• العبارة بالضبط

حكاية المقاهي المصرية.. تاريخ من السياسة والفن والمخالفات

للمقاهي في مصر تاريخ طويل، ويكفي أنك سرعان ما تتذكر "الفيشاوي"، و"زهرة البستان"، و"البورصة"، و"ريش"، و"جروبي"، بمجرد أن تذكر المعالم المصرية.

وفي مصر تجاوز المقهى مجرد تقديم القهوة والشاي والشيشة و"الدومينو" و"الطاولة"، بحيث أصبحت مصدراً للثورة، ومستقراً للنشطاء، ومقراً للشعراء والأدباء، وتجمّعاً للكومبارس والحرفيين الذين ينتظرون زبائنهم.

واختار المصلح الثوري، جمال الدين الأفغاني، مقهى "متانيا" ليكون منطلقاً لخطابه الأول، وفي نفس المقهى تم تأسيس "الحزب الوطني الحر"، وهو أول حزب مصري، كما كان عدد من السياسيين والأدباء يفضّلون ارتياد المقاهي لتوصيل آرائهم وأعمالهم، ومنهم الشيخ محمد عبده، وعبد الله النديم، وسعد زغلول، وأحمد شوقي، والمازني، كما بدأت دعوة الشيخ حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، من مقاهي الإسماعيلية.

- المقاهي لها تاريخ

ويذكر المستشرق الإنجليزي، إدوار دلين، في كتابه "المصريون المحدثون"، أن القاهرة في مطلع القرن التاسع عشر كان بها ما يقرب من 1000 مقهى، كما تناول كتاب "وصف مصر"، الذي تم إعداده بعد الحملة الفرنسية على مصر، جانباً من تاريخ هذه المقاهي.

حيث ذكر دلين أن المقهى كان عبارة عن مقاعد توضع بشكل مرتّب بجانب الجدران، وكانت خالية من أي ديكور داخلي أو خارجي.

ومع الوقت برزت مقاهٍ لفئات وطوائف ومهن معيّنة؛ فهناك مقاهي علماء الأزهر والمشايخ العلماء، وأخرى للأفندية أصحاب الطرابيش من الموظفين، واشتهرت مقاهي أصحاب الحرف والمهن المختلفة؛ منهم عمال المعمار، والمنجدون، والنجارون، والفرّانون، وغيرهم.

اقرأ أيضاً :

الشيخة حصة آل ثاني: قطر تتكفل بتحقيق "الحلم السوري" رياضياً

واستمرّت منطقة الأزبكية مكاناً لمقاهي الفنانين والأدباء حتى انتقلت إلى شارع عماد الدين وسط البلد، وصولاً إلى ميدان التحرير وميدان الأوبرا، ويعتبر مقهى "بعرة" الأبرز، حيث يعتبر مقراً للممثّلين وكومبارسات السينما المصرية.

أما أغرب المقاهي في مصر على الإطلاق فكانت التي تشهد صراع الديوك الهندية، وهو فن يشبه مصارعة الثيران في إسبانيا، وكان ذلك يتم في مقهى بحارة "حلقوم الجمل" بالأزهر.

- 1.5 مليون مقهى

وتقدّر أرقام غير رسمية عدد المقاهي والكافيهات في مصر بـ 1.5 مليون مقهى تقريباً، وتخضع لرقابة العديد من الجهات، إلا أن عدداً كبيراً منها لا يلتزم بالاشتراطات القانونية، ما يؤدي إلى تكبّد بعضها مخالفات، في حين يتم التغاضي عن معظمها.

وتواجه المقاهي أزمة طاحنة، أدّت إلى غلق العديد منها، وذلك منذ نشوب أزمة السكّر في مصر قبل نحو عام من الآن، كما أدّت الأزمة الاقتصادية التي تواجهها مصر إلى انخفاض أعداد مرتاديها.

ولم يعد مستغرباً الآن في المقاهي المصرية أن تجد الفتيات ممسكات بالشيشة جنباً إلى جنب مع الرجال، في مشهد لم يعد يثير الدهشة كما كان منذ سنوات.

ولم يعد مدهشاً أن تفاجأ بـ "كبسة" على أحد المقاهي للقبض على مجموعة من الشباب في وسط القاهرة، الذين لجؤوا إلى المقهى لالتقاط الأنفاس عقب انتهائهم من مسيرة في ميدان التحرير أو طلعت حرب، وهو ما تكرّر منذ أيام مع 6 نشطاء أخلي سبيل 5 منهم بعد ساعات، في حين استمرّ احتجاز السادس، عمرو سقراط، ما كان مثاراً للسخرية من جانب أقرانهم.

- حملات إزالة

"الكافيهات" هي الاسم الحديث للمقاهي، وأصبحت سيئة السمعة بسبب انتشارها في الشوارع المصرية، واحتلالها للأرصفة دون رقيب، وشهد أحدها جريمة قتل الشاب محمود بيومي، والتي وجدتها الحكومة سبباً كافياً لتنظيم حملة إزالة واسعة للمقاهي المخالفة، وخاصة في أحياء الهرم، وفيصل، والمهندسين، بالجيزة، والمعادي، ومصر الجديدة، ومدينة نصر، بالقاهرة.

وعرفت مصر مؤخراً "المقاهي النسائية"، التي يحظر على الرجال دخولها، كما عرفت "مقاهي الإنترنت"، التي يتم فيها تقديم المشروبات خلال استخدام الزبائن أجهزة الكمبيوتر الملحقة بالمكان، والمتصلة بالإنترنت.

- أشهر المقاهي

لعل "مقهى الفيشاوي" هو الأبرز في تاريخ المقاهي المصرية، ويقع بحي الحسين العتيق بالقاهرة، وتأسس عام 1797م، ويشير رواده إلى أن علاقة طيبة كانت تربط مالكه فهمي الفيشاوي بالملك فاروق.

وفي نفس الحي يقع مقهى "الزهراء"، الذي يطلق عليه البعض "قهوة المشايخ"، نسبة إلى مرتاديه من القرّاء والمنشدين المبتهلين؛ أمثال النقشبندي، ونصر الدين طوبار، والشيخ محمود طنطاوي، وتلميذه الشيخ المعصراوي، وتوفيق عبد الحكم، وأنشىء في ثلاثينيات القرن الماضي، وكتب فيه الدكتور أحمد زويل أجزاء من كتابه "عصر العلم".

اقرأ أيضاً :

ترامب يقرع طبول الحرب.. فهل تكون إيران ميدانه الأول؟

ويعتبر مقهى "الحرية" اسماً على مسمى؛ حيث أنشىء عام 1936، ويعتبر "هايد بارك" تتلاقى فيه الأفكار السياسية، كما يأتي "مقهى ريش" في مكان بارز بين مقاهي مصر، وأنشىء عام 1908 بشارع طلعت حرب بالقاهرة، وكانت تطبع فيه بيانات ثورة 1919، كما شهد الاجتماعات التحضيرية لتنظيم الضباط الأحرار تمهيداً لثورة يوليو 1952، وغيرها من الأحداث المهمة.

وكان مقهى "جروبي" بميدان طلعت حرب ملتقى للأدباء والسياسيين، وأبناء الطبقة الأرستقراطية الذين تعلّموا في أوروبا، وفي مقهى "زهرة البستان" لا تتوقّف اللقاءات الأدبية منذ تأسيسه قبل 80 عاماً وحتى الآن.

وكذلك مقهى "الحرافيش"، الذي اتخذ من رواية نجيب محفوظ اسماً له، ولا يتوقف صوت "أم كلثوم" عن المقهى الذي يحمل اسمها في أحد الشوارع المتفرّعة من شارع رمسيس، في حين يعتبر "البورصة" أحد المقاهي الحديثة التي يرتادها المثقّفون، وكان له دور بارز في أحداث ثورة يناير 2011.