صراع فلسطيني إسرائيلي على شواطئ تركيا

في ظل التحولات التي تشهدها تركيا، وانعكاسات ذلك على الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، خاصة بعد توقيع اتفاق التطبيع التركي الإسرائيلي، والذي يعول الاحتلال الصهيوني من خلاله على تحقيق اختراق في العلاقات مع تركيا، خاصة بعد جريمة الاحتلال ضد الناشطين الأتراك في سفينة "مافي مرمرة"، خلال توجهها لكسر الحصار عن قطاع غزة عام 2010، حيث يسعى الاحتلال جاهداً للنفاذ إلى السياسة التركية والشعب التركي، وحرف بوصلته عن دعم الشعب الفلسطيني وتأييده في معركته مع الكيان الصهيوني.

يعتقد الاحتلال أنه بإسقاط القضية التي رفعتها تركيا ضده حول جريمة "مافي مرمرة"، والتطور الملحوظ في العلاقات التركية الإسرائيلية، وتبادل السفراء وفق اتفاق التطبيع مع السماح لتركيا بإدخال المساعدات لأهالي قطاع غزة المحاصرين، أنه يستطيع تطوير علاقاته خاصة مع الشعب التركي الذي رفض جزء منه اتفاق التطبيع هذا، ويسعى بشكل مستمر لجر الموقف التركي لمصلحته، وإبعاده عن موقفه المتضامن مع الشعب الفلسطيني.

بالمقابل نجد الجانب الفلسطيني في تركيا، المتمثل بالمؤسسات الفلسطينية الشعبية، التي تتواصل مع الأطر الرسمية والشعبية في الدولة التركية، وتعمل على بقاء جذوة الدعم التركي للقضية الفلسطينية في أوجه، وفضح جرائم الاحتلال، وإبراز حقيقة هذا الكيان العنصري الوحشي ضد الشعب الفلسطيني، والذي يترافق باستمرار مع موقف تركي، سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي، داعمين لحقوق الفلسطينيين في معركتهم مع الاحتلال الصهيوني.

في هذه الحالة نستطيع أن نشبه العمل السياسي والشعبي في تركيا بجولة مصارعة ضمن الحلبة بين المناضل الفلسطيني والإرهابي الصهيوني، هي ساحة مواجهة ظهرت إلى السطح في السنوات الأخيرة، مع تكثيف عمل المؤسسات الفلسطينية في تركيا وجهود الاحتلال الصهيوني لكسب تركيا إلى طرفه، وإبعادها عن المربع الفلسطيني، خاصة في عهد الرئيس أردوغان.

تركيا ودورها في المنطقة كلاعب أساسي وفاعل في مختلف القضايا التي تعصف في محيطنا، والإمكانيات الاقتصادية، وعلاقات تركيا الجيدة مع حركة حماس، جعلت منها قبلة للاحتلال الصهيوني لتطبيع العلاقات وبناء الثقة؛ في محاولة صهيونية لتكون تركيا ورقة ضغط في الملف الفلسطيني لمصلحة الاحتلال بحسب اعتقاده.

بينما يحتدم الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على أرض فلسطين المحتلة بأشكال مختلفة، في مقدمتها المقاومة المسلحة، فإن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي في الساحة التركية لا يزال أبيض في إطار الجهود السياسية والشعبية؛ كل بهدف حشد الرأي السياسي والشعبي التركي إلى جانبه.

مواقف تركية متعددة رسمية وشعبية سجلت علامات فارقة وأهدافاً في مرمى الشعب الفلسطيني، سرعان ما تحولت إلى المرمى الإسرائيلي، ولم يكن ذلك عن عبيثة، وإنما بجهد وعمل ممنهج، وتكاتف فلسطيني وطني؛ لعكس الصورة إلى وضعها الطبيعي.

اقرأ أيضاً:

أطفال فلسطين الأسرى.. هل من بَواكٍ لهم؟

تصريح رئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان في لقائه مع القناة الإسرائيلية الثانية، بتاريخ 21 نوفمبر/ تشرين الثاني في العام 2016، حيث قال: "إن القدس مهد الديانات السماوية والمسجد الأقصى للديانات الثلاث"، جاء بعد قرار منظمة الأمم المتحدة (اليونيسكو) باعتبار المسجد الأقصى إرثاً خاصاً بالمسلمين ولا علاقة لليهود به.

عمد الإعلام الصهيوني إلى التشهير بعبارة أردوغان، وتسييسها والتسويق لها؛ لكونها تخدم المشروع التهويدي الصهيوني للقدس المحتلة، على الرغم من الانتقادات الواسعة في الأوساط الإسرائيلية لمجمل حديث الرئيس أردوغان خلال المقابلة.

تفسيرات عدة وانتقادات كثيرة تعرضت للرئيس أردوغان على هذا التصريح الخطير، تعاملت معها المؤسسات الفلسطينية بمسؤولية واعية، وجهد جماعي؛ من خلال العلاقات التي تربطها بالجهات الرسمية والشعبية في الدولة التركية، دون تهجم على شخص الرئيس، بيانات مختلفة صدرت حول موضوع القدس والمسجد الأقصى توضح الجانب الشرعي في ذلك لتصل الرسالة وتحقق النتيجة.

الرئيس أردوغان، وخلال مؤتمر رابطة برلمانيون لأجل القدس، في إسطنبول بتاريخ 29 نوفمبر/ تشرين الثاني 2016، الذي وجد فيه المنبر المناسب ليعلن منه ويصحح عبارته بأن "مدينة القدس مهد الديانات الإسلامية، وأن المسجد الأقصى وما فوقه وما تحته للمسلمين فقط"، أردوغان تعامل بذكاء السياسي في الموضوع، واختار التوقيت والمكان المناسب ليقول ما يقتنع به في خطوة تحسب له.

الموقف الثاني ما صدر من تصريح مستهجن لنائب رئيس الوزراء التركي "محمد شيمشك" حول إدانته لعملية الفدائي "فادي القنبر" في القدس ضد جنود الاحتلال، تصريح كان مفاجئاً لمختلف الشرائح الشعبية الفلسطينية والعربية والتركية أيضاً.

صحيح أن مجموعة من الردود الفلسطينية التي ترى في العمل المقاوم حقاً مشروعاً لشعب يعيش تحت الاحتلال، وكفلت القوانين الدولية له هذا الحق، كانت تعليقاتهم هجومية على حساب الوزير على تويتر، إلا أن خلية نحل فلسطينية بدأت العمل على تصحيح هذا المفهوم الخاطئ عن العملية البطولية، والحق المشروع للشعب الفلسطيني بمقاومة الاحتلال.

مؤسسات شعبية فلسطينية، وتجمعات إعلامية ونقابية بدأت العمل للجولة الجديدة من الصراع مع الاحتلال على الساحة التركية، فقد أصدر مؤتمر فلسطينيي تركيا بياناً شرح فيه طبيعة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وحول الدعم التركي للقضية الفلسطينية، وقدم توصيفاً دقيقاً لعملية القدس، وذلك باللغتين العربية والتركية.

كذلك أطلق تجمع الإعلاميين والصحفيين الفلسطينيين في تركيا عدة رسائل إعلامية حول ذات الموضوع، ووسماً (هاشتاقاً) (مقاومتنا ليست إرهاب) كان له حجم كبير في التغريد على صفحات التواصل الاجتماعي.

هذه الحملة الشعبية الفلسطينية كانت دون تهجم، وبشكل منطقي، يحرص على العلاقة الجيدة بين تركيا وفلسطين، من خلال قنوات التواصل مع الجهات التركية الرسمية والشعبية، وتكللت الجهود بالنجاح؛ حيث تراجع الوزير عن تغريدته وحذفها بالكامل، هي التي كانت هدفاً في الشباك الفلسطينية، والآن أصبحت ضربة جزاء في مرمى الاحتلال.

من خلال النظر والتدقيق فيما ذكرناه، نصل إلى نتيجة أن تركيا فعلاً هي ساحة للصراع السياسي مع هذا الاحتلال الصهيوني، نستطيع في هذا النزال أن نعزل الاحتلال، ونكشف جرائمه، ونفشل جميع مشاريعه الخبيثة الرامية إلى جعل قضية فلسطين لدى تركيا في دائرة الإهمال.

هذه التجارب لا بد أن تكون نقطة انطلاق في مشروعنا الفلسطيني ودعم حقوقنا، وزيادة الدعم السياسي والشعبي التركي لحقوق شعبنا، ولطالما كانت ولا تزال تركيا إلى جانب حقوق شعبنا.

نحتاج إلى العمل، كمؤسسات فلسطينية مختلفة، على الوقوف صفاً واحداً في وجه المشاريع الصهيونية التي تحاول سرقة فلسطين من قلب تركيا، ولا بد أن يبقى اللاعب الفلسطيني يمطر المرمى الصهيوني بالأهداف التركية.

كذلك يقع على عاتقنا نحن الفلسطينيين في تركيا أن نكرس جزءاً من أعمالنا لتوعية الشعب التركي بعدالة القضية الفلسطينية، وتصحيح المفاهيم الخاطئة لدى السياسيين والشعب، ووصولاً إلى وسائل الإعلام التركية التي يجب أن تبقى قضية فلسطين حاضرة لديهم، مع الاهتمام باللغة التركية، وأن نوصل لهم الحقائق الصحيحة عن فلسطين ومعاناتها ومقدساتها ومقاومتها؛ لنقطع الطريق على الاحتلال الصهيوني.

مطالبون اليوم بلوبي فلسطيني في تركيا لمواجهة الحملات الصهيونية المشوهة لنضال شعبنا الفلسطيني، وندرك جميعنا طيبة الشعب التركي الذي تجري فلسطين في دمائه.