مظاهرات بغداد.. خلاف شيعي داخلي أم مجرد مناورة إيرانية؟

عادت شوارع عاصمة الرشيد (بغداد) إلى الاشتعال مجدداً بعد الدعوة التي وجهها زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، إلى أتباعه بالنزول إلى ساحات بغداد، لا سيما ساحة التحرير، والاحتجاج على المفوضية العليا المستقلة للانتخابات وقانون الانتخابات الذي ستجرى بموجبه الانتخابات التشريعية أبريل/نيسان من العام المقبل، ومعها انتخابات المجالس المحلية للمحافظات.

أنصار التيار الصدري لبوا دعوة زعيمهم الأربعاء الماضي، وخرجوا بالآلاف للتظاهر في بغداد مطالبين بتشكيل لجنة مستقلة: بعيداً عن الانتماءات السياسية، للإشراف على الانتخابات المقبلة، وتغيير القانون الانتخابي للابتعاد به عمّا سموه المحاصصة الطائفية والمال السياسي وشراء الأصوات، متوعدين بمظاهرة أكبر وتحرك شعبي أوسع إذا لم تتم الاستجابة لمطالبهم.

ومع استمرار "التجاهل" الحكومي لمطالبهم، عاود زعيم التيار دعوة أنصاره للتظاهر، السبت، في ساحة التحرير ببغداد، في مظاهرة "مليونية" حشد لها المزيد من الأنصار من المحافظات الجنوبية ذات الكثافة الشيعية؛ لتجديد مطالب حراكه "السلمي".

اقرأ أيضاً :

أردوغان يستهلّ جولته الخليجية بزيارة البحرين الأحد

- صدامات ومواجهات

مع تدفق الحشود إلى الساحة، وإلقاء الخطب الحماسية فيها، تمت دعوة المتظاهرين من قبل زعيمهم، مقتدى الصدر، إلى الاعتصام أمام المنطقة الخضراء الشهيرة في بغداد، والتي تضم المقرات الحكومية ومجلس النواب والبعثات الدبلوماسية، وهو ما كانت تتوقعه الحكومة، فزادت من عديد القوات الأمنية وحصنت المنطقة أمام جموع المتظاهرين، في مشهد أعاد إلى الأذهان أحداث اقتحام أنصار التيار الصدري للمنطقة العام الماضي، ودخول مجلس النواب احتجاجاً على ممارساته وبطء عملية "الإصلاح" التي قالت الحكومة إنها شرعت بها.

عشرات القتلى والجرحى سقطوا بينهم عناصر من القوات الأمنية، وتم تسجيل أكثر من 79 إصابة بالرصاص الحي، دفعت محافظ بغداد، علي التميمي، إلى مطالبة رئيس الوزراء، حيدر العبادي، بفتح تحقيق بشأن ذلك.

- مظاهرات وخلافات

تبدو "مناوشات" التيار الصدري الذي تم تدجين مواقف زعيمه، وإدراجه ضمن التحالف الوطني العراقي (يضم معظم التيارات الشيعية العاملة في العراق) "انتخابية" من جهة، و"سياسية" من جهة أخرى.

الكاتب والإعلامي العراقي عامر السامرائي اعتبر، في تصريحات خاصة لـ"الخليج أونلاين"، أن "كثيراً من المتابعين للشأن العراقي يعتقدون أن ممارسات وسلوك زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، فيها كثير من الغموض والضبابية لكثرة تقلباته وعدم الثبات في مطالبه السياسية"

فمع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية وانتخابات مجالس المحافظات العام المقبل، يشكو مقتدى الصدر من هيمنة حلفائه، ولا سيما حزب الدعوة بقيادة رئيس الورزاء السابق، نوري المالكي، على مفاصل العمل السياسي في العراق، أو ما يسمى بحصة الشيعة من إدارة الدولة، فرئيس الوزراء الحالي، حيدر العبادي، ينتمي إلى حزب المالكي نفسه، ورضا إيران عن المالكي وحزبه أكبر بكثير من رضاها عن أي تيار شيعي آخر.

ويحاول زعيم التيار الصدري تحريك الشارع "الشيعي" وتضخيم مكاسب تياره السياسية والانتخابية قبيل الانتخابات المقبلة، عبر المطالبة بإعادة تشكيل الهيئة العليا للانتخابات بحجة كونها "مسيسة"، رغم انتماء ثلث أعضائها إلى تياره، بحسب بيان صادر عن الهيئة نفسها، السبت.

ويوضح السامرائي لـ"الخليج أونلاين" أنه "في الوقت الذي يطالب فيه مقتدى الصدر الحكومة العراقية بالإصلاح، نجد أن التيار الذي يتزعمه يمتلك أربعة وثلاثين مقعداً في مجلس النواب، وثلاثة وأربعين مقعداً في المجالس المحلية، فضلاً عن ثلاث وزارات في الحكومة؛ ما يعني أن التيار الصدري هو جزء كبير وفاعل في منظومة الفساد والفشل في إدارة الدولة، اللذين يتظاهر أتباعه ضدهما".

وبعد محاولات ركوب الصدر موجة التيار المدني ومظاهراته التي اندلعت قبل عامين للمطالبة بإصلاح الحكومة ومؤسسات الدولة، ثم الانقضاض بأنصاره على المنطقة الخضراء العام الماضي، و"تفريغ" الحراك المدني من "وهجه"، ما لبث مقتدى الصدر أن توجه إلى طهران لما سماه "الاعتكاف" عن العمل السياسي لمدة وجيزة، تاركاً أنصاره ومعهم المتحمسون من التيار المدني في مواجهة الحكومة ومحاولات تمييع دعوات الإصلاح التي خرجت بها الحكومة استجابة للشارع، ليتضح فيما بعد أنها لم تكن سوى خطابات "وهمية".

وعليه، يؤكد السامرائي لــ"الخليج أونلاين" أنه "يتوهم كثيرون أن الصدر يشكل فرصة لرئيس الحكومة العراقية، حيدر العبادي، لإيجاد التوازن مع القوى السياسيّة الأخرى، عبر استخدام الشارع في تمرير الإصلاحات الّتي من شأنها أن تحرر العبادي من هيمنة الأحزاب".

- مآلات الحراك الصدري

يتوقع الكاتب العراقي عامر السامرائي أن يكون "تبني مقتدى الصدر لحركة الاحتجاجات في سياق التغطية على الفساد من جهة، واستغلال حركة الاحتجاجات بهدف توسيع دائرة نفوذه، ومن ثمّ تحويله إلى زعيم بلا منازع في الساحة السياسية العراقية، من جهة ثانية، مستغلاً بذلك القاعدة الشعبية التي ورثها عن أسرته الدينيّة المتنفذة في الأوساط الشعبيّة".

واقع الحال أنه كلما تصدع البيت الشيعي المهيمن على القرار في العراق، سارعت إيران إلى التدخل ومحاولة رأب صدوعه وتشققاته، فتصاعد الخلاف بين المالكي والصدر، خلال السنوات الماضية، كان مطلوباً من قبل إيران لإضعاف كلا الرجلين سياسياً، وفي الوقت نفسه، لضمان ولائهما لطهران.

ومن ثم فإن أي قراءة للمشهد الراهن في بغداد لا يمكن أن تستبعد منه أصابع طهران لتأجيجه بداية، ثم العمل عن إجبار الطرفين على الإذعان لإرادتها بالتوافق لاحقاً، وضمان هيمنتها على صنع القرار في بغداد.