حاجة الخليج إلى وكالات تصنيف تزيد مع تعثر الشفافية الدولية

تواجه وكالات التصنيف الائتماني العالمية اتهامات بالانحياز والبعد عن الشفافية، ويرى فيها مراقبون اقتصاديون "آلة حرب" تستهدف الاقتصادات الآخذة بالتصاعد في دول الشرق الأوسط.

وخلال السنوات الأخيرة، اتهمت الحكومة التركية وعدد من دول الخليج منها السعودية، مراراً، وكالات التصنيف الائتماني الأمريكية، منها "موديز" و"فيتش" و"ستاندرد أندروز"، بعدم الحيادية والشفافية بشأن التقارير التي تصدرها حول قدرة الحكومات والشركات والمؤسسات على الوفاء بالتزاماتها المالية؛ خضوعاً منها للسياسة الخارجية الأمريكية.

وبعد مرور قرابة عام على آخر اتهام سعودي للوكالات الأمريكية، أقرت وزارة العدل الأمريكية في بيان نشرته "الألمانية" في 14 يناير/كانون الثاني، بأن موديز فشلت في الالتزام بمعايير التصنيف الائتماني الخاصة بها، وفشلت في الوفاء بتعهدها بالشفافية في الفترة التي سبقت الركود الكبير في أمريكا، وسوف تدفع 864 مليون دولار لتسوية ملفات عدم حيادية وشفافية، رغم تبرير الوكالة بأن التسوية "لا تحتوي على أدلة على أي انتهاك للقانون".

- اعترافات وضغوط

واعترفت "موديز" حينها بفشلها في توصيف دقيق لأزمات اقتصادية كبيرة في الولايات المتحدة أدت إلى حدوث أزمة مالية، وقالت: إنها "لم تكن راضية عن أدائها".

وبحسب الشهادات التي قدمت أمام لجنة لمجلس الشيوخ، فقد أخمد بعض المسؤولين الكبار في "موديز" وفي مؤسسة "ستاندرد آند بورز" شعوراً داخلياً بالقلق إزاء تصنيف سندات؛ بسبب ضغوط من المصارف التي تدفع لهم الرسوم.

اقرأ أيضاً :

خبير قطري: الاستثمارات الخليجية المرتقبة ستنعش اقتصاد تركيا

ويتعرض العاملون بـ"موديز" و"ستاندرد آند بورز" إلى ضغوط من قبل مصارف الاستثمار لإعطائها تصنيفات غير دقيقة، بحسب يوري يوشيزاوا، أحد مديري "موديز".

- حاجة خليجية

الخبير الاقتصادي القطري، يوسف بوحليقة، أكد في تصريح لـ"الخليج أونلاين"، حاجة دول الخليج إلى وكالات تصنيف ائتماني خليجية قائلاً: "لا بد من وجود مؤسسات تصنيف ذات مصداقية محلية وخليجية خصوصاً".

وأضاف: إن "دول الخليج دول اقتصادية مؤثرة عالمياً ولها مكانتها، فكيف تضع ثقتها بمؤسسات دولية تخضع لسياسات محلية؟!"، مشدداً على أهمية وجود مؤسسة معتمدة في مجلس التعاون نتيجة للمكانة الاقتصادية التي تتمتع بها دول الخليج عالمياً.

وقال بوحليقة: إن "دول الخليج بحاجة إلى مؤسسات تصنيف تتمع بمعايير وشفافية عالية؛ لكون دول مجلس التعاون كانت ولا تزال مؤثرة جداً في الاقتصاد العالمي، ويتوجب عليها الاعتماد على نفسها في تنمية قدراتها ومؤسساتها الاقتصادية".

وخلال الفترة التي أعقبت الانتخابات الأمريكية الأخيرة، بدأت دول الخليج تجري تقييماً لتعاملاتها الاقتصادية مع العديد من المؤسسات الاقتصادية العالمية، بحسب الخبير القطري، حيث أشار إلى وجود توجه كبير لدى دول الخليج نحو اعتماد مؤسسات محلية لعدم ثقتها في كثير من المؤسسات الدولية، خصوصاً في ظل تزايد المخاوف وعدم الثقة بين واشنطن ودول المجلس بعد تسلّم الرئيس الأمريكي المنتخب، دونالد ترامب، للرئاسة الأمريكية.

ولفت بوحليقة في ختام حديثه لـ"الخليج أونلاين" إلى أن "دول الخليج تنظر إلى تجربة تركيا في المعاملات والتعاملات الاقتصادية على أنها نموذج ممتاز يمكن تطبيقه في دول المجلس".

وأكد أن "دول الخليج حريصة على نقل التجربة التركية إلى الخليج؛ لأنها استطاعت -بذكاء- عبور كثير من الأزمات السياسية والاقتصادية التي تعرضت لها البلاد طيلة السنوات الماضية. ورغم ذلك فهي تعتمد على نفسها في تنمية قدراتها المحلية، وتعتمد على نفسها بخططها المحلية خصوصاً في تجربتها الاقتصادية".

- ظاهرة غير صحية

وفي سياق احتكار الوكلات الأمريكية فقط للتصنيف الائتماني عالمياً، يؤكد الرئيس التنفيذي للشركة السعودية للمعلومات الائتمانية (سمة)، نبيل المبارك، أن سيطرة 3 وكالات فقط على 95% من وكالات التصنيف العالمية، وكلها أمريكية، أمر غير صحي، خاصة مع وجود تداخل في أهدافها.

وتابع: أن "كل وكالة تصنيف ائتماني لديها معايير معينة وأسس مختلفة"، مشيراً إلى أهمية وجود وكالة تصنيف محلية تصدر التقارير لتعطي صورة أوضح عن وضع الاقتصاد المحلي.

وتصدر مؤسسات التصنيف الائتماني الأمريكية "فيتش" (Fitch)، و"موديز" (Moody’s)، و"ستاندر أند بورز" (Standards Poor’s)، بيانات وتقارير حول السوق والاقتصاد العالمي، بالإضافة إلى الوكالة الإسلامية الدولية للتصنيف، و"AM Best الأوروبية"، التي تعمل في خدمات التصنيف المحدودة.

- كيف تعمل وكالة التصنيف؟

ومؤسسات التصنيف الائتماني هي شركات خاصة مستقلة، تعمل على تقييم الجدارة الائتمانية لمُصدري السندات من دول وشركات، ومدى قدرة الشركة أو الدولة على سداد الديون أو قابلية الاستثمار فيها.

وينعكس التصنيف إيجاباً أو سلباً على ثقة المستثمرين في الدولة أو الشركة المعنيتين، حيث يسهل التصنيف المرتفع حصول الحكومات والشركات على التمويلات والقروض اللازمة، سواء من السوق المحلي أو الخارجي لاستكمال رؤيتها وتنفيذ مشاريعها الاقتصادية التوسعية.

وتعتمد مؤسسات التصنيف الائتماني على عدة معايير مبنية على الاقتصاد والتشريعات والتأثيرات الجيوسياسية وحوكمة وإدارة الشركات، والقدرة التنافسية في تصنيفها الائتماني للمؤسسات كالربحية، والأصول والتدفقات المالية التي توضح في النهاية الوضع المالي الحالي؛ ممّا يترتب عليه توقع النظرة المستقبلية لهذه المؤسسة.