• العبارة بالضبط

"ما بعد هزيمة داعش".. الطائفية قد تعيد التمرد السني بأسماء جديدة

على وقع طبول معركة الموصل المستمرة منذ قرابة ثلاثة أشهر، وبينما يروج العالم لحل مشاكل العراق بالقضاء على تنظيم الدولة، تكشف المؤشرات رغبة جماعات سنية بالتأسيس لتمرد جديد على الحكومة العراقية، في مرحلة "ما بعد داعش"، للتخلص من عبء السيطرة الشيعية على مقدرات البلاد.

أسباب عدة وراء قيام جماعات سنية بلملمة نفسها والنهوض في وجه مخططات قادمة لمناطقهم ما بعد هزيمة "الدولة"، ففي الوقت الذي تنعدم الخريطة السياسية الواضحة للمناطق السنية المحررة، تصر الجهات الرسمية على إدخال عناصر أمنية ترفع ألوية المليشيات الشيعية ورموز المذهب الشيعي، سيوكل إليها- بطبيعة الحال- السيطرة على الأرض بعد هزيمة التنظيم، رغم رفض السياسيين السنة.

الموصل ليست ببعيدة عن الأنبار، التي عجّت بعد تحريرها بـ "اللطميات الشيعية" والبدء بتأسيس حسينيات، وهو ما يهدد كيان المدن السنية التي تعتبر مثل هذه الطقوس "الطائفية"، مخططاً إيرانياً لضمها للمدن الشيعية التي تسيطر عليها، وسيدفع إلى تشكيل تلك الجماعات.

وشكّل النازحون نقطة تحول تهدد ديمغرافية المدن السنية، ففي عدة مناطق شهدت أعمالاً قتالية استدعت نزوح أهلها، مُنع السكان من العودة لبعض مناطقهم، خصوصاً في محافظة ديالى التي تحكمها قبضة شيعية بتوجيهات من البلاد الملاصقة لها؛ إيران، إضافة إلى مناطق في الأنبار.

ووسط محاولات تشريع قانون الحرس الوطني الذي سيضمن هيكلاً أمنياً محلياً، ارتأى الطرف الشيعي الانفراد بترجيح ضم مليشيا "الحشد الشعبي" إلى الجيش، التي ارتبط اسمها بمئات الانتهاكات بحق مدنيين سنّة، أثناء تحرير مناطق ومدن محافظة الأنبار.

وسيفتح استخدام القوات الأمنية للقبضة الحديدية للسيطرة على الموصل وغيرها، والاشتباه بكل من هبّ ودبّ من السكان، والتحقيق الميداني المجحف، وملء السجون بالشباب، ثارات جديدة، كما حدث عند استعادة الرمادي والفلوجة، ما سيدفع مئات الشباب للانضمام مجدداً لجماعات مسلحة.

اقرأ أيضاً:

عصا روسيا بالمنطقة تعيد علاقات العراق بتركيا رغماً عن إيراناً

- أطراف التمرد السني المقبل

تشير دراسة حديثة لمعهد دراسات الحرب في واشنطن، نشرت في 9 يناير/كانون الثاني، حملت عنوان "التمرد السني المقبل في العراق"، وقدمها أربعة باحثين، إلى أن العرب السنة الذين تحرروا من سيطرة تنظيم الدولة "لن يتصالحوا بالضرورة مع الحكومة العراقية، فالمليشيات الشيعية المدعومة من إيران ستفاقم المظالم؛ لأنها تتحرك لمسح القرى ذات الأغلبية السنية في شمال العراق وغرب تلعفر، وهي معقل للمسلحين السنة وتنظيم القاعدة في العراق غرب الموصل".

وتقول الدراسة إن المليشيات الشيعية هجرت سكاناً من العرب السنة من عدة مناطق قامت بتطهيرها من "الدولة"، وقامت بعمليات القتل خارج نطاق القضاء، وهذا التطهير العرقي، وغيره من أشكال العنف ضد السكان المحليين، يعطي بيئة سهلة لظهور التمرد السني.

وتبرز هنا عدة أطراف، من ضمنها القاعدة، التي اشتعل الخلاف بينها وبين "الدولة" مؤخراً، فعلى مدى قرابة 13 عاماً، بقي تنظيم القاعدة الوجه الأبرز بين الجماعات المسلحة في العراق، حتى إن البعض كان يعتبره المسيطر على الموصل تحت حكم فرق المالكي، التي فرّت أثناء دخول "الدولة" صيف العام 2014.

ويستذكر أهالي الموصل، إلى اليوم، كيف كانت "القاعدة" ترسل ممثليها لتجار المدينة وأصحاب الأعمال للحصول على "الأتاوات"؛ بحجة جمع أموال لـ"بيت مال المسلمين"، تماماً كما فعل "الدولة" أثناء حكمه، فيما كان عناصر الجيش يتلقون الهجمات مع أي محاولة لإيقاف "شقاوة" القاعدة في المدينة، ما اضطر قادة عسكريين للتنسيق مع قادة بالقاعدة لضمان حياتهم.

فقد كانت خلايا التنظيم تجوب المدينة، وتطلع على كل صغيرة وكبيرة، ورغم انضمام الكثير منهم لتنظيم "الدولة"، يبدو منع القوات الأمنية لخلايا القاعدة من التشكل مجدداً، مهمة مستحيلة.

وتلفت دراسة المعهد الأمريكي إلى تكرار خطابات الزعيم الدولي للقاعدة أيمن الظواهري، بالدعوة إلى مقاومة "الاحتلال الصفوي الصليبي" للعراق، و"حرب عصابات طويلة الأمد لمواجهة الخسائر الإقليمية، كما حث القاعدة في سوريا على دعم إعادة البناء تلك في العراق".

وستسعى القاعدة- على الأرجح- إلى أن تبني شبكاتها من خلال خلاياها السابقة الموجودة على طول وادي نهر الفرات في الأنبار ونينوى، إضافة إلى الموصل، كما ستعمل على ضم العناصر السابقة في "الدولة".

- جماعات وخبرات "بعثية"

ويشير المعهد الأمريكي إلى جماعات أخرى قد تنشط في الفترة القادمة، وهي "جيش رجال الطريقة النقشبندية"، التي يصفها بـ "البعثية"، و"كتائب ثورة العشرين"، ويشكل ضباط الجيش العراقي السابق أغلب المقاتلين فيهما، وستشكل خبراتهم العسكرية مع معرفة الأرض، منافسة قوية أمام أي اعتداءات قادمة بحق الطائفة السنية.

وتبرز الخبرات العسكرية لضباط الجيش العراقي لتلك الفصائل التي قد تظهر، في ما برز من إمكانيات لتنظيم الدولة في الفترة السابقة، حيث كشفت التكتيكات القتالية للتنظيم وجود عدد ضخم منهم في صفوفه.

ويقول المعهد الأمريكي إن التعاون بين جيش الطريقة النقشبندية و"الدولة"، انتهى في خريف 2014، بعد أن بدأ الأخير بتهميش النقشبندية "بوحشية".

وتشير خطابات جيش النقشبندية التي يحاول أن يثبت فيها أنه "أفضل بديل لداعش" والحكومة العراقية، بحسب المعهد، إلى أنه "بدأ بتهيئة الظروف للاستفادة الفورية من فقدان داعش للموصل؛ لاستعادة المدينة وشبكاتها".

- خيارات محددة أمام الحكومة

تبقي الاحتمالات الصعبة أمام الحكومة العراقية، خيارات محددة للسيطرة على الأمن بعد التحرير، أبرزها تسليم حماية المدن بعد التحرير لسكانها، وإشراك السنة في أي حملة أمنية، وإيقاف أي محاولة من المليشيات لدخول المدينة قد تقرع طبول حرب جديدة، وتبقى التفاهمات السياسية "المُنصفة" للسنة، خياراً ثابتاً منذ الاحتلال الأمريكي، وهو ما يكرره السياسيون السنة.

ولا ينسى العرقيون كيف بدأت بوادر حمل السلاح، ووضع بذور "التطرف" على يد رئيس الوزراء السابق، سيئ الصيت نوري المالكي، أواخر عام 2013، حين قمع الوقفات السلمية السنية في مدن الأنبار، وهُدمت خيام الاعتصامات على أصحابها، وفُرّقت بالرصاص الحي.

وتعيد تلك الذكريات إلى سُنة العراق في فترة "ما بعد داعش"، المطالبة بترك سياسة التهميش للسنة ومحاربة رموزهم، الذين يتحول أي فاضح لفساد الحكومة منهم إلى مدان بالإرهاب ومطلوب للعدالة، كما حصل مع نائب الرئيس السابق طارق الهاشمي، ووزير المالية رافع العيساوي، والسجين منذ الاعتصامات النائب أحمد العلواني.

وليس من المنطق إهمال الصراعات السنية الداخلية التي شلّت القاعدة السياسية السنية، ما جعلها غير قادرة على تخفيف أو توجيه الاستياء السني المتنامي بعيداً عن التمرد، بحسب ما يشير معهد دراسات الحرب في واشنطن، الذي يؤكد أن سياسات المالكي فاقمت هذه "الكسور الداخلية" للسنة، وأدت إلى تآكل التحالف السني-السني في القائمة العراقية عام 2012، بعد منع رئيسها الفائز بالانتخابات، إياد علاوي، من تسنمّ منصب رئاسة الوزراء.