عراق ما بعد "داعش".. سيناريوهات "خطيرة" وقصور إقليمي كبير

شكّل احتلال تنظيم الدولة مساحات واسعة من العراق قبل 3 سنوات، التحدي الأخطر الذي تعرض له هذا البلد بعد غزوه من قِبل الولايات المتحدة الأمريكية عام 2003، فإضافة إلى تمزيق وحدة التراب العراقي، شكل تهديداً خطيراً للنسيج العراقي الهش أصلاً بسبب التقسيم الطائفي والعرقي الذي خلفه الاحتلال قبل مغادرته.

ولم يتوقف الأمر عند حدود العراق؛ بل تعداه لدول المنطقة، حيث امتدت نيران الفتنة إلى الأراضي السورية، وتعدت لتشكل تهديداً كونياً استدعى تجييش تحالفات دولية.

اليوم، وفي حين تحقق القوات العراقية مدعومة بالتحالف الدولي تقدماً على الأرض، وتشارف نهاية المعركة مع التنظيم باستعادة شطر مدينة الموصل الأيسر والتقدم لاستعادتها بالكامل، برز تحدٍ خطير، فكرته تدور حول شكل العراق ما بعد نهاية المعركة على الأرض، وفيما إذا كانت العملية السياسية ستعود إلى المربع الأول الذي كانت عليه، أم أن تغيرات ستطرأ على شكل العملية السياسية، بحسب ما تطرح نخب المناطق المستعادة.

إذ تقترح بعض الآراء إقامة أقاليم جديدة تساعد في تفكيك أسباب سياسية واجتماعية ساهمت في ظهور التطرف، مضافاً إلى ذلك كله عامل التداعيات الإقليمية والمحلية والدولية، وتأثيراتها على مجمل الوضع في العراق. هذا الموضوع وارتدادته، وآثاره والأفكار التي تدور حوله، كانت محور بحث نخبة من الساسة والباحثين والإعلاميين يمثلون مختلف التوجهات الفكرية، مراجعين تداعيات الوضع في العراق ما بعد مرحلة تنظيم الدولة، في ندوة تحت عنوان: "عراق ما بعد داعش.. مقاربات محلية وإقليمية" عقدتها رابطة الإعلاميين العراقيين في الخارج بمقرها في إسطنبول، مؤخراً، وحضرها مراسل "الخليج أونلاين".

يقول القائمون على الرابطة، إن الندوة جاءت كمحاولة لاستقراء استحقاقات ما بعد تنظيم الدولة في العراق على الصعد المحلية والإقليمية والدولية.

المحور السياسي

يشكل الشق السياسي عنصراً محورياً في ظهور تنظيم الدولة، ومن الطبيعي أن يكون هو المحور الذي ستدور حوله رحى تداعيات ما بعد الحرب، من هنا كان من الطبيعي أن يتصدر أعمال الندوة هذا المحور، الذي تحدث فيه النائب في مجلس النواب العراقي خالد المفرجي، حيث تناول بإسهاب تحديات العملية السياسية في العراق، والمخاطر والتحديات التي تواجه الواقع العراقي والتي فرضها ظهور تنظيم الدولة.

لم يكتفِ المفرجي بالحديث عن تداعيات ما بعد الحرب؛ بل تحدث عن إشكالات وصراعات وأخطاء في العملية السياسية أدت الى ظهور التنظيم على أرض العراق.

وأشار إلى تحدي الحسم العسكري وصعوبته والذي قد يفرض عودة التنظيم إلى مرحلة حرب العصابات بعد تدمير المدن وإبادة بناها التحتية، ملمحاً إلى أن ثمة عقبات تواجه عملية مواجهة "الدولة"، أهمها استعصاء منطقة جبال حمرين في قضاء "الحويجة" التابع لمدينة كركوك؛ إذ ذكر بأن المنطقة استعصت على الدولة في زمن صدام حسين، رغم ما كانت تتمتع به من قوة واستقرار، في مواجهة عصابات التهريب، متسائلاً: "كيف ستواجه الدولة الضعيفة اليوم التنظيم في هذه المنطقة؟".

وأشار المفرجي إلى وجود توجه إقليمي لدعم تحالفات سياسية وطنية لتمثيل أبناء مناطق السُّنة، الذين نالهم أكبر نصيب من الظلم والتهميش منذ عام 2003، خلال المرحلة المقبلة واستحقاقاتها، مؤكداً تصاعد خيار تحويل المحافظات إلى أقاليم كحل جذري ومطلب جماهيري للتعامل مع استحقاقات المرحلة المقبلة.

اقرأ أيضاً :

إدارة ترامب: الأسد يريد أن نقاتل "داعش" بعد أن وفر ملاذاً له

معركة الإعلام

"نهاية المعركة العسكرية على الأرض في مواجهة تنظيم الدولة، هي بداية المعركة في الحقيقة وليس نهايتها، حيث ستبدأ المعركة الأخطر، ألا وهي معركة مواجهة الأفكار".

بهذا، استهل الصحفي والباحث الإعلامي محمد صادق أمين، محور الإعلام، ثاني محاور الندوة، وأشار إلى أن "الدولة" أعد العدة لما بعد الحرب العسكرية في الميدان، عبر إنشاء عشرات المؤسسات الإعلامية، وتحشيد جيوش إلكترونية للمقارعة بالفكر، الذي يبرع في نشره وعرضه من خلال كوادر متخصصة.

وذكر أنه نجح من خلاله في إدخال أعداد كبيرة من الغربيين في الإسلام، ثم تربيتهم على نهجه المتشدد، واستخدامهم في معاركه بمختلف الجبهات، ومنها الإعلامية.

وتحدث أمين عن أن الحديث عن "ما بعد داعش" لا يمكن أن يمر دون الحديث عن ما قبله، وخلال احتلاله للمناطق، مستطرداً بالحديث عن الدور السلبي الذي لعبه الإعلام العراقي من خلال التخندق وراء الحكومات المتتالية ممثلاً لها، أو تمثيل الأحزاب والجهات الطائفية، في غياب إعلام محايد يمثل ويدافع عن مصالح الناس، ما تسبب من وجهة نظره في تكون حاضنات للإرهاب مهدت لظهور الأفكار المتطرفة.

وعن مرحلة "أثناء احتلال داعش"، قال الصحفي والباحث العراقي، إن الإعلام العراقي عمل بمبدأ "اكذب اكذب حتى يصدقك الناس"، مشيراً إلى أن هذا المبدأ "فاشل" في عصر التواصل الاجتماعي، حيث نجح تنظيم الدولة في تبديد الانتصارات الوهمية من خلال أفلام محبوكة ومنتجة ببراعة، حققت نسب مشاهدات ومتابعات عالية، وهو ما وضع الجمهور برأيه في دوامة الازدواجية، فلجأ إلى الإعلام العالمي، الذي يراه الباحث محايداً، لكن حياده موجهاً.

واقترح لمرحلة "ما بعد داعش"، أن يبادر نشطاء المجتمع المدني بتشكيل تحالفات وتأسيس وسائل إعلامية تعتمد على إمكاناتهم الذاتية، وعلى الشباب المخلص الغيور المتحمس، مستخدماً وجود الهواتف الجوالة في كل يد لأجل إيصال المعلومة والفكرة والخبر، بأسلوب شائق لجيل الشباب الذي سيتعضر لرسائل تنظيم الدولة مستقبلاً، معللاً ذلك بفقدان الأمل في وجود مشروع أو رؤية لدى الحكومة تستشرف المستقبل، وتغلّب مصلحة الوطن على المصالح الضيقة لمواجهة الفكر المتطرف بكل تصنيفاته والذي لا يقتصر على تنظيم الدولة فقط.

اقرأ أيضاً :

نحو بسط النفوذ.. الاستراتيجيات الثلاث للسياسة الخارجية الروسية

المحور الإقليمي والدولي

الجلسة الثانية من ندوة رابطة الإعلاميين العراقيين في الخارج، خصصت للدور الإقليمي والدولي المنشود في التعامل مع "عراق ما بعد داعش"، وتصدر للحديث في هذا المحور مدير مركز الشرق الإسلامي، مهنا الحبيل، وتحدث تحت عنوان "الجوار العراقي.. اتفاق أم اختلاف؟"، وأكد في حديثه أهمية الدور الإقليمي في تشكيل عراق ما بعد غزو 2003، مشيراً إلى أن القصور الإقليمي الكبير ترك العراق نهباً للمشروع الإيراني.

وأشار إلى وجود بوادر تفاعل "إيجابي" مع تداعيات الأزمة العراقية "بعد داعش"؛ بسبب معادلة توازن الصراع في المنطقة، "لا سيما بعد تحول إيران من لاعب رئيس في المنطقة إلى صانع ألعاب يجيد استخدام أوراقه المتعددة للتعامل مع الخصوم"، حسب تعبيره.

وختمت الندوة بمحور "التحالفات الدولية" التي حاضر فيها سمير صالحة، أستاذ العلاقات الدولية في تركيا، وسرد خلالها فكرة أن التحالف الروسي–الأمريكي في عهد ترامب "حقيقة"، وأن "هناك سياقاً عملياً للتفاهمات ما بين الطرفين في ملفات عدة، لا يجعل الطرف الروسي يتنازل عن حليفه الإيراني بالضرورة".

وأشار صالحة إلى أن المرحلة المقبلة للعراق تتطلب حلاً جذرياً بإعادة صياغة دستور قادر على التعامل مع تفاعلات المرحلة.

وقد شهدت الندوة نقاشات مطولة دارت بين المحاضرين والجمهور الحاضر، ومعظمهم من الصحفيين وأساتذة الجامعات والباحثين.

تجدر الإشارة إلى أن رابطة الإعلاميين العراقيين في الخارج هي مؤسسة مجتمع مدني غير ربحية، كما تعرف نفسها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، عمل على إنشائها مجموعة من الصحفيين العراقيين، الذين اضطرتهم ظروف الحرب للجوء إلى المَهاجر.