الملك فيصل.. سيرة حكيم لقن الإنجليز درساً بعمر الثالثة عشرة

عندما كُلف الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود، من قِبل والده، المشاركة في مؤتمر السلام بعد الحرب العالمية الأولى، بدعوة من الحكومة البريطانية، أبحر إلى بريطانيا وسنّه لم تزل 13 عاماً، وعندما رآه الإنجليز بهذه السن لم يكن الاستقبال بالمستوى ذاته الذي أتت به دعوتهم لوالده، فدعا مرافقيه في الليلة نفسها، وقال لهم: "لنرحل من هذه البلاد، لنذهب إلى مقر المؤتمر في فرنسا".

واتجهوا إلى الميناء ليركبوا باخرة فرنسا، فركض الإنجليز خلفه يريدون إعادته، وفعلاً وافق على ذلك، وعاد لبريطانيا، لكنه لقنهم درساً بعد عدم اللياقة في الاستضافة.

اقرأ أيضاً :

بين الخليج وإيران.. 2016 عام القطيعة والمناورات والتسليح

تلك الحادثة التاريخية رواها الأمير تركي الفيصل، نجل الملك فيصل، الثلاثاء 3 يناير/كانون الأول الحالي، في معرض الفيصل (شاهد وشهيد) الذي تستضيفه جامعة الجوف، بالمملكة.

وذكر الأمير تركي، بحسب صحيفة "مكة"، أن أحد السفراء في عهد الملك فيصل قال إن المملكة كلها تسير على ساعة الملك فيصل؛ لدقة انضباطها، مشيراً إلى أن أول مهمة له كقائد كانت تتمثل في استعادة الوحدة بين عسير وسلطنة نجد، وهو في السادسة عشرة من عمره، حيث نجح حينها في إدراكه ما تعلمه من والده.

وتحدث الأمير تركي، نقلاً عن والده وبعض المصادر، عن الخلاف الذي وقع بين المملكة اليمنية، حينها، والسعودية، قائلاً: "كان يبدو أن للإمام يحيى، ملك اليمن حينها، أطماعاً في منطقتي جازان ونجران، فاندلعت حرب لم تدم طويلاً، فكلف المؤسس، الملك فيصل، حيث كان حينها نائباً له في الحجاز، أن يتوجه إلى منطقة الساحل مروراً بجازان، لمواجهة القوات اليمنية".

وأضاف: "يقول والدي إنهم عندما وصلوا لمدينة ميدي على الحدود، وكان عليهم أن يعبروا في وادٍ سحيق بين جبلين، وكان واضحاً أن قوات الإمام يحيى مستحكمة هناك، أرسل الملك فيصل (السبور "الاستخبارات حالياً")، وعلموا أن قوات الإمام لديها نوع من السلاح بمدى معين، فتوقع الملك فيصل مدى الأسلحة التي لن تصل لأسفل الوادي، فأمر الجيش بالسير في الوادي، ورغم إطلاق النار عليهم لم يصب أحد منهم".

وتابع: "والدي قال لي: (عندما شاهدتْ قوات الإمام يحيى الأمر قالوا عنا إنهم محاطون بالجن، وانسحب جيش الإمام)"، واستمر الملك في زحفه إلى أن وصل للحديدة، وكان قد أتى لهذه المهمة بنحو مئة سيارة وشاحنة، وهي المرة الأولى التي يستخدم فيها هذه الكثافة في معارك الجزيرة العربية.

واستطرد: "يقول والدي لي: (عندما دخلنا الحديدة، ما وجدنا فيها أحداً، حتى سكانها هربوا للجبال، ولكن رأينا في الميناء 3 بواخر حربية وعسكرية، لدول بريطانيا وفرنسا وإيطاليا)"، مبيناً أنه "نزل من السفينة الإيطالية نحو 20 عسكرياً وقالوا إنهم موجودون لحماية مصالح رعاياهم، وقال الملك فيصل لهم عبر المراسيل: نحن نتكفل بحمايتهم وعليكم أن تنسحبوا، ومن ثم ذهبوا وتوقفوا في الميناء لكنهم لم ينسحبوا، فأرسل إليهم مندوباً وقال لهم إذا لم تنسحبوا مع طلوع الشمس فالذي سيحدث لن يكون في مصلحتكم ولا مصلحتنا".

وتابع الأمير تركي: "يقول الملك فيصل: (أنا أقول هذا الكلام وأنا لا أعلم الجيش متى سيصل، وخشيت لأن العدد الذي معي كان قليلاً، وما إن انتهينا من صلاة الفجر إلا ونحن نسمع صوت الجيش القادم، وارتحت حينها، وفعلاً انسحبت البواخر)".

وأضاف: "بقي الملك فيصل في الحديدة 4 أشهر، يأتيه من كل أنحاء اليمن مشايخ وأعيان وقضاة... نحن نريد أن نبايع الملك عبد العزيز والإمام يحيى في صنعاء، وكان الملك فيصل يرسل برقيات للمؤسس وهو لا يرد، حتى جاءت برقية منه تطالبه بتسليم البلد لمندوب الإمام والعودة".

- سيرة وتاريخ

وُلد الملك فيصل في أبريل/نيسان 1906 وتوفي في مارس/آذار 1975، تلقى تعليمه الشرعي على يد جده لأمه الشيخ عبدالله بن عبد اللطيف آل الشيخ ، كما تربى في مدرسة والده الملك عبد العزيز إدارياً وسياسياً واجتماعياً، وشارك في عدد من حملات توحيد البلاد في عهد الملك عبد العزيز.

من بين الأدلة التي تؤكد فروسية الملك فيصل وحنكته وتمكنه من القيادة، الكثير من الأحداث والوقائع التي تشير إلى ذلك، ففي عام 1925، توجه جيش بقيادة الملك فيصل إلى منطقة الحجاز، وتحقق النصر للجيش وتمت السيطرة على الحجاز. وبعد عام، تولى فيصل مقاليد الإمارة في الحجاز.

ومع تطور الدولة، قُلدَّ فيصل وزيراً للخارجية في عام 1932، بالإضافة إلى كونه رئيساً لمجلس الشورى.

وترأس وفد المملكة العربية السعودية إلى مؤتمر لندن المنعقد عام 1939 لمناقشة القضية الفلسطينية المعروف باسم "المائدة المستديرة"، وترأس وفد المملكة لحضور مؤتمر الأمم المتحدة في 1945 بسان فرانسسكو، ووقع باسم المملكة على تصريح الأمم المتحدة باسم بلاده. وحضر مؤتمر ميثاق هيئة الأمم الذي انتهى في 26 يونيو/حزيران 1945، ووقع على الميثاق نيابة عن الملك عبد العزيز.

وعندما أسند إليه أخوه الملك سعود سلطات واسعة، منها مراجعة وتعديل ما يحتاج إلى تعديل، صدرت عدة أنظمة منها: نظام مجلس الوزراء، ونظام الموظفين العام، والأنظمة المالية، ونظام المقاطعات، ونظام البلديات، ونظام التأديب.

واتخذ إجراءات مالية وإدارية أسهمت كثيراً في استقرار الأوضاع بالمملكة، خاصة المالية. وفي عهده "ملكاً"، ضم جامعة الملك عبد العزيز الأهلية إلى الدولة وصدر قرار تحويل الكليات والمعاهد العلمية إلى جامعة، هي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وتحويل كلية البترول إلى جامعة البترول والمعادن.

وبعد قرار هيئة الأمم المتحدة القاضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين، طلب فيصل من أبيه قطع العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة ولكن طلبه هذا لم يُجب. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 1964، أصبح فيصل ملك المملكة العربية السعودية.

عمل فيصل في عام 1973 على تعزيز التسلح السعودي، كما عمد إلى تصدر الحملة الداعية إلى قطع النفط العربي عن الولايات المتحدة والدول الداعمة لإسرائيل في العام نفسه. وسمّته مجلة التايم الأمريكية "رجل العام" لسنة 1974.

وفي عهده، كانت حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، فوقفت المملكة موقفاً مشرفاً، ليس فقط بقطع إمداد البترول عنا الدول المؤيدة لإسرائيل، إنما أيضاً بالتأييد المادي والمعنوي للدول التي دخلت الحرب، ما أسهم كثيراً فيما حققته المعركة من انتصارات.

والملك فيصل، عُرف عنه الكثير من المقولات الشهيرة؛ من بين أبرزها تلك التي وجهها لكسنجر وزير خارجية أمريكا: "نحن كنا -ولا نزال- بدواً، وكنا نعيش في الخيام، وغذاؤنا التمر والماء فقط، ونحن مستعدون للعودة إلى ما كنا عليه، أما أنتم الغربيون فهل تستطيعون أن تعيشوا من دون النفط؟".

وأكد نيته الحج للقدس، حيث هدد بإغلاق جميع آبار النفط إذا لم تعُد القدس للمسلمين، لكنه قُتل قبل أن يحقق مراده.

- سياسته الداخلية

كرّس الملك فيصل انتباهه الأقصى للشركات الصناعية والزراعية والمالية والاقتصادية، ويُحسب للملك فيصل أن له الفضل في انتشال المملكة العربية السعودية اقتصادياً وإدارياً بعد إعلان إفلاس الخزينة الحكومية. وفيصل هو من وضع الخطط الخمسية الطموحة للبلاد ووضع نظام المناطق الإدارية، وهو من جلب الشركات الاستشارية الخارجية لدعم مؤسسات الدولة الخدمية.

- اغتياله

في يوم الثلاثاء 25 مارس/آذار 1975، اغتال فيصل بن مساعد بن عبد العزيز آل سعود، الملك فيصل عن طريق إطلاق النار عليه وهو يستقبل الكاظمي وزير البترول الكويتي في مكتبة بالديوان الملكي وأرداه قتيلاً، وقيل إن ذلك تم بتحريض أمريكي؛ بسبب انتهاجه سياسة مقاطعة تصدير البترول.