• العبارة بالضبط

بين الشعبوية والأغراض الانتخابية.. مساجد ألمانيا "الضحية"

أظهرت البيانات الصادرة عن الحكومة الألمانية خلال جلسة استماع برلمانية، الأسبوع الجاري، ارتفاع الهجمات ضد المساجد والمراكز الإسلامية في ألمانيا، وبلوغها معدلات قياسية وصلت إلى 91 اعتداءً خلال العام المنصرم.

وأكد هذا الرقم من الاعتداءات ما جاء به تقرير "جهاز مكافحة الجريمة" الفيدرالي الألماني (بي كي آ) في أغسطس/آب الماضي، الذي بين أن وقوع مثل تلك الهجمات على المساجد يأتي بمعدل اعتداء واحد في الأسبوع على الأقل، لافتاً النظر في الوقت ذاته إلى وجود اعتداءات متفرقة لم يتمكن الجهاز من إحصائها والوقوف على تفاصيلها.

- أسرار تصاعد الاعتداءات

لكن ما أسرار تصاعد الاعتداءات على المساجد والمراكز الإسلامية في ألمانيا؟

سؤال تتطلب الإجابة عنه الرجوع إلى هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 على الولايات المتحدة، التي أسهمت في نشأة ما يعرف بظاهرة "الإسلامفوبيا" (الخوف المرضي من الإسلام)، في ألمانيا، وغيرها من الدول الغربية، وهي الظاهرة التي أسهمت الحملات التحريضية في الصحف ووسائل الإعلام الألمانية في تحويلها إلى ثقافة مجتمع بأكمله.

وفي ظل ذلك، باتت المظاهر الإسلامية في ألمانيا، كالحجاب والبرقع والمساجد والأذان، في مرمى الاستهداف من قبل التيارات اليمينية المتطرفة، والأوساط التي ترى في الإسلام "تهديداً حقيقياً" لهوية ألمانيا المسيحية وقيمها الغربية.

اقرأ أيضاً:

من ممثل فاشل إلى نجم إعلانات.. تعرَّف أكثر على "بيتزا" ترامب

وشهد عام 2002 بداية الحراك اليميني الشعبوي ضد المساجد في ولاية شمال الراين ويستفاليا، الولاية التي تصدرت مدنها قائمة الهجمات ضد المساجد خلال 2016؛ حيث دعت حركة "برو إن أرفي" الشعبوية المتطرفة، آنذاك، إلى مظاهرة حاشدة للاحتجاج على نية إدارة مدينة كولون منح المسلمين أرضاً في ضاحية "كورفايلة" لإقامة مسجد عليها؛ ليصبح شعار "حظر المساجد" في ألمانيا العنوان الرئيسي للحركات الشعبوية المتطرفة في البلاد.

وعمّقت الحركات اليمينية الشعبوية المتطرفة، كحركة "بيغيدا"، وحزب البديل "آ إف دي"، من الانقسام داخل المجتمع الألماني؛ بين مؤمن بحقيقة انتماء الإسلام إلى ألمانيا، وبين رافض لتلك الفكرة ومحارب لها.

واستغلت التيارات اليمينية الشعبوية السخط الشعبي في المجتمع؛ نتيجة تفاقم أزمة اللاجئين الوافدين إلى ألمانيا على مدار السنوات الخمس الماضية، والهجمات التي شهدتها المدن الأوروبية لإيجاد مناخ عدائي ضد المسلمين في ألمانيا.

إضافة إلى ذلك، كان لبعض المعارك الانتخابية دور في تصعيد العداء لكل ما هو إسلامي في ألمانيا، لا سيما من خلال استثمار مزاج الناخبين الساخط بسبب أزمة اللاجئين ذوي الغالبية المسلمة والاعتداءات الإرهابية.

ففي ظل سعي المحافظين الدؤوب للحصول على القواعد الشعبية والأصوات الانتخابية، التي فقدها يمين الوسط في ألمانيا خلال العامين الماضيين لصالح اليمين الشعبوي المتطرف بقيادة "حزب البديل"، يتماهى الساسة الألمان مع مزاج الناخبين العام.

إذ إن حزمة القوانين، التي أقرها الائتلاف الحاكم في إطار ما يصطلح عليه "مكافحة الإرهاب"، تستهدف المسلمين في المقام الأول، وتداعب رغبة شرائح متعددة داخل المجتمع الألماني بالربط الظالم بين الإسلام و"الإرهاب".

- مؤشر خطير

رئيس التجمع الإسلامي في ألمانيا، سمير فالح، أكد في هذا الصدد الدور الذي مارسته الدعايات الانتخابية في تصعيد الاعتداءات على المساجد في البلاد، واصفاً هذه الاعتداءات بأنها "مؤشر خطير في معناه ومغزاه".

وأوضح، في حديثه لـ"الخليج أونلاين"، أن تلك الاعتداءات "تستهدف فئة معينة من المجتمع، ما يحيلنا إلى تصرف تمييزي عنصري، طالما أكدت قيم الغرب رفضه ومحاربته".

وأضاف أن الاعتداءات على المساجد تأتي "في أجواء دعاية انتخابية تعكس توجهاً واضحاً لدى فئات معينة يمثلها اليمين المتطرف لجعل المسلمين كبش فداء".

وتابع فالح حديثه مؤكداً أن "تصاعد هذه الاعتداءات هو نتيجة حتمية لخطاب أصبح يجد مساحة من القبول والتطبيع ويحمل شحنات كبيرة من الكراهية والعدوانية. السياسي يقول من فوق المنابر وأتباعه ينفذون في الميدان".

وعليه يجد أن "مسؤولية أصحاب القرار ممن لم يتلوثوا بموجات التطرف اليميني أن يرفضوا هذه الأعمال العبثية، ويعملوا على إيقافها؛ لأن اتساعها سوف يأتي حتماً على رصيد قيم التعايش والتسامح التي ناضلت من أجلها أوروبا طويلاً، وضحت من أجلها كثيراً".

وقد دافعت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، أكثر من مرة عن قيم التسامح وحرية التعبير والاعتقاد، التي قام عليها النظام الديمقراطي في ألمانيا في مناسبات عدة.

وأكدت ميركل مراراً وتكراراً أن الإسلام ينتمي إلى ألمانيا للتخفيف من حنق المجتمع المعبأ ضد كل ما هو مسلم، أو يرمز إلى الإسلام في البلاد.

إلا أن اتساع الهوة بين الخطاب الرسمي الألماني والممارسات على الأرض، أبقى الباب مفتوحاً أمام التساؤلات حول غياب الإجراءات الوقائية لوقف الاعتداءات ضد المساجد في ألمانيا، في ظل استمرار الحملات التحريضية المنظمة، التي تشنها التيارات الشعبوية ضد الرموز الإسلامية في ألمانيا وفي مقدمتها المساجد.