• العبارة بالضبط

عبر نافذة الاستفتاء.. كيف حوّلت "EVET" مجرى نظام الحكم بتركيا؟

قال الشعب التركي كلمته يوم 16 أبريل/نيسان، بعد أن أظهرت النتائج شبه النهائية في الاستفتاء على التعديلات الدستورية بالبلاد، فوز المؤيدين للتعديلات التي ستحوّل تظام الحكم في البلاد من نيابي إلى "رئاسي".

وجاءت النتائج بحسب البيانات الرسمية بـ51.34% "نعم - EVET" للتعديلات، مقابل 48.64% لـ "لا- HAYIR"، وذلك قبل وقت قصير من استكمال انتهاء عملية الفرز بشكل كامل.

وانتهت بذلك حقبة جديدة لعلها الأكثر حساسية في تاريخ الجمهورية التركية؛ إذ صوّت نحو 24 مليوناً و326 ألف مواطن تركي لمصلحة التعديلات، مقابل 23 مليوناً و185 ألف مواطن من الرافضين.

التعديل الدستوري المقترح من قِبل حزب العدالة والتنمية الحاكم والذي صوت عليه مجلس النواب التركي قبل شهرين بأغلبية 339 صوتاً، صوّت عليه أيضاً ما يقرب من ثلاثة ملايين ناخب خارج تركيا في 119 ممثلية دبلوماسية لبلادهم في 57 بلداً، إضافة إلى 32 معبراً حدودياً.

- مجلس النواب .. خطوة أولى

في العشرين من يناير/كانون الثاني الماضي، أقر مجلس النواب التركي بالتصويت النهائي مقترح تعديل الدستور، والذي يتم بموجبه نقل تركيا من النظام البرلماني إلى الرئاسي، الذي يعطي للرئيس صلاحيات تنفيذية تخوله تعيين الوزراء وإعفاءهم.

حزب "العدالة" الحاكم بزعامة الرئيس رجب طيب أردوغان طرح قضية تحويل نظام الحكم من برلماني إلى رئاسي خلال مراحل عدة، فاز خلالها بالانتخابات المختلفة على مدار العقد الماضي، مستغلاً الثقة التي تجددها صناديق الاقتراع بمشروع أردوغان الذي يتطلع لتركيا جديدة في الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية؛ لذلك يقود الحملات الانتخابية بنفسه بما في ذلك المحلية، موظفاً "الكاريزما" التي يمتلكها في التأثير على الجماهير التي تمنح حزبه الثقة مرة بعد مرة.

- مبررات النظام الرئاسي

المبرر الأساسي للمطالبين بالنظام الرئاسي هو أن النظام البرلماني يعطل عجلة التنمية بسبب الازدواجية في قيادة الدولة، وتعرض الحكومات المتعاقبة لمشاكل المحاصصة السياسية، والابتزاز الحزبي؛ وهو ما جعل استمرار حكومة في حكم البلاد فترة كاملة أمراً صعباً في مراحل سابقة لحكم "العدالة".

الداعون للنظام الرئاسي يروجون لمقولة مفادها أن تركيا قوية بحاجة إلى نظام رئاسي قوي، وأن مشروع أردوغان للذكرى المئوية الأولى لتأسيس الجمهورية عام 2023 لن يكتمل إلا بصلاحيات قوية تمكنه من تحقيق أهدافه المرسومة.

المبرر الثاني أن الدور القوي للنظام الرئاسي ينبع من طريقة الاقتراع في الانتخابات الرئاسية بالبلاد، حيث يتم الاقتراع بشكل مباشر من الشعب على الرئيس، الذي يصبح من ثم ممثلاً للشعب على غرار النظام الرئاسي الأمريكي.

الحاجة للتغيير لا تتوقف عند نظام الحكم فقط، بل إن البعض يرى أنها خطوة في طريق وضع دستور جديد للبلاد يتلاءم مع تركيا الحديثة، التي حققت خلال العقد الماضي نجاحات كبيرة ولا سيما في المجال الاقتصادي، وشهدت تغيرات سياسية داخلية عميقة، واكتسبت نفوذاً إقليمياً ودولياً، فالدستور المعمول به حالياً وضع في ظل الانقلابات العسكرية التي قادت البلاد في الحقبة الماضية، وبموجب هذه الرؤية فإن تركيا باتت بحاجة إلى دستور جديد يعبر عن هذا الدور ويعكس هذا الصعود في النفوذ والمكانة؛ وهو ما يعني أن يقوم الرئيس بإدارة الملفات الأساسية، ولا سيما ملف السياسة الخارجية.

- مفهوم "الرئاسي" و"البرلماني"

النظام البرلماني: ينقسم فيه الحكم بين الهيئتين التنفيذية (الحكومة) والتشريعية (البرلمان) الذي يتم انتخاب أعضائه من قبل الشعب مباشرة ومنه تنبثق الحكومة. ويجوز فيه سحب الثقة من الحكومة، ويمكن للحكومة بموجبه أن تحل مجلس النواب، فهو مبني على التعاون والتوازن بين السلطات التشريعية والتنفيذية.

تمارس الحكومة عملها باسم رئيس الدولة، ولكن المسؤولية الفعلية يتحملها مجلس الوزراء بزعامة رئيس الأغلبية النيابية، ولهذا فإن النظام البرلماني تحكمه قواعد محددة أهمها عدم مسؤولية رئيس الجمهورية؛ لأن الاختصاصات التي ينص عليها الدستور باسم رئيس الدولة تمارس من قبل الحكومة؛ أي مجلس الوزراء الذي يحصل على ثقة مجلس النواب.

وبموجب هذا النظام يختار رئيس الدولة رئيس الوزراء من بين رؤساء الكتل النيابية الحائزين على الثقة، ثم يختار رئيس الحكومة الوزراء، على أن تقوم الوزارة بعد ذلك بالرجوع إلى مجلس النواب للحصول على ثقته، ولهذا فالحكومة تكون حرة التصرف ولكن في نطاق القواعد القانونية المقررة، بحيث إذا تجاوزت حدود القواعد القانونية فإن تصرفها غير مشروع.

لهذا فإن النظام البرلماني يمكن أن يتلاءم مع الأنظمة السياسية في الدول النامية أكثر من النظام الرئاسي؛ لأنه يمكن التخوف من رئيس الدولة المنتخب في النظام الرئاسي في الدول النامية؛ لأنه يستبد برأيه دون الرجوع إلى الشعب، ومن ثم ينفرد بالسلطة ويصبح حكماً استبدادياً، وهي المخاوف التي يثيرها المعترضون على النظام الرئاسي في تركيا.

وبناء على ما تقدم فإن الوزارة هي السلطة الفعلية في النظام البرلماني، وهي المسؤولة عن شؤون الحكم، أما رئيس الدولة فإنه غير مسؤول سياسياً بوجه عام فلا يحق له مباشرة السلطة الفعلية في الحكم طبقاً لقاعدة (حيث تكون المسؤولية تكون السلطة)، لذلك الوزارة في النظام البرلماني هي المحور الرئيس الفعال في ميدان السلطة التنفيذية، حيث تتولى العبء الأكبر والأساسي في تحمل هذه المسؤولية الدستورية.

لذلك يختلف الوضع الدستوري في بعض الدول بين مجلس الوزاء والمجلس الوزاري؛ حيث يسمى المجلس بمجلس الوزراء إذا ما انعقد برئاسة رئيس الدولة، ويسمى بالمجلس الوزاري إذا ما انعقد برئاسة رئيس الوزراء.

ورئيس الدولة هو الذي يعين رئيس الوزراء ووزراءه ويقيلهم، ولكن حقه مقيد بضرورة اختيارهم من حزب الأغلبية في مجلس النواب، ولو لم يكن رئيس الدولة راضياً فمجلس النواب هو الذي يمنح الثقة للحكومة.

وتختلف الحكومات في النظام البرلماني بقوة أعضائها والأحزاب المشتركة في الائتلاف، حيث تسود الثنائية الحزبية عند وجود التكتلات المتوازنة في المجلس النيابي.

اقرأ أيضاً :

السودان يخرج من عنق زجاجة العقوبات الأمريكية.. بدعم خليجي

- النظام الرئاسي

هو نظام حكم تكون فيه السلطة التنفيذية مستقلة عن السلطة التشريعية، ولا تقع تحت محاسبتها، ولا يمكن أن تقوم بحلها.

تعود أصول النظام الرئاسي إلى النظام الملكي في العصور الوسطى في فرنسا وبريطانيا وأسكتلندا، التي كانت فيها السلطات التنفيذية تصدر أوامرها من التاج الملكي، وليس من اجتماعات مجلس الأعيان (البرلمان).

يتضح النظام الرئاسي في شدته وتطبيقه بأقصى حد ممكن في دستور الولايات المتحدة الأمريكية، من حيث حصر السلطة التنفيذية بيد رئيس الجمهورية المنتخب من الشعب، والفصل الشديد بين السلطات، فرئيس الجمهورية في النظام الرئاسي منوطة به السلطة التنفيذية، وهذا ما نصت عليه الفقرة الأولى من المادة الثانية من دستور الولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث جاء فيها: "تناط السلطة التنفيذية برئيس الولايات المتحدة الأمريكية"، وهو الذي يشغل هذا المنصب أربع سنوات قابلة للتجديد بانتخاب جديد، ولا يجوز بعدها تجديد هذه الولاية بأية صورة من الصور.

لذلك يصبح رئيس الدولة هو صاحب السلطة التنفيذية بشكل كامل؛ لأنه لا يوجد مجلس وزراء في النظام الرئاسي كما هو كائن في النظام البرلماني، أو في النظام نصف الرئاسي، ولا توجد قرارات تخرج عن إرادة غير إرادته، فهو صاحب السلطة الفعلية والقانونية للسلطة التنفيذية، فعلى المستوى الوطني يناط بالرئيس حماية الدستور، وتطبيق القوانين واقتراح مشروعات القوانين، ودعوة مجلس النواب إلى عقد دورات استثنائية، وتعيين كبار القضاة، وتعيين الوزراء وكبار الموظفين.

أما على المستوى الدولي فرئيس الدولة هو المسؤول بصورة أساسية عن علاقات بلاده بالدول الأجنبية، وهو الذي يعين السفراء والقناصل، وهو الذي يستقبل السفراء الأجانب، ويجري الاتصالات الرسمية بحكوماتهم.

- تركيا القوية من وجهة نظر حزب "العدالة"

حزب العدالة والتنمية يرى أن تركيا قوية مستقرة، "تركيا الجديدة" برؤيتها الاستراتيجية ذات المراحل الثلاث: 2023 – 2053 – 2071؛ تحتاج لنظام رئاسي يجعل من رئيس الجمهورية رئيساً فعلياً للسلطة التنفيذية، ويفصل ما بين مختلف السلطات، عوضاً عن الصيغة الحالية للنظام السياسي التركي الذي يجعل من رئيس الجمهورية رئيساً شكلياً لا يمارس صلاحيته المهمة، ومن رئيس الوزراء رئيساً مقيّداً في كلّ تحركاته بالسلطة التشريعية التي تحكمها المحاصصات السياسية والحزبية.

وإذا كانت هذه رؤية الحزب الحاكم، فإن للمعارضة رؤية مختلفة، بطروحات متناقضة تماماً، اتضح ذلك في البرلمان الذي صوت للمشروع، فقد حظيت مسودة الدستور الجديدة المطروحة من قِبل حزب العدالة والتنمية الحاكم بدعم حزب الحركة القومية المعارض، القوة الرابعة في البرلمان بعدد 39 مقعداً، في حين يعارضه حزب الشعب الجمهوري، القوة الثانية في البرلمان بعدد 133 نائباً.

وبعد أن أقرّ البرلمان مقترح التعديل ستعرض مسودة الدستور الجديد المعدل على الرئيس لإقرارها، ومن ثم على الشعب في استفتاء جماهيري، وبين طروحات الحزب الحاكم الذي حقق للأتراك الكثير من الإنجازات على مدار عقد، إلى جانب "كاريزما" رئيسه أردوغان، والمعارضة التركية التي لا تتورع عن المنازلة الشديدة في الإعلام، جاءت الكلمة الفصل للشعب ليحدد مصير البلاد السائرة في طريق النهضة في عالم يتجه إلى التعددية القطبية، ولا مكان فيه للضعفاء.