• العبارة بالضبط

الأبعاد الحقيقية للانفتاح التركي على بغداد

الزيارة التاريخية التي قام بها رئيس الوزراء التركي بن علي يلديريم لبغداد قبل يومين، ولقاؤه بالرئاسات الثلاث جاءت بعد مرحلة شهدت فيها العلاقات بين البلدين تأزماً واضحاً؛ بسبب اعتراض بغداد على القوات التركية المتواجدة في بعشيقة شمالي البلاد، والتي تقول تركيا إنها دخلت بطلب عراقي، فيما تنكرت بغداد من كل هذه الاتفاقيات.

تركيا سبق وأن طالبت- وعلى لسان رئيسها رجب طيب أردوغان- من حيدر العبادي رئيس حكومة بغداد بأن "يعرف حدوده"، وتوالت بعدها التصريحات النارية بين الطرفين حتى بلغت أن هدد أوس الخفاجي (زعيم كتائب أبو الفضل العباسي بمليشيات الحشد الشعبي) بأن "المصالح التركية والأتراك العاملين بالعراق أصبحوا في خطر".

في ظل هذه الأجواء المتوترة جاءت زيارة رئيس الوزراء التركي يلديريم لبغداد، والتي تمثل خطوة تركية دبلوماسية ذكية من حيث الغايات والتوقيت.

البيان المشترك الصادر في ختام المباحثات الرسمية بين العراق وتركيا أكد على جملة نقاط جوهرية؛ أهمها "تأكيد الطرفين تبنيهما تحقيق الأمن والاستقرار المتبادل، ومكافحة الإرهاب سوية في إطار احترام سيادة ووحدة الأراضي، وأن يبدأ الجانب التركي بخطوات سحب قواته من بعشيقة، وأكد الجانب التركي التزامه بوحدة العراق واحترام سيادته، وعدم السماح بتواجد أي منظمات إرهابية على أراضيهما، وعدم القيام بأي نشاط يهدد الأمن القومي لكلا البلدين".

وبهذا نجد أن القراءة الدقيقة للبيان المشترك للمباحثات الرسمية يمكن معها الجزم بأن الزيارة في مجملها تُعد صفقة دبلوماسية مميزة للجانب التركي، وغالبية الاتفاق يصب في مصلحة الجانب التركي.

ومن بين أهم فقرات الاتفاق: "عدم السماح بتواجد أي منظمات إرهابية على أراضيهما، وعدم القيام بأي نشاط يهدد الأمن القومي لكلا البلدين". وهذه الفقرة بالأخص تُعد ضربة كبيرة وقاسية لحزب العمال الكردستاني، إذ لم يعد بإمكان الحزب – إن تم تنفيذ الاتفاق- استخدام الأراضي لشن هجمات على تركيا عبر الأراضي العراقية.

وعلى الرغم من أن حكومة بغداد، والتحالف الوطني الحاكم ينظران للزيارة على أنها انتصار للدبلوماسية العراقية، وفرصة لإثبات قدرتهما على الحفاظ على "السيادة العراقية" عبر إنهاء التواجد التركي في بعشيقة، إلا أن الأتراك نجحوا في جعل ملف تواجدهم في بعشيقة ورقة ضغط؛ لبيان مدى قدرة بغداد ومصداقيتها في تحجيم إرهاب حزب العمال الكردستاني المتواجد على الأرض العراقية.

يلديريم أكد في المؤتمر الصحفي مع العبادي "أن تركيا ستسحب قواتها من بعشيقة بعد أن تستتب الأوضاع هناك، وتصريحكم بعدم السماح لحزب العمال الكردستاني بإلحاق الضرر بتركيا من الأراضي العراقية غاية في الأهمية، وأن قوات البيشمركة والقوات العراقية ستتخذان الإجراءات اللازمة لطرد الإرهابيين من مدينة سنجار، وأن التعاون سيتواصل للقضاء على التهديدات القادمة من الأراضي العراقية باتجاه تركيا".

ونلاحظ أن يلديريم لم يؤكد انسحاب القوات التركية من بعشيقة، وإنما صرح بأنه سيتم سحبها "بعد استتباب الأوضاع في بعشيقة"، وهذا يعني أن الأتراك ينتظرون خطوات عملية من بغداد لتقزيم حزب العمال من أجل تنفيذ انسحابهم من بعشيقة!

ولهذا رأينا أن رئيس الوزراء التركي قال: " إن "منظمة الـPKK منظمة إرهابية وتواجدها في منطقة سنجار يمثل أكبر تهديد للأراضي التركية، ومن الضروري إزالته، وحكومتنا مستعدة للتعاون لإنهاء ذلك الخطر".

إرهاب حزب العمال الكردستاني ضرب العديد من المدن التركية ومن حق القيادة التركية تحجيمه أينما كان، وأظن أن الأتراك ضربوا أكثر من عصفور بهذه الزيارة، وأنهم رموا الكرة الآن في ملعب حكومة بغداد.

أعتقد أن الاتفاق سيحرج حكومة العبادي كثيراً لأنها لا تملك القدرات العسكرية والاستخبارية الكافية لإنهاء تواجد PKK في شمالي العراق، إلا إذا تم الأمر عبر اتفاق مع حكومة الإقليم، والتي لن تلعب أي دور إيجابي في هذا الملف ما لم تتفاوض مع بغداد حول الملفات العالقة بينهما، وأهمها قضية حصة الإقليم المتوقفة من الميزانية العراقية.

الزيارة في جميع الأحوال يمكن القول عنها إنها ضربة معلم من القيادة التركية؛ وذلك لأنه لو نفذت بغداد الاتفاق فهذا يعني أن إرهاب الـ(PKK) سيتقلص، وسيفقد الحزب حاضنة مهمة ربما تزيد مساحتها عن أكثر من 100كم2 داخل الأراضي العراقية، وإن لم تنجح بغداد في تنفيذ الاتفاق – وهذا الأمر وارد بدرجة كبيرة- يمكن حينها أن يكون لحكومة أنقرة حديث آخر، وربما ستسعى لضرب (PKK) داخل الأراضي العراقية على اعتبار أن حكومة بغداد عاجزة عن ردعه، وفي ذات الوقت يهدد الحزب الأمن الوطني التركي.

الاتفاق بين الطرفين تضمن العديد من الملفات الأمنية والاقتصادية، ولعل في هذا الجانب بعض المصلحة المتبادلة بين الطرفين.

لا شك أن المصلحة العراقية أكبر في ضرورة إعادة المياه إلى مجاريها مع أنقرة؛ لأن بغداد اليوم تواجه مخاطر سياسية وأمنية جمة، والسؤال الذي يطرح هنا هو أين حكومة طهران من هذا الاتفاق، وهل ستسمح طهران لبغداد أن تخرج عن إرادتها والتي سبق أن أكدت أنها تأتمر بأوامرها، وأن تكون بغداد داخل المحور الروسي التركي المتنامي في المنطقة؟!

زيارة يلديريم لم تقف عند العاصمة بغداد بل شملت إقليم كردستان وهذه رسالة للحكومة المركزية، ولحزب العمال الكردستاني، بأن الأتراك يناورون على كافة المحاور، وأنهم يمتلكون أوراق ضغط في العديد من الملفات.

هذه الضربة الدبلوماسية - إن طُبقت- كافية لتأكيد الحرفية العالية والتخطيط الدقيق لصناع القرار الأتراك من وراء هذه الزيارة، ودليل على قوة الدولة التركية على الرغم من المخاطر التي تحيط بها.