جنين ميّت في رحم أمه.. مؤتمر أنقرة

المتابع للشأن العراقي وتفاصيله المعقدة بعد الاحتلال الأمريكي والإيراني، وما نتج عنه من عملية سياسية عوراء عرجاء، وحكومات متعاقبة طائفية حاقدة خبيثة، ولاؤها مطلق للفرس المجوس، يُدرك جيداً أن أمريكا جاءت للمنطقة ولها أهداف استراتيجية عديدة مرتبطة بعضها ببعض، ولا يهمها مع من تتعاون شريطة أن يكون المتعاونون يساهمون بشكل مباشر في تحقيق أهدافها وضمان مصالحها.

ولم تجد أمريكا أفضل من إيران عوناً وسنداً لهذه المهمة، والأخيرة لم تفوت الفرصة واغتنمتها واستثمرتها استثماراً حققت بها غايتها، وأشبعت بها كل رغباتها وطموحاتها في التوسع والتغلغل داخل العراق وعموم المنطقة بأسرها.

تُدرك أمريكا جيداً -كما تُدرك ذلك إيران- من الذي يشكل خطراً حقيقياً عليهما، ويقف عائقاً في تحقيق أهدافهما، ليس لأن السُّنة العرب شجعان في الميدان، يُخشى من قوتهم، أو أن لديهم إمكانيات عسكرية، وخبرات متراكمة في الحروب النظامية وحرب العصابات أبداً، فما تملكه أمريكا وإيران من أدوات وآليات، ومكر سياسي وخبرة في العمل الاستخباراتي يفوق عمل الشياطين مكراً وخبثاً، ولا يمكن مقارنته بما تمتلكه بعض الجماعات المعارضة لمشاريعهما، ولكن السماح بقيام مشروع سني قوي في العراق معناه أن تتفلت كل المنطقة من قبضة النظام الدولي!

إن أمريكا وإيران تعلمان علم اليقين أن سُنة العراق وباقي مسلمي المنطقة هم الخطر الحقيقي الذي يهدد سقوط المشروع الصليبي الذي تقوده أمريكا، كما يهدد بسقوط المشروع الفارسي التوسعي الذي تقوده إيران. من هنا جاء التقاء المصالح الأمريكية-الإيرانية في العراق، تحالف لا يفك بجعجعة ترامب، ولا بأماني بعض سياسيي سُنة العراق، الذين يعولون على بعض أتباع أمريكا في الدعم المادي واللوجيستي لمشروع سُني قادم، كما عوّلوا عليهم طوال الفترة المنصرمة دون تحقيق أي نتائج تُذكر؛ بسبب أن المحرك لكل قرارات الإسناد والدعم يأتي من أمريكا، فترجعهم بالنتيجة للمربع الأول الذي انطلقوا منه، وهكذا يبقى هؤلاء السياسيون يدورون في حلقة مفرغة تضيع بها الجهود، ويهدر بها الوقت، وتمضي بها السنون، وأمريكا وإيران ما زالتا قابعتين على صدورنا، وعجبي يكاد لا ينقضي ممن يُلدغ من تلك الجحور مراراً، ثم يصر على إعادة التجربة مرة بعد الأخرى دون أن يعي أو يرعوي؟!

لن تتخلى أمريكا عن عمليتها السياسية في العراق التي أسستها، وأنفقت عليها الملايين، وعبرت من أجلها البحار والمحيطات، مصطحبة معها كل شياطين الإنس والجن -ولن تسمح ما دام في يديها ذلك- بقيام مشروع سُني ذي توجه إسلامي إلا وفق رؤيتها للإسلام على أن يحقق لها مصالحها، ويضمن لها استمرار مشروعها في العراق، ولن يحصل هذا حتى تيأس تماماً من أي مشروع آخر غير إسلامي يضمن لها مصالحها، ويقف بوجه مناهضيها، كالمشروع الشيعي أو العلماني، عندها فقط ممكن أن تفكر أمريكا أو تسمح بقيام مشروع سُني إسلامي، وأؤكد وفق رؤيتها للإسلام، إسلام أجوف مفرغ من محتواه على الطريقة الأمريكية.

من هذا المنطلق وعلى هذه الأُسس، تبني أمريكا كل استراتيجياتها بالمنطقة، بمعنى أوضح لن تسمح أمريكا، ضمن آلياتها وخططها الاستراتيجية في العراق، بقيام أي مشروع سُني ذي توجه اسلامي، فضلاً عن دعمه، وهذا من الخطوط الحمراء الداكنة جداً، التي لا يمكن الاقتراب منها والعبث بها أو المجازفة فيها أبداً، وعلى كل المخلصين الذي يتأولون الحوارات مع أمريكا أو من تقف أمريكا خلفهم، لم ولن تسمح أمريكا بقيام أي مشروع سُني إسلامي، وهو بمثابة انتحار سياسي لها وانحراف عن سياستها التي أقرتها حفاظاً على أمنها القومي.

إن وجود شخصيات سُنية مشارِكة في العملية السياسية التي أفرزها الاحتلال الأمريكي-الإيراني في مؤتمر أنقرة الأخير الذي انعقد في 8 مارس/آذار 2017 ، يؤكد صحة مذهبنا في تمسك أمريكا وإيران بالاستراتيجيات التي قام على أساسها تحالفهما والاستمرار في دعم عمليتهما السياسية ومحاولة إنقاذها وتطعيمها بوجوه جديدة من داخل صفوف المعارضة.

إن المارثون السياسي الجاري الآن في الساحة العراقية، وتزاحم المشاريع التي تُطرح برعاية أمريكية، هو إعادة إنتاج العملية السياسية التي ثبت فشلها وترقيعها بوجوه جديدة معارضة لها، وقطع الطريق عن أي عمل معارض، عسكرياً كان أو سياسياً، وتثبيت أركان العملية السياسية من جديد بعد أن تصدعت وفشلت فشلاً ذريعاً سبَّب لأمريكا حرجاً شديداً على المستويين الداخلي والدولي.

إن الخلاف الأمريكي-الإيراني إعلامياً مستمر وهو خلاف ممنهج ولم يكن وليد اليوم، ولكنه ترافق مع حملة بوش الابن في احتلال العراق، مروراً بأوباما، وصولاً لترامب، لا تغيُّر في الخطاب الإعلامي الأمريكي ولا الإيراني، تصعيد وتهديد ووعيد، ولكن الواقع على الأرض يختلف تماماً عما هو في الإعلام، فالدولتان ما زالتا على تحالفهما الاستراتيجي ضد مسلمي المنطقة، بدءاً بالعراق، ومرواً بسوريا واليمن ولبنان وباقي بلدان المنطقة.

إن دخول بعض الشخصيات والرموز السُّنية التي لم تتلوث بالمشروع الأمريكي-الإيراني على هذا الخط يعتبر سقوطاً مدوياً في قعر الغباء السياسي، وانحراف للبوصلة، والسير في تنفيذ استراتيجية أمريكا بالمنطقة، ومكسب سياسي كبير للسياسة الأمريكية، وانتصار عظيم للهيمنة الإيرانية، شعروا بذلك أو لم يشعروا. ونحن -بدورنا- نحذر منه أشد الحذر، وندعوهم إلى التمسك بالثوابت والتعويل على التغيير المرجو، ومسك زمام الأمور على الجماهير وقيادتها والعبور بها الى بر الأمان.