• العبارة بالضبط

مؤتمر "مونترو" للمعارضة العراقية.. صفقة مع ترمب أم صفعة لسليماني؟

قبل أيام اجتمع ممثلون عن المعارضة العراقية السنية؛ المشاركة في العملية السياسية، وغير المشاركة فيها، والمقصيين عنها، في مدينة مونترو في سويسرا؛ للخروج برؤية ومشروع لمرحلة ما بعد داعش؛ أثار حفيظة واستياء القوى الشيعية في التحالف الوطني، مطالبين بمحاسبتهم تارة، ومخونين إياهم تارة أخرى، على أنهم يحملون مشروعاً لتقسيم العراق، بعد أن قاموا هم بتقسيمه وتقسيم مجتمعه وقواه السياسية فعلياً بسياساتهم الطائفية على مدى أكثر من عقد من حكمهم.

فما سر هذه الضجة الإعلامية على المؤتمر؟ وهل ستحقق مخرجاته شيئاً على الأرض فعلياً؟ وهل سينتج شيء لأزمات سنة العراق، أو يخطو خطوة في تقليص النفوذ الإيراني في العراق؟

لا شك أن سطوة النفوذ الإيراني وتنوعه في العراق قد مزق المجتمع العراقي طائفياً، وغيب الدولة والقانون والدستور منذ 2003م، فإيران ينتعش مشروعها في تغييب الدولة، ويتهدد مشروعها الفوضوي فعلياً بأي محاولة تعيد الدولة والقانون والدستور؛ لذلك دائماً ما تستهدف القيادات السياسية السنية أمثال طارق الهاشمي والشيخ خميس الخنجر ورافع العيساوي وأثيل النجيفي وعدنان الدليمي، وغيرهم الكثير من الذين يحملون أي مشروع وطني أو مشروع فدرالي "الأقاليم"، يُعيد الدولة ويقويها بصيغة غير الصيغة المعروفة؛ "طائفية الأغلبية" أو "تسويات هزيلة"، أو بقاء السلطة المركزية على المحافظات السنية، فجميع هذه القيادات استهدفت سياسياً، واتهمت بالإرهاب زوراً على اختلاف توجهاتها؛ لأنها تحمل مشروعاً سياسياً عربياً سنياً، ولم تخضع للنفوذ الإيراني، علماً أن أغلب من لم يشارك في المؤتمر من القوى السنية يتفقون مع نتائجه ومخرجاته.

مؤتمر مونترو يأتي بعد لقاءات وتشاور بين القيادات السياسية السنية على مدى سنوات داخل العراق وخارجه، حول "مشروع الخلاص السني"، وعلى ما يبدو أن تلك القيادات اتفقت على مشروع الأقاليم السنية، أو تفعيل نوع من اللامركزية الإدارية للمحافظات السنية ونقلها للمجتمع الدولي، خاصة محافظات الأنبار وصلاح الدين ونينوى التي شارك محافظتين من هذه المحافظات في المؤتمر، وهو ما يعكس علم الحكومة المركزية بهذا المؤتمر رغم عدم تعليقها عليه، ورغم استلام العبادي نفسه لمخرجاته من بترايوس الذي حضر المؤتمر مع نخبة من المسؤولين الدوليين.

إن مخرجات هذا المؤتمر قد تكون كمخرجات مؤتمر لندن للمعارضة العراقية قبل احتلال العراق، خاصة أن المؤتمر عقد في هذا الشهر، وقبل انعقاد جلسات الأمم المتحدة التي ستعقد في الأشهر المقبلة، وتضع مشروع ما بعد داعش ضمن جدول أعمالها، وهو ما أقلق القيادات السياسية في بغداد من تدويل القضية بعد انغلاق للأفق السياسي بسياسات الإقصاء والاستهداف والتسقيط السياسي، وتحرير المدن من داعش، عبر تدميرها وإطلاق سراح الدواعش بعد القبض عليهم؛ لتبقى المدن السنية غير مستقرة ولا يمكن إعمارها.

العراق ذاهب إلى "الفدرلة" لا محالة؛ لأن هذه الآلية في الحكم تقلص النفوذ الإيراني ضمنياً؛ فإيران ترغب بدولة عراقية مركزية ضعيفة، واللامركزية تضرب المجال الحيوي لنفوذها في المحافظات السنية التي ستدار بأبنائها، مع توسيع مجال عمل القوات العسكرية السنية "مقاتلي العشائر"، لمسك الأرض ما بعد داعش، لتكون تلك القوات مصلاً واقياً ضد عودة التطرف، ومصلاً واقياً ضد بقاء مليشيات إيران شمالاً التي تعتاش على الإرهاب وتزول بزواله.

القيادات السنية والمكون السني وصلا إلى مرحلة حسم أزمة المكون بالإقليم السني داخلياً، والقوى الإقليمية خاصة محور "تركيا – الخليج"، وبقيادة الإدارة الأمريكية الجديدة، حسموا موقفهم أيضاً من قضية الشغب الإيراني، فعقدوا صفقة مع من يؤمن بمنطق الصفقات لتوجيه صفعة لمن لا يؤمن إلا بمنطق الصفعات ولا يفهم غيرها، من خلال الإقبال على العراق وبآلية اللامركزية، ليكون محطة انطلاق لعودة العراق لحضنه العربي، وعودة الدولة العراقية والقانون والدستور، وعودة النازحين إلى ديارهم، وإعادة الإعمار، ومنع عودة الإرهاب السني الذي يعتاش على الإرهاب الشيعي، وإيقاف تمدد الإرهاب الشيعي من خلال صناعة الإرهاب السني.