• العبارة بالضبط

أهمية الدور العربي في إنجاح مؤتمر أستانة لحل الأزمة السورية

قد يكون الموقف التركي التاريخي أكثر عداء لروسيا من الدول العربية وبالأخص دول الخليج العربي، فقد كانت تركيا أيام الحرب الباردة الجبهة الأمامية في حلف شمال الأطلسي العسكري ضد الاتحاد السوفييتي، بينما كانت كل الدول العربية في منظمة عدم الانحياز بين الحلفين وارسو والناتو، ولكن تغيرات الأوضاع الدولية، وسعي الدولة التركية لاتخاذ سياسات خاصة بها تخدم أمنها القومي والأمن القومي للدول المجاورة لها من الدول العربية والإسلامية، جعلها أكثر حذراً في تأييد الدور الأمريكي في المنطقة، وبالأخص بعد محاولة أمريكا بناء نظام عالمي جديد، يتخذ من الإسلام والعالم الإسلامي خصمه الرئيس في صراع الحضارات بحسب رؤية هاتنتغون، أو خصماً بديلاً عن الاتحاد السوفييتي بحسب رؤية الرئيس الأمريكي السابق، ريتشارد نيسكون، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، أي إن السياسة التركية سعت إلى سياسة مستقلة طالما أن العدو المستهدف في الاستراتيجية الأمريكية الجديدة هي الدول العربية والإسلامية، وقد تأكد هذا الموقف التركي في الحرب الأمريكية على العراق 2003، وكذلك في الموقف من حرب دول التحالف الدولي بقيادة أمريكا لمحاربة داعش بعد إعلانها بحزيران 2014.

لقد رفضت الحكومة التركية في السنة الأولى المشاركة في العمليات العسكرية ضد داعش حتى تقدم أمريكا خطتها لدول التحالف بما فيها تركيا، بل وسماع وجهة النظر التركية حول الطريقة الصحيحة لمكافحة الإرهاب في المنطقة، ولكن أمريكا رفضت ذلك، وأخذت تشتكي من معاملة الحكومة التركية لها، بدل أن تعترف بأخطائها، وقد تبين بعد أكثر من سنتين من محاربة داعش في العراق وسوريا فشل الاستراتيجية الأمريكية في الاحتمال الأول، أو عدم مصداقيتها بمحاربة داعش في الاحتمال الثاني، وفي الاحتمال الأخير هو أن أمريكا إن لم تكن مساهمة بتوفير الظروف لنشأة داعش، فإنها اليوم تعمل على استخدامها، بعلم داعش أو بدون علمها، في تمرير مشاريعها في الشرق الأوسط، وكأن داعش أصبحت أداة في الاستراتيجية الأمريكية وليست عدواً فقط، أو هو عدو مؤجل القضاء عليه لحين تحقيق أهداف الاستراتيجية الأمريكية في العراق وسوريا، وفي مقدمة هذه الأهداف تقسيم العراق وسوريا، بدليل اتخاذ أمريكا الأحزاب الكردية أداة أخرى لنفس الهدف وهو التقسيم في العراق وسوريا، ودون التوقف عن هذا الهدف في تركيا أو في إيران أو في الدول العربية الأخرى لاحقاً، وما موقف وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري، من دعم الحوثيين علانية لتقسيم اليمن إلا مؤشر آخر على هذه الاستراتيجية الأمريكية الخاطئة.

وحيث أن العالم ليس أمريكا ولا دول مجلس الأمن الخمسة أيضاً، فإن الدول التي تتضرر من الاستراتيجية الأمريكية من حقها أن تبحث عن حماية نفسها، ومواجهة المخططات التي تستهدفها بالتقسيم أو بالحرب الأهلية ولو بعد حين، فمحاولة الدول العربية النأي بنفسها من أخطار الحرب الكونية الحضارية، أو النأي بنفسها من الحرب الإقليمية الطائفية التي تقودها إيران، لن يوفر لها الأمن ولا الحماية من عدوان الدول الطامعة بها، ولن يضمن لها الاستقرار، فالعالم كله يدرك مخاطر التدخل الإيراني والروسي في سوريا.

لقد تناول الخبراء الألمان المختصون في قضايا الشرق الأوسط والعالم العربي اتفاق الهدنة الذي وقعته المعارضة السورية المسلحة مع قوات بشار الأسد بواسطة روسيا وتركيا، وتناولوا صعوبة نجاح هذا الاتفاق، وعللوا ذلك بالتخريب الإيراني لهذا الاتفاق، وأشاروا إلى أن تفاقم الخلاف بين إيران وروسيا بشأن دعم بشار الأسد واقع لا محالة، ومن هؤلاء الخبراء رئيس قسم الشرق الأوسط بجامعة فيدرينا الألمانية البروفيسور "أودو شتاينباخ"، فقد أكد "تفاقم الخلاف بين إيران وروسيا"، ومن المهم الالتفات إلى تعليله لذلك الخلاف، وهو أن روسيا "لا تريد ولا تستطيع مواصلة الانزلاق في المستنقع السوري"، وأن خلافهما قد يتركز على دعم بشار الأسد بأنه واقع لا محالة، وفي توقعاته "أن يؤدي إلغاء الرئيس الأمريكي الجديد لاتفاق البرنامج النووي الإيراني إلى إرغام طهران على اللعب معه بورقة إسقاط الأسد"، أي أن شتاينباخ يبني تحليلاته على المتغيرات القادمة في أمريكا أولاً، كما بينها على أساس عجز روسيا عن مواصلة القتال في مستنقع، وخلص شتاينباخ إلى أن البدء بمفاوضات لحل سياسي دائم للصراع السوري " متوقف على نجاح موسكو في لجم الأسد وإرغامه على الالتزام بوقف إطلاق النار"، وفي نظره أن "إصرار الأسد على مواصلة استراتيجيته وسعيه لنقل سيطرته على الأرض من دمشق لباقي الأراضي السورية يعني استمرار الحرب"، وهو ما ينبغي أن تتفق روسيا وإيران على لجمه كشرط لنجاح الجهود الروسية في مؤتمر آستانة.

كما استبعد الخبير الألماني "راينر هاينريش"، المختص في شؤون الشرق الأوسط في صحيفة فرانكفورتر تسايتونغ الألمانية، "استبعد نجاح الاتفاق الروسي التركي في تحقيق سلام مستدام بسوريا رغم وقف إطلاق النار"، وأوضح أن هذا الاتفاق يعكس تفاهماً بين طرفيه، وعلل ذلك بعدة أسباب منها:

1 ـ أن الاتفاق لا يعبر عن اهتمامات الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين الآخرين.

2 ـ أن تركيا سعت لهذا التوافق مع روسيا بعد إدراكها مبكراً أن حصول موسكو على مساحة أكبر للعب بسوريا بعد تولي ترمب السلطة، سيضيق مساحة تأثيرها هي في هذه الساحة.

3 ـ أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لن يتمكن بحال خلال مؤتمر أستانة من الحصول على موافقة المعارضة السورية على أي حل يكون للأسد دور فيه.

4 ـ أن حسابات روسيا بالبحث عن حل للأزمة السورية مختلفة عن إيران "التي تعتبر سوريا قاعدة أساسية في مشروعها للهلال الشيعي"، بينما "موسكو مهتمة بالحفاظ على النظام السوري وستتخلى عن الأسد إن وجدت بديلاً آخر له"، من وجهة نظره.

والأسباب الأربعة تظهر قراءة دقيقة لما يجري الآن من مباحثات قبل أستانة، فتركيا ليست طرفاً في الحل وإنما ضامناً لطرف المعارضة السورية، فالمعارضة السورية في أستانة هي صاحبة المفاوضات والاتفاق، ودور تركيا قبل ضمانة ما تتوصل له المعارضة من اتفاق هو تقديم الدعم السياسي لها في أن تكون طرفاً حقيقياً وقوياً ومباشراً في مفاوضات الحل الدولي، سواء في أستانة أو في جنيف أو غيرهما، وهذا يتطلب أن تكون كافة الدول العربية والخليجية مؤيداً سياسياً مهماً لوفد المعارضة السورية في أستانة، فهذا يوفر له قوة سياسية ومعنوية تستند إليها ضد مشروع آخر استنفد إمكانياته العسكرية والسياسية لحسم الصراع لصالحه هو الإيرانيون، بدليل أنهم أي الإيرانيون لا يتوقفون عن التذمر من الدور التركي مع روسيا في إيجاد حل، بل ويظهرون تخوفهم العلني من ضعف قدرتهم على تسخير روسيا لصالحهم في حال نجاح أستانة، ومن مصلحة الشعب السوري أن يجد الدول العربية إلى جانبه، لتقويته أولاً، وإضعاف الدور الإيراني أمام روسيا والعالم ثانياً، فالمتابعة العالمية ليست حصرا على الخبراء الألمان، بل بضرورة إيجاد حل بعد مجازر خمس سنوات، قتلت فيها إيران أكثر من مليون مواطن سوري، وشردت أكثر من عشرة ملايين في دول الجوار والعالم، ودمرت كل المدن السورية، بعد كل ذلك ينبغي وضع حد للاحتلال الإيراني، ولا ينبغي فقدان الأمل من المساعي الروسية وإن شاركت في الأشهر الماضية المليشيات الإيرانية في جرائمها، طالما أن روسيا تعمل لإنقاذ نفسها من المستنقع الإيراني في سوريا، وتسعى روسيا في سبيل ذلك للبحث عن بدائل عن الحرب الطائفية، التي لا ناقة لروسيا فيها ولا جمل.

وهذا الرأي الأخير أيضاً يشارك فيه مدير مؤتمر ميونيخ الدولي للأمن والسياسات الدفاعية "فولفغانغ إيشينغر"، فهو يرى "أن روسيا ورطت نفسها في سوريا بوضع لا تحسد عليه وبمشكلة ستنهكها"، وأوضح أن الأكثرية السنة في سوريا والعالم العربي ترفض الأسد وفرض روسيا لنفسها حامية "لهذا الدكتاتور"، ويعتبر إيشينغر "أن ما حققته روسيا من وقف لإطلاق النار بسوريا هو نجاح تكتيكي للسياسة الخارجية لموسكو، لن يجعلها قادرة على إحلال السلام بالبلد العربي المضطرب أو محيطه"، وهذا الرأي الأخير لإيشينغر لا يوافق عليه، فالاتفاق قابل للنجاح لنفس الأسباب التي تذكرها وزارة الخارجية الألمانية ولجنة الخارجية بالبرلمان الألماني (بوندستاغ) برفض أي دور لبشار الأسد في مستقبل سوريا أولاً، واعتبار السياسة الألمانية "أن رئيس النظام السوري مجرد أداة لروسيا وإيران، وليس فاعلاً مؤثراً في أزمة بلاده" ثانياً، وبما يراه المراقبون أن السبب في ذلك إلى النفوذ الكبير الذي يملكه الروس والأتراك لدى أطراف الصراع السوريين والإقليميين ثالثاً، وظهور ما يشبه حالة إجماع دولي وإقليمي على وجوب إنهاء الأزمة التي شملت أضرارها الجميع بدرجات متفاوتة رابعاً، ولكن الأهم من كل ذلك هو أن إيران فشلت فشلاً ذريعاً في إيجاد دولة طائفية مستقرة في الوطن العربي، فالأمة العربية والإسلامية تنظر لكل دولة تربط هويتها ومصيرها بالدولة الإيرانية بأنها دولة طائفية محكوم عليها بالموت قبل الولادة.