• العبارة بالضبط

الثورة السورية.. جنين يتململ وسياسة تتفنن بوأده

عندما تصبح ملكة النحل غير لائقة أو قادرة بسبب التقدم في العمر أو مرض ما، فإن النحل العامل يتجمع حولها بكثرة، ويضيّق الخناق عليها حتى تموت من ارتفاع درجة الحرارة، وهذا التصرف يطلق عليه عناق الموت.

وإنَّ بَدْءَ تجمهر الناس في الساحات السورية لخنق النظام السوري ورأسه غير اللائق بالواقع الاجتماعي والإنساني، في منتصف مارس/ آذار عام 2011، كان أشبه بهذا العناق، عناق الموت! إلا أنه في سوريا- حسب مراقبين وإحصائيات حقوقية- قُتل مليون ملك، وهُجّر ما يزيد على 12 مليوناً، واعتقل من اعتقل من السوريين.. لتبقى الحشرة!

- استفهامات الثورة

لا شكّ أنّ الحراك الشعبي السوري، وتشابك المواقف الدولية، والمتغيرات السياسية والاجتماعية التي أحاطت به، دفع الملف السوري ليكون أغلوطة الواقع السياسي المعاصر، واللغز الأكبر له، ما أنتج بدوره تبايناً في آراء المحللين إزاء الحراك وأساسه ودوافعه، وكونه مؤامرة أو انتفاضة بوجه محتل، أم صراعاً على سلطة، أم نزاع قوى دولية وإقليمية أو محلّية، أم أنّه نتاج مقاومة النظام السوري لسنة التدافع الاجتماعي والسياسي والفكري ما أدى لإلقاء البلاد في صراع محتوم لا مفّر منه ولا مهرب؟

وأمام الحراك السوري تعرّت المواثيق الدولية، والقوانين الأممية، لتخلق الثورة صدمة أخرى في أبجديات الواقع السياسي والاجتماعي، واضعةً استفهاماً آخر حول طبيعة المواقف الدولية المتذبذبة تجاه الحراك الشعبي والمعارضة السياسية والعسكرية، وفيما إذا كان هذا التذبذب السياسي الدولي إزاء الحراك السوري استراتيجية متبعة في التعامل مع هذا الملف لإغراقه بالاستنزاف والتفصيل الذي توعده به وليد المعلم وزير الخارجية السوري، أم أنّه عجز دولي حقيقي، وصراع بين القوى والمافيات السياسية والمصالح الاقتصادية في العالم؟

- إدارة التدافع

التدافع هو سنة كونية، ومبدأ عقلي يتفق العقلاء والقوانين الاجتماعية والسياسية على صحته وحتمية وجوده، ومقاومة نظام ما للتدافع السياسي والحضاري والفكري والاجتماعي لا شكّ يودي إلى صراع محتوم لا يمكن البتة تجنبه، فقد قال تعالى: ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله﴾ [الحج:40]، وقال أيضاً: ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض﴾، فالواقع السياسي الراكد سيصيبه النتن لا محال.

فأي نظام سياسي يقاوم التدافع بغية الحفاظ على كرسيه ومكانه، منطلقاً من مبادئ الفرعونية السياسية ﴿لا أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد﴾، يعني أنّه يقذف بالمجتمع المحكوم إلى بحر من الدماء والصراعات الثقافية والفكرية التي لا حدّ لها. فاستخدام الآية أعلاه للألفاظ الثقافية والدينية (المساجد والصوامع والصلوت) كعناصر مدمَّرة ناتجة عن مقاومة التدافع، فيه رمزية وإشارة خفية إلى أن نتاج مقاومة التدافع هو الوقوع في الصراعات الثقافية والاجتماعية والدينية والسياسية.

وإقصاء النظام السياسي السوري للعديد من الثقافات والديانات والأفكار والسياسات والأعراق، والحجر عليها، وزجها في الأقبية الأمنية بدل المراكز الثقافية أثناء حكمه، حوّل هذه المفردات إلى قنابل موقوتة، وأدوات حادة وجارحة وحارقة يحافظ النظام السياسي بواسطتها على إبقاء أركان نظامه الراجف بالاعتماد على ردة أفعالها والتناقضات الاجتماعية التي يحاول تأجيجها للمحافظة على حكمه، فبدلاً من أن يحوّل هذه الأفكار والثقافات لأدوات تغني واقع الحضارة الإنسانية، جعل منها أدوات تستخدم لخنق الحضارة، وقتل الإنسان لأخيه الإنسان؛ بغية تعزيز مصالح استعمارية بعينها.

- تشخيص الحراك الاجتماعي

إنّ المطلع على تفاصيل الواقع السوري يدرك أنّ الحراك الشعبي المشهود والثورة حق لا يمكن الهروب منه أو تفاديه، فالثورة والانتفاضة الشعبية واقع لا مفرّ منه حال استحكام الديكتاتورية والاستبداد والاحتلال بمفاصل الحكم وإرادة الشعوب.

وانطلاقاً من تعريف "ديكارت" بأنّ الجنون ليس مرضاً، ولا يحق لنا الحكم عليه من البرج العاجي الذي يجلس عليه الطبيب النفسي، وأنّه نتاج اضطراب الشخص مع الحقيقة، فإن أحداً لا يستطيع إنكار أنّ ما شهده الواقع السوري هو جنون شعبيّ ناتج عن اضطراب علاقة الشعب مع الحقيقة، واقتران ذلك بتناقضات عقلية واضطرابات نفسية للرأي العام العربي والسوري، والتي تسللت إلى عقله الواعي واللاواعي من جرّاء تلقف المتلقي العربي لمعلومات اجتماعية وسياسية لا تتناسب مع الحقيقة التي فطره عليها النظام السياسي الحاكم.

وهذا الجنون الشعبي الرافض لواقع التسلّط والاستبداد والانقلاب على الحقائق، لا يمكن معالجته بالحكم على الشعب بالقتل والنفي والتهجير، كما يفعل نظام الأسد والمجتمع الدولي اليوم بالشعب السوري بسبب تمرّده على سجانه السياسي، ولكن لا بدّ من استيعاب الحراك، وفهم دوافعه، والشروع بعلاجه من نقطة الإيمان بأن للشعوب عقولاً.

لا سيما أن الفيلسوف "هيغل" أوضح سابقاً أن "العلاج الإنساني للجنون إنما يفترض وجود العقل لدى المريض، ويعتبره نقطة انطلاق أساسية".

وقياساً على ما لاحظه "فوكو" (أنّ حقيقة الإنسان لا تنكشف إلّا لحظة اختفائها في اللغة، أو أنّها لا تظهر إلا بعد أن تصبح شيئاً آخر مخالفاً لذاتها)، نستطيع القول إن لحظات الجنون الشعبي المشهود في البلدان العربية، وسوريا بوجه الخصوص، هو الواقع الحقيقي للشعوب، وما سبقه لا يعدو كونه واقعاً مزيفاً تحكمه بندقية العسكري وأقبية المخابرات.

اقرأ أيضاً:

كواليس المشرق العربي وأساس التقسيم الجديد

- تجاهل الأزمة السلطوية

وعلى الفور بعد نشوب الحراك، وتغير ملامح الرأي العام السوري، استدعى النظام السوري خبراء إدارة الأزمات والإعلام لتقييم الواقع وكيفية مواجهة الحراك الشعبي، وكانت أوّل خطوات المواجهة الإعلامية في تسمية الحراك والثورة بمصطلح (الأزمة والمؤامرة)، حسب مصدر رفيع داخل خلية إدارة الأزمة، رفض التصريح عن اسمه لأسباب أمنية.

ولا شك أن القصد من ذلك- حسب المصدر- هو تبرئة النظام السياسي من الفشل، وسلب الحراك الشعبي الشرعية والعفوية والوطنية، وإلحاقه بخانة العمالة والتخريب والإرهاب والتآمر على أمن الوطن وسيادته.

وما سبق يوضح أنّ النظام السوري عندما تحدّث عن المؤامرة لم يكن واصفاً لواقع، بل يتحدّث عن واقع يريد صناعته بالتنسيق مع حلفائه العلنيين وغير العلنيين، وهذا الواقع هو ذاته الواقع السوري المضطرب الذي نكابده اليوم. ومن هنا بدأت المشكلة في كيفية تعامل النظام السوري مع واقع الحراك، فقد عده هو والبيئةَ الحاضنة خلايا نائمة، لا بدّ من مواجهتها واستئصالها بالسرعة القصوى، فقال: "مشكلتنا ليس مع الإرهابيين والمسلحين، ولكن مع حاضنتهم الشعبية التي أفرزتهم، والتي تزيد عن ملايين"!

إنّ تجاهل النظام السوري بأن الحراك الشعبي السوري هو نتاج لفراغ قيادي، وأزمة سلطوية سياسية، وليس هو الأزمة بحدّ ذاته، كان دافعه هو علمه اليقيني بأن الخرق كبر على الراقع، وأنّه لا قدرة له في استيعاب مطالب الحراك وتحقيق الإصلاحات، فأي خطوة بالاتجاه الصحيح نحو إعادة هيكلة الدولة، ومحاربة الفساد، وتعزيز الديمقراطية، وتحقيق أهداف الحراك، يعني سقوطه ونظامه المكلّف بإدارة سوريا وترويض الشعب السوري.

فكانت استراتيجيته في إدارة التدافع الاجتماعي والسياسي ترتكز على عدم الاعتراف بفشله السياسي وشرعية الحراك الشعبي، ما دفعه لإغراق البلاد في النزاعات الطائفية والدينية والتطرف والسلاح بالتعاون مع القوى الخارجية، فهذا التكتيك كان هو السبيل الأنجع من وجهة نظره وحلفائه في كسر إرادة الحراك، وتهجير السوريين ونفيهم أفواجاً إلى خارج البلاد.

لذا فمشكلة أزمات الأنظمة العربية ليست نتاج الخطاب الديني، بل الخطاب السياسي الذي يستخدم الأديان والطوائف والأعراق كأدوات اجتماعية جارحة، يعزز بواسطتها بقاءه في الحكم. وإنّه لا يمكن تحقيق السلم الأهلي والاجتماعي إلّا باستئصال الورم السياسي، لأنّ الاضطرابات الاجتماعية نتاج لسبب وليست سبباً بحدّ ذاتها.

- الإرادة الدولية

ما يبدو أنّ عدم الحسم الدولي هو استراتيجية وليس عجزاً سياسياً، لذا فالحراك السوري هو انتفاضة بوجه محتل، وليس صراعاً على سلطة أو نزاع قوى سياسية سورية، ولا شك أنّ التذبذب بالموقف الدولي تجاه الملف السوري، والدعم بالتقطير للقوى الثورية، هو دعم للصراع وليس للحراك الشعبي كما يسوق الإعلام والسياسة الدولية للرأي العام السوري، بل وبعبارة أدق: إن دعم الصراع وعدم الاستقرار يعين المستبد والمحتل في إحكام قبضته، وإعادة تنظيم صفوفه أثناء مواجهته للانتفاضة الشعبية، فاضطراب البيئة الاجتماعية هي المخرج الوحيد لإبقاء المستبد في جحره السياسي أثناء مقاومته للثورات الشعبية.

لذا فالحل لإيقاف شلال الدم السوري لا يكون إلا بمراجعة المجتمع الدولي الداعم للنظام السوري ذاته، وإدراكه أن تسويق حل بعينه لن يصلح الواقع السوري، فالسبيل الأوحد لإنقاذ سوريا هو البحث عن حل لا التسويق لحل، وأمّا الحراك الشعبي فهو سنة اجتماعية وتدافع لا يمكن قهره والوقوف بوجه أمواجه؛ لأنّه مفطور على الانفعالية والعاطفية، ونتاج ردة فعل عن نظام سلطوي لا يؤمن بالتغيير ولا التدافع الفكري والسياسي والاجتماعي.