• العبارة بالضبط

علياء البكر.. عراقية في الزمن الصعب

لا تزال ذاكرة العراقيين حافلة بالعديد من قصص البطولة، بعضها ظهر وانتشر وبعضها الآخر ما زال بحاجة إلى يد من يؤرخ ليكتب وينقل للأجيال حكايات ستبقى شاهدة على أصالة إنسان هذه الأرض رغم كل شيء.

من بين القصص والذكريات المريرة، والأحداث المؤلمة التي مرت بالعراقيين في أثناء الغزو الأمريكي لبلدهم، تبرز لنا قصة بطولية لامرأة بصرية، لم تمنعها أصوات القصف وفزع الدمار والقتل من الخروج في جُنح الظلام لإنقاذ إرث بلدها، بعد أن رأت بعينيها كيف سُرِق ونُهِب تاريخ بلدها، المتمثل بسرقة بعض الآثار وتدمير البعض الآخر حال دخول الغزو الأمريكي وشيوع حالة الفوضى وقت سقوط بغداد.

إنها علياء البكر، أمينة مكتبة البصرة التي أسهمت في إنقاذ جزء كبير من تراث وتاريخ بلدها.

خرجت علياء ملبية نداء آلاف الكتب والمخطوطات الثمينة. فلولا التدابير التي اتخذتها للاقت مجموعة كبيرة لا تُعوّض من الكتب والمخطوطات -من ضمنها مخطوطات مزخرفة عن سيرة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) تعود إلى القرن الرابع عشر- المصير نفسه الذي لاقته الكتب والمخطوطات وآلاف نسخ القرآن المزخرفة في المكتبة القومية والمباني الحكومية، حيث تحولت إلى رماد بعد أيام من الخراب والسلب والنهب، فأنقذت (30) ألف كتاب من التلف والدمار.

كان قد مضى على تولي السيدة علياء البكر مهمة وظيفة "أمينة مكتبة البصرة" أربعة عشر عاماً عندما بدأ شبح الحرب يلوح في أُفق البصرة أوائل عام 2003. فدخلت قوة عسكرية عراقية لتنصب مضاداً للطائرات فوق مكتبة البصرة المركزية التي كانت تضم كتباً ومخطوطات ثمينة ونادرة، فما كان من السيدة علياء البكر -وهي العارفة بقيمة ما في يدها من أمانة- إلا أن تطلب من محافظ البصرة وقتها بالسماح لها بنقلِ محتويات المكتبة إلى مكان أكثر أماناً؛ خشية تعرض الكتب والمخطوطات للتلف والتخريب نتيجة الحرب وتبعاتها.

لم تكترث السيدة علياء لرفض المحافظ طلبها، فأخذت على عاتقها مهمة نقل الكتب ليلاً. وبعد أن هرب المسؤولون الحكوميون نتيجة اجتياح القوات البريطانية للبصرة في أبريل/نيسان 2003، واصلت السيدة علياء جهودها في عملية الإنقاذ، ساعدها في مهمتها هذه السيد "أنيس محمد" صاحب مطعم حمدان المجاور وبعض أهالي الحي الذين تمكنوا من نقل الكتب وتهريبها ليلاً من فوق الجدار إلى "مطعم محمد".

واصلت هذه "الكتيبة الخاصة" عملها في تنفيذ مهمة الإنقاذ طوال الليل واليوم الذي يليه.

وبعد أسبوع من نجاح "البكر" ومساعديها في نقل 70% من الكتب، تعرض مكتبها وما تبقى فيه من الكتب للتلف والخراب في حريق غامض لم يُعرف سببه.

أما الشيء الطريف في هذا الأمر، فهو أن أغلب من شارك في عملية الإنقاذ هذه "أُميون" لا يجيدون القراءة والكتابة حسب ما صرح به "حسين محمد السالم الزنبقة" لمراسل جريدة نيويورك تايمز، حيث قال: إن "الأشخاص الذين نقلوا الكتب ليسوا كلهم متعلمين ، فبعضهم لا يجيد القراءة أو الكتابة، لكنهم يدركون أن الكتب ثمينة".

أما السيدة علياء البكر، فلم تشك إطلاقاً في أهمية رسالتها، فقد صرحت لمراسل التايمز قائلة: "إن أول ما أمر به الله نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- في القرآن هو (اقرأ)".

ورغم تمكنها ونجاحها في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الكتب والمخطوطات الثمينة، فإنها كانت تشعُر بالأسى؛ لأنها لم تستطع إنقاذ الكتب كلها. وعن ذلك تقول: "كان احتراق الكتب كأنه معركة، وتصورت أن تلك الكتب -كتب التاريخ والثقافة والفلسفة- كانت تصرخ منادية: لماذا؟! لماذا؟! لماذا؟!".

كُشِف النقاب عن قصة "علياء البكر" أو (عالية) في 2003 خلال مقال كتبته مراسلة نيويورك تايمز، شايلا ديوان، قالت فيه: "إن القصة برزت؛ لأنها كانت قصة بطولية واقعية فعلاً، تحكي بطولة وشجاعة امرأة في زمن الحرب، كانت حريصة جداً على إنقاذ كتب ومخطوطات ثمينة لا يعوض بعضها"، فأثارت مقالتها هذه فيما بعد اهتمام بعض مؤلفي كتب الأطفال الذين لمسوا فيها قصة للشجاعة والبطولة.

فقالت المؤلفة ونتر في مقابلة إذاعية لها: إن "علياء كانت تدرك بإنقاذها الكتب أنها تنقذ ماضي بلدها وحاضره ومستقبله".

كما قالت في مقابلة أخرى: "شعرتُ فوراً بإحساس قوي من التفاؤل في القصة، وكان شعوراً إيجابياً حقاً ومثالاً على تفاؤل الروح الإنسانية في ظروف غير إنسانية".

وأضافت أن "هذه القصة تشكل درساً وعبرة لكيفية ما يمكن أن يصنعه فرد واحد، ففي حين كان الدمار يحيط بها ولا من معين لها في الجانبين، تحدت كل ما يحيط بها وسجلت ضرباً من البطولة، أعتقد أننا بحاجة إلى أبطال، فالأطفال يريدون أبطالاً؛ فهم يشعرون بما نشعر به جميعاً من أنهم لا حول لهم ولا قوة".

عادت علياء إلى مكتبة البصرة لتستكمل مشوارها، أمينة على هذا المكان، لتكون شاهدة على بطولة نادرة، وتتحول إلى قصة أخرى وكتاب آخر يضاف إلى كتب العراق النادرة.