملية من جميع الجهات.

اكتسبت المدينة أهميتها في التاريخ لكون موقعها استراتيجياً، يقع على الطريق الذي يربط جنوب شبه الجزيرة العربية ببلاد الرافدين وبلاد الشام ومصر، ومما زاد في شهرتها ذكرها في القرآن الكريم، حيث ورد ذكر "الحجر" في القرآن على أنها موطن قوم ثمود، الذين استجابوا لدعوة نبي الله صالح، ثم ارتدوا عن دينهم وعقروا الناقة التي أرسلها الله لهم آية فأهلكهم بالصيحة.

اقرأ أيضاً:

أبرزها "خليجي 23".. أحداث رياضية مرتقبة في الخليج بعام 2017

تعد مدائن صالح من أهم حواضر الأنباط، إذ تحتوي على أكبر مستوطنة جنوبية لمملكة الأنباط بعد البتراء في الأردن، والتي تفصلها عنها مسافة 500 كم، ويعود أبرز أدوارها الحضارية إلى القرنين الأول قبل الميلاد والأول الميلادي، خلال فترة ازدهار الدولة النبطية، وقبل سقوطها على يد الإمبراطورية الرومانية عام 106م، ويُعتقد أن الحِجْر استمرت في حضارتها حتى القرن الرابع الميلادي، وكانت عاصمة مملكة لحيان في شمال شبه الجزيرة العربية.

تضم آثار مدائن صالح 153 واجهة صخرية منحوتة، كما تضم عدداً من الآثار الإسلامية التي تتمثل في عدد من القلاع، وبقايا خط سكة حديد الحجاز، التي تمتد لمسافة 13 كم، وكذلك المحطة والقاطرات.

عالجت الموقع دراسات أثرية متعددة منذ بداية الحرب العالمية الأولى حتى توحيد المملكة العربية السعودية عام 1932.

وبحلول نهاية الستينيات الميلادية عملت الحكومة السعودية على برنامج لتحسين أسلوب حياة قبائل البدو الرحل الذين يقطنون المنطقة، وكان البرنامج يعمل على استقرارهم فيها، مع إعادة استخدام الآبار الموجودة والاشتغال بالزراعة، لكن اكتساب الموقع هويته الرسمية كموقع أثري سنة 1972 دفع الحكومة إلى توطين البدو نحو الشمال خارج حدود الموقع.

- المعالم الأثرية

عُثر في المدينة على آثار للاستيطان البشري منذ أقدم العصور، إذ فيها بعض الآثار التي تعود إلى عصور ما قبل التاريخ، وتؤكد النصوص القرآنية أنها كانت منطقة مأهولة بالسكان عندما سكنها الثموديون، وفيها وجدت بعض الكتابات اللحيانية، والثمودية، والعربية الجنوبية، دونت خلال ألف سنة قبل الميلاد؛ قبل مجيء الأنباط، الذين استعمروها في القرن الثاني قبل الميلاد حتى القرن الثاني الميلادي، وتركوا آثاراً بارزة فيها تمثلت في مقابرهم بواجهاتها الفخمة، وأماكن العبادة، والمنطقة السكنية، والمنشآت المائية.

مـدائـن صــالح (الحجر): من الأماكن الأثرية التي يمكن اعتبارها متحفاً مفتوحاً، حيث تبلغ مساحة المنطقة الأثرية 13.39كم، وهي تجمـع كبـير لمقـابر منحـوتة للأقوام الذين سكنوها، وتضم آثاراً قائمة وأخرى قيد الكشف، تتمثل في أماكن العبادة والنقوش الصخرية التي تركها الأقوام المتعاقبون، وهي آثار ثمودية ولحيانية ونبطية.

ويبلغ عدد المدافن بمدائن صالح 131 مدفناً، وتقع جميعها في الفترة من العام الأول قبل الميلاد إلى العام 75 ميلادية، وهي تحمل ملامح فنية رائعة غاية في الجمال، فالمقبرة عند أصحاب الحجر لصاحبها وأسرته جيلاً بعد جيل، كما ينحت أعلاها لوحة يسجل فيها صاحبها وصيته، ويوثق فيها أن هذه المقبرة تخصه وتخص عائلته، وأهل المنطقة المحليون يطلقون على هذه المدافن القصور لجمالها.

ومن هذه المعالم "الديــوان" وهو معبد نبطي عبارة عن مستطيل غير منظم، نحت داخل الصخر، كان يستخدم لممارسة الطقوس الدينية ويصل طول الغرفة إلى 12.80 متراً وعرضها 9.80 أمتار وارتفاعها 8 أمتار.

محلب النـاقة: وهو حوض حجري كبير، يعرف عند سكان المنطقة بمحلب الناقة؛ أي ناقة سيدنا صالح عليه السلام، ويذكر علماء الآثار أنه بقايا معبد نبطي قديم.

مقابر الأسود: تعرف هذه المدافن بمقابر الأسود نسبة للمخلوقات المنحوتة أعلى بعضها، والتي تشبه الأسود، وتضم هذه المدافن 21 قبراً وهي مقابر لحيانية ومعينية.

- ختاماً

يؤكد مختصون ومستثمرون أن قطاع السياحة يعد رافداً اقتصادياً ومصدراً رئيساً من مصادر الدخل في السعودية، من خلال ما يوفره من فرص عمل ضخمة، وتنمية اقتصادية تؤهله ليحدث تغييراً في وجه الاقتصاد، وليكون أحد البدائل المستقبلية للنفط؛ لكونه من القطاعات الاقتصادية الجديدة التي تتسم بقدرتها على إعطاء قيمة مضافة ومجال رحب للاستثمارات المحلية.

لذلك تهتم رؤية 2030 بقطاع السياحة؛ لوجود قناعة لدى صانع القرار أنه سيكون له دور رئيس في مستقبل الاقتصاد السعودي، من خلال الزيادة في مداخيل الدولة، وتوفير فرص العمل، ومن هنا تطرح المملكة خططاً عديدة للاستثمار ولجذب السياح في السنوات العشرين المقبلة.