الليرة تتدحرج ككرة الثلج.. هل بدأت التجربة التركية بالأفول؟

ككرة الثلج تتدحرج الليرة التركية يوماً بعد يوم، في مؤشر على صعوبات يواجهها الاقتصاد التركي، في حين أرجع محللون اقتصاديون الأمر إلى انتقال متسارع لرؤوس الأموال نحو الولايات المتحدة، التي تعافى اقتصادها تماماً من الأزمة المالية العالمية التي اندلعت عام 2008.

ووسط أجواء القلق السائدة بين المستثمرين بشأن الآفاق السياسية والاقتصادية للبلاد، والتي فاقمت خسائر العملة إلى أكثر من 9% منذ بداية العام، هبطت الليرة التركية 2.5% مقابل الدولار، الأربعاء.

وسجلت الليرة مستوى منخفضاً قياسياً؛ عند 3.9250 ليرة للدولار، قبل أن تنتعش قليلاً إلى 3.8691 ليرة، كما هبطت إلى مستوى قياسي عند 4.1089 ليرة مقابل اليورو، بعد أن أغلقت، الثلاثاء، عند 3.9971 ليرة.

ومنذ محاولة الانقلاب الفاشلة، في صيف العام الفائت، فقدت الليرة التركية نحو ربع قيمتها تقريباً أمام الدولار الأمريكي، الذي يعيش انتعاشاً تاريخياً.

وجاء ارتفاع الدولار بعدما صدرت بيانات تظهر نمواً قوياً للأجور في الولايات المتحدة، وهو ما يعزّز مسوغات رفع أسعار الفائدة الأساسية بوتيرة متسارعة في عام 2017، ومن ثم يجعل العملة الأمريكية أكثر جاذبية للمستثمرين.

وفضلاً عن ارتفاع الدولار، فإن الليرة التركية تعاني في الأشهر الأخيرة بسبب الرعب الأمني والاضطراب السياسي الذي تمر به البلاد، لا سيما مع تكرار التفجيرات والهجمات المسلحة في مدن كبرى.

الصحفي التركي عبد الرحمن السراج، ورئيس تحرير موقع "ترك برس" الإخباري، تحدث لـ "الخليج أونلاين" عن أسباب تدحرج الليرة التركية، مبيناً أن الاقتصاد التركي اقتصاد ناشئ، أي إنه لم يصبح اقتصاداً متقدماً، وما زال يعاني مشاكل هيكلية.

اقرأ أيضاً :

ناشيونال إنتريست: نفط الشرق الأوسط لم يعد بحاجة لحماية أمريكية

وعزا السراج تدهور العملة التركية إلى نقطتين؛ الأولى: "حالة عدم الاستقرار التي تصوّرها العمليات الإرهابية في تركيا، والحرب التي تخوضها الحكومة ضد المنظمات الإرهابية داخل البلاد وخارجها".

وأما النقطة الثانية، بحسب السراج، فهي "انخفاض عام في قيمة عملات الأسواق الناشئة مقابل الدولار منذ ثلاث سنوات".

وكان الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، قد وجه اتهامات مبطنة، وأحياناً علنية، ضد واشنطن بالوقوف وراء هبوط الليرة، متهماً إياها هو ومسؤولون أتراك بشن حرب اقتصادية عليها.

هذه الاتهامات تجلّت -بحسب تقارير صحفية- بسحب مستثمرين أجانب لاستثماراتهم من تركيا، حيث سحب مستثمرون نحو 25 مليار دولار من الأسواق التركية وعادت أدراجها نحو بلادها.

لكن السراج فسّر تصريحات المسؤولين الأتراك بأنها "تعكس شعوراً عميقاً بخيبة الأمل تجاه واشنطن، التي في إطار سياستها العامة في الشرق الأوسط خلال السنوات الـ 8 الأخيرة لم تضع ثقلها في حل أزمات المنطقة"، الأمر الذي أدى -بحسب السراج- إلى "تحميل تركيا كدولة إقليمية مسؤولية لا تُطيقها، وهو ما حدّ من نمو الاقتصاد التركي، وحرم تركيا من فرص اقتصادية كبيرة".

وحول تعويل تركيا على حليفتها الجديدة روسيا في حل إنقاذ "تجربتها" الاقتصادية التي شغلت المنطقة لنحو عقد، لفت السراج إلى أن "تعويل أنقرة في هذا المسعى يأتي في إطار اتفاقية بناء محطة الطاقة النووية في أككويو، إضافة إلى مشروع السيل التركي الذي سيبدأ بناؤه العام المقبل".

وأوضح الصحفي التركي أن "إحدى أعقد مشاكل الاقتصاد التركي هي مسألة العجز في الحساب، الذي يؤثر مباشرة في سعر صرف العملة، ويُعزى بشكل رئيس إلى واردات الطاقة". وأضاف: "هناك مسعيان رئيسان لحل معضلة الليرة على الصعيد الخارجي؛ وهما تطوير قطاع الطاقة والاستعاضة بالطاقة المتجددة والطاقة النووية، وفتح أسواق جديدة للصادرات التركية، وتعول تركيا على روسيا في المسعى الأولى على الأقل".

وتعمل الحكومة التركية على دعم الليرة بشكل غير مباشر، حيث ضخ البنك المركزي التركي نحو مليار ونصف المليار دولار في الأسواق، الثلاثاء، وبدأت أنقرة باستخدام عملتها في تعاملاتها التجارية مع بعض الدول، خاصة مع حليفتها الجديدة روسيا، بدلاً من استخدام عملة وسيطة كالدولار الأمريكي أو اليورو.

وكان الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، دعا المواطنين الأتراك، الشهر الماضي، إلى دعم الاقتصاد الوطني؛ من خلال بيع ما يملكونه من عملات أجنبية وشراء الليرة التركية أو الذهب مقابلها.

وعن أبرز الأسباب الاقتصادية التي أدّت إلى أزمة الهبوط الحاد والسريع لليرة التركية، لفت الدكتور عبد الرحمن الجاموس، الخبير في الاقتصاد والإدارة الاستراتيجية، إلى أن خطأ تركيا والصين أيضاً هو الاعتماد "المفرط" على الاستثمار الأجنبي؛ للحفاظ على معدلات نمو عالية.

وأضاف الجاموس، في تصريح لـ "الخليج أونلاين"، أن "الدراسات تؤكد أن الاقتصادات الناشئة، ومنها الاقتصاد التركي، تواجه جملة من التحديات المستقبلية، وتعاني من خطر اعتمادها على تدفق رؤوس الأموال من الخارج"، موضحاً أن "ارتفاع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة يؤدي إلى هروب رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة إلى الولايات المتحدة؛ للاستفادة من العوائد الأعلى نسبياً".

ولفت الجاموس إلى أنه "على الرغم من انخفاض المديونية الحكومية لتركيا، فإنها تعاني من خطر ارتفاع قروض الأفراد والأسر".

ويبقى الخطر الأكبر -بحسب الجاموس- هو "استمرار ارتفاع اقتراض الشركات الخاصة من الخارج بالعملات الصعبة وبتكلفة مرتفعة، مع العلم أن عملات هذه البلدان تعاني أساساً من اختلالات، ما يضاعف المخاطرة، كما حدث في البرازيل والصين مؤخراً".

وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن "هناك تحديات كبيرة تتعلق بالأزمات الجيوسياسية داخل تركيا ودول الجوار؛ أبرزها المخاطر المتعلقة بفقاعات سوق الأسهم والعقارات، وكذلك احتمالات توقف الاستثمار الأجنبي، والأهم اختلال سعر الليرة التركية مقابل العملات الأجنبية، وإشكالات اقتراض الشركات الحكومية والخاصة من الخارج بالعملات الصعبة".

وحول التداعيات السلبية لتراجع الليرة، قال الدكتور عبد الرحمن الجاموس، إن من المرجح أن تصيب الشركات الصناعية المستوردة للمواد الخام، والشركات المقترضة بالدولار. وأيضاً سيكون للتصنيف الائتماني على المدى الآني تأثير سلبي على المواطن، كذلك سيتأثر الاستثمار، حيث فقد بعضاً من جاذبيته في البلاد لعوامل سياسية ونفسية واقتصادية.

وتوقّع الخبير الاقتصادي أن يتدخّل البنك المركزي بقوة وكثافة إذا لامس الدولار حاجز الـ 4 ليرات، واصفاً تلك الخطوة بأنها "مصيدة للمضاربين على الليرة سيتم من خلالها الإضرار بهم ولجمهم".

وحول تراجع الليرة التركية هل يمثل "أفولاً" للتجربة التركية، رأى الجاموس أن "القضية ليست قضية أفول، بل لعنة أصابت الاقتصاد العالمي بشكل عام، وخصوصاً الاقتصادات الناشئة؛ بسبب الركود في الاقتصاد العالمي، والحالة الشعبوية التي أفرزتها في دول أوروبا، وسياسات دونالد ترمب لحماية الصناعة الأمريكية ورفع نسبة الفائدة".

وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن "معدل النمو الاقتصادي في تركيا لا يزال أعلى من كل دول الاتحاد الأوروبي، ما يدل على أن الاقتصاد العالمي أيضاً يعاني وليس فقط تركيا، لكنها ستكون في طليعة الذين سيتضررون، إذا لم تتحسن المؤشرات غير الإيجابية، مع الأثر النفسي الناجم عن عدم الاستقرار السياسي".