سياسة موسكو في سوريا.. انقلاب على جنيف واستبدال الساسة بالعسكر

قبل أن يلملم العام المنصرم أوراقه المبعثرة، دخل الملف السوري منعطفاً جديداً مع الإعلان عن وقف شامل لإطلاق النار في سوريا، في 29 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، برعاية روسية تركية.

الاتفاق الجديد سرعان ما حصل على تأييد مجلس الأمن بعد يومين (31 ديسمبر/ كانون الأول)، بموافقته بالإجماع على دعم مشروع القرار الروسي، بعد إجراء تعديلات جوهرية على مضمون المشروع، رأى فيها البعض تفريغاً للقرار من مضمونه.

الكاتب والمحلل السياسي علي باكير اعتبر- في مقال له بصحيفة العرب القطرية- أن روسيا تسعى في الآونة الأخيرة إلى "استغلال التقدّم العسكري الذي أنجزته لمعسكرها في حلب، للمضي قدماً في المسار السياسي"، لكنّ تحقيق هذا الغرض "يتطلّب من روسيا ليونةً في بعض المواقف، وأن تجد شريكاً من الطرف الآخر قادراً على تمثيل المعارضة، ولديه مصلحة كذلك في حل سياسي".

هذه المعادلة خلقت ما يمكن تسميته "تضارباً في المصالح بين موسكو من جهة، وبين النظام وطهران من جهة أخرى، لا سيما أنّها اقتضت من روسيا أن تفرض إرادتها على النظام، وأن تؤكّد تزعّمها لهذا المعسكر"، بحسب باكير، وهو ما خلق مشكلة مع إيران؛ بسبب تباين الأجندات بين الطرفين.

اقرأ أيضاً :

واشنطن: نشجع لقاء أستانة للوصول إلى مفاوضات "حقيقية" بجنيف

- موسكو وطهران.. تباين أم مجرد مناورة؟

على المقلب الآخر، يختلف عبد الرحمن الحاج، عضو الأمانة العامة للمجلس الوطني السوري، والقيادي في المعارضة السورية، مع وجهة النظر القائلة بوجود تباين بين الروس والإيرانيين في سوريا، في تصريحات خاصة لـ"الخليج أونلاين"، إذ يتفق الحاج مع الرأي القائل إن مفاوضات الأستانة هي "استثمار لتداعيات ما بعد سقوط حلب، ومحاولة لتوظيفه سياسياً"، كما يبرز في هذا السياق الرغبة الروسية المحمومة في استعادة أمجادها على الساحة الدولية، في ظل الانكفاء الأمريكي في عهد إدارة الرئيس باراك أوباما.

ويرى أن "التغيير المرتقب في الإدارة الأمريكية، التي يبدو من ملامح تكوينها عداؤها الشديد لإيران، وتقاربها مع كل من السعودية وتركيا، سوف يؤثر على المسعى الروسي لإيجاد حل في سوريا، ما دفع موسكو إلى استباق الأحداث وبناء تحالف أقوى مع تركيا"، وأن تراجع الدور الإيراني تم بالتوافق مع الروس، كمناورة للالتفاف على أي محاولة للإضرار بالأهداف المشتركة بين موسكو وطهران، مستبعداً وجود أي خلاف بينهما.

- مفاوضات الأستانة.. أهداف روسية

يرى المعارض السوري أن الغاية من الدعوة الروسية إلى مفاوضات الأستانة تتمثل في أربعة أهداف؛ هي: "أولاً تثبيت المكاسب الروسية الاستراتيجية في سوريا، ثانياً تكبيل إدارة ترامب الجديدة في الشأن السوري، ثالثاً: تحقيق مكاسب للإيرانيين من خلال محاولة التوصل إلى حل يحفظ لهم مصالحهم، وأخيراً: إظهار روسيا بأنها تمسك بمفاتيح الحل السوري".

ورأى الحاج، في تصريحاته لـ "الخليج أونلاين"، أن الأطراف المدعوة إلى الأستانة من طرف المعارضة السورية هي "جهات عسكرية تتصف بضعف الخبرة السياسية والقانونية في الشأن التفاوضي، وقد اتضح ذلك في الخلاف على تأويل الوثائق الموقعة لوقف إطلاق النار في سوريا، فيما تم استبعاد الهيئة العليا للمفاوضات كواجهة سياسية للمعارضة مخولة بالتفاوض"، لكن وثائق الاتفاق نفسه تسمح بتشكيل وفود أخرى إلى جانب وفد الفصائل المسلحة، بحسب الحاج أيضاً.

وكشف المعارض السوري أن الهيئة العليا للتفاوض لم تحسم أمرها بعدُ من موضوع المشاركة في مفاوضات الأستانة، حتى في حال دعوتها إليها، بسبب توجسها من محاولات موسكو نزع الشرعية التفاوضية عنها لحساب تشكيل وجوه أخرى تكون عسكرية هذه المرة، ومحاولات استبدال مرجعية الأستانة بمرجعية جنيف وقرارات مجلس الأمن.

تبدو موسكو في مظهر "المتنازل" في الملف السوري بعد قبولها بمشاركة فصائل عسكرية كانت ترفض هي ونظام الأسد القبول بمشاركتها في مفاوضات جنيف سابقاً، ودعوتها لها إلى الأستانة بعد وصفها بـ"المعتدلة"، لكن "مكسب" استبدال الوجوه المفاوضة في وفد المعارضة، من "سياسي" إلى "عسكري"، وتثبيت مكاسبها العسكرية بعد سقوط حلب، والانقلاب على مرجعية جنيف؛ من خلال تجاوز المعارضة السياسية، يشير إلى مآرب ومطامح روسية باتت أكبر مما قبل، وأقرب إلى التحقق، في الوقت ذاته.