سوق استثمارية مفتوحة لبناء المجتمعات.. فهل من مستثمر ناجح؟

على هدير الصمت والركود الذي يخيم على سوق الاستثمار في المجتمعات المغيبة، يسمع المُنصت من زوايا عدة صراخها كما يسمع وحده إيقاع الصدى المرتد من جراء ذلك الصراخ وكأنه يدعو وينادي أن تعالوا إلى سوق استثمارية مفتوحة، ولتُبعدوا عني ذلك المستثمر الذي أفنى السنين والأموال، وأنشأ مراكز البحوث حتى يبقى متصدراً السوق، وأبقانا بسوء تخطيطنا، وإتقان مكره، نجر الخسارات تلو الخسارات في ذلك السوق، فاستغل هذا الفراغ لإنتاج حالة من الجثوم الحضاري، التي كان غياب المستثمر الناجح في تسويق البضاعة الصالحة، وحضور المستثمر الناجح في تسويق البضاعة الفاسدة، سبباً في ذلك.

ولعل أبرز ما جرَّ علينا الويلات هي خططٌ للاستثمار بالمجتمعات أستطيع القول إنها "وهمية دون قصد"، تعتمد على ما أصفه بالأسلوب العابر للرقعة الجغرافية، والتوسع إلى رقعة حدودها العالم، رغم أن قلاعها بالأساس مهددة من الداخل، في حين أن أصحاب تلك الخطط ما يزال قسم كبير منهم يؤمن بذلك رغم تراجع كثيرين بعد أن صقلتهم التجارب المريرة، ويتعلل المتبنون لهذه الخطة الاستثمارية العابرة للرقعة الجغرافية إلى ما بعد حدود الوطن، بأن ذلك هو الأجدى لتحقيق الهدف النهائي، والأقرب إلى نفوس الشعوب، بناءً على معطيات غير دقيقة، ومقاييس لم تنظر إلى موازين القوى بنظرة متجردة واقعية بعيدة عن الدوافع والمحفزات غير المتناسبة مع حجم المشكلة ولا طبيعتها، ولا حتى الفوارق الزمنية بين من أخذ بها في زمن معين ونجح، وبين الوقت الحاضر، فولد ذلك فراغاً اُستغل أبشع الاستغلال ممن يود الانقضاض على سوق الاستثمار المجتمعي، ومع كل جوانب القصور هذه فإن أحد أهم أسباب فشل تلك الخطط هي محاربتها حرباً شعواء، إذ إن مسوقي ومستثمري البضاعة الفاسدة في مجتمعاتنا يرعبهم أي شيء يوقظ من السبات، ويوقد الجذوة بعد الجمود، حتى لو كان تأثيره على مجموعة تعد بعدد أصابع اليد الواحدة، وهي نتيجة منطقية جداً، فمن ذلك التاجر الذي يريد لغريمه أن يقوى وتنتشر بضاعته في السوق، فكيف إذا كان الهدف شاملاً لا يستثني رقعة في الأرض، فكان ذلك سبباً في تشجيع المنافسين على محاربة خطط الاستثمار البشري ذات الهدف الواسع الانتشار، والانقضاض عليها وإفشالها.

وبناءً على هذا المُخرج فإن هنالك محددين للبدء بخطة لنهضة حضارية شاملة، خصوصاً في المجتمعات التي خرجت وستخرج من قبضة وحكم تنظيم ما يعرف بالدولة الإسلامية، أولهما أن اقتصار الاستثمار الحضاري في رقعة معينة ومحددة المساحة سيسهل العمل على أرض الواقع، وسيقلل التهديدات المحتملة الممكن حصولها نتيجة طموح عالٍ وأهداف بعيدة بعض الشيء عن الواقعية، يقابلها ضعف في الإمكانات على مختلف الأصعدة، وثانيهما أن دخول الفكر المتشدد لمجتمعات واسعة نتيجة الهجمة المنظمة التي تبناها تنظيم الدولة، وأسفرت عن سيطرته على مناطق واسعة من العراق وسوريا، وبعض المناطق في الشرق الليبي، وأقل منها في جنوبي اليمن ومحافظة سيناء المصرية، والمناطق الحدودية بين كل من ليبيا والجزائر وتونس (وهذه الأخيرة لا يمكن حصول الاستثمار البشري فيها نظراً لتدني الحياة البشرية ولواحقها بشكل كبير) أسهم وبشكل كبير بوضع خط النهاية لجميع المشروعات الاستثمارية في المجتمعات، فجاء دخول تنظيم الدولة بمنزلة المحدد الثاني للشروع بخطة للاستثمار في المجتمعات التي خرجت وستخرج تباعاً من حكم ذلك التنظيم الذي أصبح فشله في إدارة السوق المجتمعي وتسويق قناعاته، وما تبعه من نفور تجاه هذا الفكر، عاملاً أساسياً ورئيسياً يمكن استغلاله باتجاهات عدة للبدء بعملية الاستثمار وتسويق القناعات بعد أن خلت المجتمعات من مشاريع بناءة تقودها نحو جادة الصواب.

إن المشاريع الحضارية الواجب البدء بها، وتلك التي يجب دراسة تنفيذها بعد أن تخرج المجتمعات التي ما تزال تحت قبضة تنظيم الدولة يجب أن توضع ضمن إطار جديد يراعي أمرين؛ أولهما أن تدرس جميع المشاريع السابقة؛ بنجاحاتها وإخفاقاتها، واستخلاص الدروس منها، وثانيهما أن يواكب ويحاكي حاجة السوق المجتمعي من القناعات الجديدة الناشئة من مخلفات القبضة الوحشية التي كانت تحكم بغطاء إيديولوجي مشوه ومزور، ويضع لذلك أساساتٍ جديدة نحو التطور الحضاري للانطلاق نحو إنشاء أجيال وقناعات على أسس حضارية صلبة، بخليط من القيم الحضارية والعلمية والجمالية، ودق أوتادها في قناعات عقلية وروحية، وجعلها محركاً دائماً للفرد في كل خطواته، على أن يتجنب هذا الإنشاء الجديد كل الأساليب التي حاول السابقون استنهاض الأمم بها وفشلت، مهما كانت الخلفيات التي خرجت منها.

فتسويق هذه البضاعة هو الهدف الذي لا يصده العناد والتزمت برأي واحد، بل إن أي مستثمر يريد المشاركة وفق قواعد الاستثمار الناجحة فهو وبضاعته محل اهتمام ودراسة، كما أنه من غير المنطقي ولا العقلاني ولا الإنساني أن نعارض تطبيق مشروع يسهم في البناء الإنساني للمجتمعات، ولو أدى تسويق هذا المشروع إلى الخروج عن بعض الموروثات في سبيل تحقيق غاية أسمى وهدف أنبل يتيح في النهاية الوصول إلى ما تريد أن تصل إليه تلك الموروثات من غايات، والتي لا نشك لوهلة أن فهمها السليم هو أساس لكل نهضة إذا ما توافرت لها البيئة المناسبة؛ من حرية وعدالة واستقرار سياسي وأمني واقتصادي واجتماعي، فما نهضة الغرب العلمية إلا من اختراعات علماء مسلمين، توفرت لهم البيئة الصالحة للإبداع والتفكير، وما نهضة اليابان الإنسانية إلا تطبيق لقيم الإسلام المثلى التي لم تطبق بالطريقة الصحيحة أو لم يُختر لها الوقت المناسب، فحل الانحدار مع تربص غرماء الاستثمار الهدام، وهو ما لا بد من الوقوف عنده، ومراجعة الأخطاء الفهمية، وما ينبني عليها من تطبيقات كارثية أدت إلى عزوف الملايين عن اتخاذ الموروث السليم حلاً سليماً ووحيداً لكل المشكلات، بل ووصل الأمر عند بعضهم إلى التخلي عن قناعته بأي شيء يربطه بموروثاته، والأصل في ذلك أن كثيرين ممن حملوا هذا الإرث ما زالوا لا يؤمنون بأن النهضة الحضارية والخطط اللازمة لتنفيذها تستلزم في أحيان كثيرة الخروج تماماً حتى عن أصل الموروث، فكيف لخطة أو مشروع أو فكر يقوم منذ انطلاقته الأولى على لون معين من الناس يعيشون في بقعة واحدة أن يستمر دون أن يكون هنالك صِدام، ولو كان فكرياً، مع الألوان الأخرى في الحيز المكاني لتلك الخطة أو المشروع، هذا إن لم يؤدِّ إلى صدام وجودي، فضلاً عن ضرورة وأد الأفكار القديمة التي أثبتت فشلها ونتائجها الكارثية، وهي تلك الأفكار التي تتمسك وتعمل قبل الأوان على العبور نحو العالمية، وهي في الوقت ذاته لم تُحصّن قلعتها الداخلية حتى أوصلها ذلك التمسك إلى حتفها، ولعل ذلك مؤشر ليأخذ المجددون مكانهم، فميدان الاستثمار لإدارة المجتمعات، والاستثمار في بنائها، أصبح اليوم أكثر تقبلاً لتلك الخطط الجامعة للناس في رقعة واحدة، إذ إن تسويق مبدأ بناء المجتمع ضمن رقعة جغرافية معينة بالوسائل التي تتفق عليها مكونات ذلك المجتمع، وتحقق لها السعادة والرفاهية، كفيل بإيصال تلك الرقعة إلى مصافي الشعوب الراضية، ومن ثم سينعكس ذلك الرضا حباً بالفكرة التي جاء بها المستثمر، وستترسخ القناعة بأن ذلك هو الطريق الأنسب للوصول إلى حياة هانئة، وإن الوصول إلى هذه المرحلة لهو أساس الإحسان، فتجد الفرد بعد أن يرى بعين اليقين النتائج الباهرة، والتغيير العام، سيعمل للاستثمار في نفسه؛ حباً بتغييرها وإصلاحها، ونقل التجربة الاستثمارية الناجحة إلى الآخرين بعد أن يدرك وتستقر في ذاته قناعة راسخة بأن مهمته في الحياة هي ذات المهمة التي جاء بها المستثمر، وبذلك نجد أن التزام هذا التوجه يؤدي إلى ثلاث نتائج في حال إتقان الخطة الاستثمارية الموضوعة، وتحقيق النتائج المرجوة؛ النتيجة الأولى أن نجاح الخطط سترجع آثاره الإيجابية على أصل الفكرة، فينعكس على شكل قوة أشبه بالقوة العقائدية لدى المجتمع، وهو ما سيدفع ذلك المجتمع إلى الدفاع دفاعاً مستميتاً عنها في حال تعرضها لأخطار خارجية، والثانية أن النجاح على الصعيد العام لا بد أن يترك آثاراً على صعيد الأفراد، وهو ما سيعمل على نقل أصل الفكرة من النطاق المجتمعي الواسع إلى النطاق الشخصي، ومن ثم الأسري، صعوداً إلى دوائر أوسع، والثالثة أن النجاح الذي يحققه أي مشروع يكون مدعاةً للتطبيق في رقع جغرافية أخرى، وبذلك يمكن توسيع نطاق الهدف إلى مديات واسعة، من خلال تثبيت النجاح الأولي في رقعة معينة، فحركة الحياة السليمة المنتجة في تلك الرقعة تنتج بلا أدنى شك فائدة أياً كان نوعها، تنبعث إلى الأوساط المجاورة، فتترك أثراً معنوياً هناك، وربما أثراً على أسلوب الحياة عند مجموعاتٍ أو أفراد في تلك الأوساط، وهو ما يعني عبور أصل الفكرة النطاقَ الجغرافي المخصص لها.