• العبارة بالضبط

تواجه الأزمات برفع الإنتاج.. قطر تتربع على عرش "الغاز المسال"

عاد الحديث عن قوة قطر الاقتصادية ومكانتها العالمية في إنتاج الغاز الطبيعي المسال وتصديره إلى أنحاء العالم بالتزامن مع الأزمة الخليجية، المتمثلة بقرار السعودية والإمارات والبحرين قطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة قطر، والتشكيك في قدرتها على الاستمرار في ضخ الغاز للعالم.

رد مجموعة قطر للبترول على أي شكوك في هذا الاتجاه جاء بإعلان عزمها زيادة إنتاج حقل الشمال بمقدار مليون برميل نفط مكافئ يومياً، وأكدت أنها لن تقطع الغاز عن أي دولة.

الرئيس التنفيذي لــ "قطر للبترول"، سعد شريدة الكعبي، قال في 4 يوليو/تموز، بمؤتمر صحفي، إن إنتاج قطر الكلي من جميع حقولها سيصل إلى نحو 6 ملايين برميل نفط مكافئ يومياً.

كما أوضح الكعبي أن "قطر للبترول" سترفع الإنتاج من الغاز المسال من 77 إلى 100 مليون طن سنوياً، مشدداً على أن بلاده لن تقطع الغاز عن أي دولة، وأن الشركة مستمرة في أعمالها، والحصار لن يؤثر عليها بأي شكل من الأشكال.

وأعلنت قطر للبترول عزمها تطوير مشروع جديد في القطاع الجنوبي من حقل الشمال، أكبر حقل للغاز في العالم، مستهدفةً زيادة الإنتاج بنسبة 10%، حسبما أشارت وكالة رويترز.

وبحسب الكعبي، فإن الخطوة تعيد إطلاق المشاريع في الحقل لأول مرة منذ 12 عاماً.

وأوضح في تصريح أن الدراسات الفنية وأعمال التقييم التي أجرتها "قطر للبترول" في حقل الشمال، أثبتت إمكانية تطوير مشروع غاز جديد يمكن أن يخصَّص للتصدير، بطاقة إنتاجية تقدر بنحو ملياري قدم مكعبة في اليوم.

وتابع أن "مشروعاً بهذا الحجم سيرفع إنتاج حقل الشمال بما يساوي نحو 10% من معدل الإنتاج الحالي، وهو ما سيرفع الطاقة الإنتاجية للدولة بنحو 400 ألف برميل مكافئ يومياً".

- ضخامة بالإنتاج تتحكم بالسوق العالمية

ويتدفق الغاز الطبيعي المسال من حقل غاز الشمال الضخم، الواقع على بُعد نحو 80 كيلومتراً شمالي مجمع رأس لفان في مياه الخليج، على مساحة ستة آلاف كيلومتر مربع، أي نحو نصف مساحة قطر نفسها.

وأظهرت دراسة نشرتها شركة "رويال داتش شل" البريطانية للنفط والغاز، أن الطلب العالمي على الغاز بلغ 265 مليون طن في 2016، وتنتج قطر حالياً 77 مليون طن من الغاز سنوياً، ما يجعلها تتحكم بنحو 30% من السوق العالمية.

- قوة استراتيجية

دولة قطر واحدة من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الست، مساحتها 57.111 كم2، وعدد سكانها مليون و800 ألف نسمة، يحقّق الاقتصاد القطري نسبة نمو مُذهلة تفوق الـ 18%، وركيزته الأساسية الموارد النفطية، حيث تمّ اكتشاف النفط عام 1939.

بعد الاستقلال وضعت قطر استراتيجية تعتمد على النفط، ثم تغيرت المعادلة الاقتصادية للدولة منتصف ثمانينيات القرن العشرين، بعد اكتشاف أكبر حقل بحري للغاز في العالم شمال البلاد، والذي جعلها تحتل المرتبة الثالثة بين دول العالم من حيث احتياطي الغاز الطبيعي، إذ يُقدّر احتياط قطر بـ 24.7 تريليون متر مكعب، ومن النفط 25 مليار برميل.

اقرأ أيضاً:

بعد خطوات جدلية.. رسوم الوافدين تدخل حيز التنفيذ بالسعودية

- عاصمة الغاز

أدركت قطر أن العالم يتّجه نحو مصادر الطاقة النظيفة؛ بسبب مخلفات الاحتباس الحراري، ورأت في مخزونها الاستراتيجي هبة سماوية تحتاج إلى ذكاء في الاستثمار والتوظيف، ووضعت القيادة القطرية نصب عينيها أن تتحول إلى عاصمة لإنتاج الغاز المسال، وهو هدف ليس سهل البلوغ.

إذ إن وجود الاحتياطي في باطن الأرض وتحت سطح البحر لا يكفي لبلوغ هذه الغاية، خصوصاً في ظل وجود دول أخرى تضم من الاحتياطيات ما يقارب وينافس، لذلك وجهت الدولة إمكاناتها البشرية والمادية للاستثمار في البنى التحتية، فاستثمرت الحكومة في أكبر مشروع في العالم لتسييل الغاز الطبيعي (رأس غاز 3، ورأس غاز 4).

وقدّمت قطر استثمارات هائلة قاربت 120 مليار دولار حتى عام 2010، لإنتاج نحو 77 مليون طن متري سنوياً من الغاز الطبيعي المسال، ونحو 140 ألف برميل يومياً من تحويل الغاز إلى سوائل؛ مثل إنتاج وقود الديزل النظيف والنافتا وغيرهما، وإنتاج نحو 20 مليون طن من المنتجات البتروكيماوية سنوياً، وما يزيد على 800 ألف برميل يومياً من المكثفات.

وأسست في منطقة "رأس لفان" مدينة صناعية ضخمة، يعمل فيها 30 ألف شخص في مجال تسييل الغاز وتصديره في عشرات المنشآت، التي تشكّل معاً أحد أكثر المواقع الصناعية والتصديرية إبهاراً في العالم، وفي هذه المنشأة، وبعد عملية صناعية يتم فيها تبريد الغاز إلى 162 درجة مئوية تحت الصفر، يصبح الغاز أكثر سهولة للتصدير، فتحوّلت المنشأة إلى مقر لإنتاج الغاز الطبيعي وتصديره.

ثم اتخذت نهاية العام الماضي خطوات متلاحقة بهدف التمدد في سوق الطاقة العالمية؛ أهمها دمج أنشطة شركتي الغاز الرئيسيتين العملاقتين في الدولة؛ "قطر غاز" و"رأس غاز" في كيان واحد؛ بهدف خلق "مشغّل عالمي فريد من نوعه"، وفق ما أعلنه سعد شريدة الكعبي، الرئيس التنفيذي لشركة "قطر للبترول" الحكومية، في مؤتمر صحفي في الدوحة.

و"قطر غاز" في هيكليتها الحالية أكبر شركة منتجة للغاز الطبيعي المسال في العالم، وتبلغ طاقتها الإنتاجية نحو 42 مليون طن سنوياً، بحسب ما تؤكده الشركة على موقعها الإلكتروني، أما "رأس غاز" فتشرف وتدير كل الأنشطة المرتبطة بالغاز الطبيعي المسال في قطر، وتملك الشركتان عقوداً مع كبريات شركات الطاقة العالمية.

وجاءت خطوة الاستحواذ على حصص في شركات روسية وبريطانية في قطاع الغاز متمّمة لهذه الجهود الجبارة، حيث باعت الشبكة الوطنية البريطانية للطاقة، وفق منشور أصدرته العام الماضي، 8.5% من أسهمها في قطاع الغاز إلى جهاز قطر للاستثمار، في صفقة تصل قيمتها إلى نحو 1.9 مليار جنيه إسترليني (2.4 مليار دولار)، ويعد الاستثمار في الغاز الأكبر في مجال التعاون بين قطر والمملكة المتحدة، وتوفر قطر ما يصل إلى 20% من احتياجات المستهلك البريطاني من الغاز.

كما أعلنت شركة روسنفت الروسية، في نفس الشهر، أنها وقّعت صفقة مع تحالف يضم جهاز قطر للاستثمار، وشركة جلينكور لتجارة السلع الأولية السويسرية، لبيع حصة تبلغ 19.5% في الشركة المملوكة للدولة، وتملك الحكومة الروسية 69.5% من أسهم "روسنفت"، وأصبحت 50% بعد الصفقة، في حين تملك شركة "بي بي" البريطانية 19.75%، ويملك أشخاص طبيعيون أقل من 1% من أسهمها، ويجري تداول باقي الأسهم في بورصتي موسكو ولندن.

- التسويق والطلب

ومنذ أول عملية تصدير إلى اليابان، ثاني أكبر اقتصاد آسيوي، وثالث أكبر اقتصاد عالمي بعد الولايات المتحدة الأمريكية والصين، في عام 1997، أسهمت الأرباح التي حصلتها قطر من قطاع الغاز في جعلها إحدى أغنى دول العالم.

وفي الأول من فبراير/شباط، احتفلت قطر واليابان بتصدير أول شحنة غاز طبيعي مسال من قطر لليابان، تتويجاً لعلاقة قوية بين البلدين امتدت لعقود من الزمان، حيث تعد اليابان السوق الرئيسية لإنتاج قطر للغاز الحالي، من الغاز الطبيعي المسال عبر 12 محطة استقبال نهائية؛ أبرزها الثلاثي كاواغوي وياكاتيشي وتشيتا، الذي يتبع لشركة تشوبو للطاقة الكهربائية، بجانب محطات سنبوكو وياناي ونغيشي وغيرها.

وحسب إحصاءات غير رسمية فإن حجم الصادرات القطرية لليابان من الغاز الطبيعي المسال يقدر بنحو 7.25 ملايين طن سنوياً، تندرج ضمن عقود طويلة الأجل، وهناك كميات إضافية تجاوزت 10 ملايين طن لمدة سنتين.

وأسست قطر للبترول، في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، شركة "أوشن إل إن جي ليميتد" لتقوم بإدارة وتسويق محفظة قطر للبترول العالمية من الغاز الطبيعي المنتج خارج قطر، وبالفعل وقعت الشركة مباشرة اتفاقية بيع وشراء طويلة الأجل لتوريد الغاز الطبيعي المسال للبرازيل بنحو 1.3 مليون طن سنوياً.

وأشارت مؤسسة (إيه بي برنشتاين) للأبحاث، إلى أن الطلب على الغاز الطبيعي عالمياً سينمو بنسبة 9% عام 2017؛ مدفوعاً بالطلب الآسيوي المتمثل في الصين والهند وباكستان، إضافة إلى مصر، بينما توقعت أن يصل سعر الغاز الطبيعي المسال إلى ما بين 8 و9 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية في التعاقدات الآجلة 2017، في حين يقل السعر في السوق الفورية.

لكن الدراسات تؤكد أن العقد القادم سيكون عقد احتدام المنافسة على صناعة الغاز في العالم؛ بسبب توجه العالم نحو الطاقة النظيفة، واكتشاف مخزونات عالمية كبيرة، إلا أن خبراء يرون أن صناعة الغاز القطرية ستتفوق على نظيراتها في كل من أمريكا وأستراليا؛ لأنها تستفيد من اتفاقات طويلة الأجل مع مستهلكين رئيسيين للغاز المسال في العالم؛ مثل شركة شوبو اليابانية، وشركات الكهرباء في كل من كوريا الجنوبية والصين.

ولديها احتياطات ضخمة من الغاز الطبيعي، كما تؤدي دور المنتج المرجح في تجارة الغاز الطبيعي المسال بالعالم.