• العبارة بالضبط

آل الأسد يغادرون سوريا إلى الأبد

الفوضى الخلاقة أكبر خدعة أمريكية رَوَّج لها مبتدعوها بطريقة فكرية وممنهجة ولكنهم توقفوا عن هذا الترويج منذ أكثر من عشرة أعوام؛ لأن تطبيق هذا المصطلح مرعب لأمريكا وإسرائيل إذا حصل في الدول المحيطة بإسرائيل.

الفوضى الخلاقة التي أوهم المنظرون الأمريكيون أنها فوضى تؤيدها الولايات المتحدة وتسعى لها من أجل "الدمقرطة" أو خلق التغيير باتجاه الديمقراطية في البلدان القابعة تحت نير الاستبداد–قد توقف طرحها واستبعد تداول مصطلحاتها حتى عن الندوات والمناظرات الهامة واختفت من الأضواء والإعلام بطريقة سحرية كما ظهرت بشكل لافت.

الفوضى في بعض الأحيان وفي بعض الدول ولفترات انتقالية، قد تكون مرغوبة مناسبة للوصول إلى مصالح محددة للغرب ومصالح للولايات المتحدة خاصة، وقد تكون تلك الفوضى مطلوبة في الدول التي تحكمها حكومات تسعى للتحرر من سيطرة الولايات المتحدة. ومع ذلك، يبقى التدبير الأمثل لأمريكا حتى مع هذه الحكومات هو سيطرة بديل مناسب عبر انقلاب عسكري حاسم كما حصل في تركيا وفشل.

الفوضى بشكل عام وبكل مسمياتها غير مضمونة لمصالح الغرب وإسرائيل، وإثارة الفوضى هي للحالات المستعصية الطارئة فحسب.

الفوضى الخلّاقة في الدول المحيطة بإسرائيل، تلك الدول التي سُميت في يوم قديم منسي زال "دول الطوق"، إشارة إلى تطويق إسرائيل ومواجهتها من كل الجهات– قد تكون فوضى خنّاقة لإسرائيل.

هذه الفوضى التي طُرحت كمرحلة انتقالية يتزعزع فيها الحكم الاستبدادي "المستقر" ويهتز لصالح بديل ديمقراطي، تكاد تكون اليوم الكابوس المرعب لأمريكا وللغرب ولإسرائيل.

فإذا حدثت الفوضى في لبنان، فستصل إلى الحدود اللبنانية مع إسرائيل عشرات الفصائل الفلسطينية واللبنانية وآلاف المتطوعين من كل مكان، وسيتهدد العمق الإسرائيلي بالقصف والتسلل والاستنزاف.

ووجود النفوذ الواسع المهيمن لحزب الله في لبنان كله وداخل الجيش اللبناني وتفرّد الحزب في الجنوب اللبناني، يجعلانه ضامناً لاستقرار الحدود الجنوبية ومانعاُ لتسلل أي شخص إلى لبنان وباتجاه الحدود الإسرائيلية، وقد سبق لحزب الله فعلاً أن منع تسللات عديدة أُعلن عن بعضها أكثر من مرة.

حزب الله يضمن درجة عالية من منع الفوضى التي تخلق إن حدثت مقاومات غير مسيطر عليها ضد إسرائيل.

والفوضى في الأردن كارثية مدمرة لإسرائيل أكثر من فوضى لبنان؛ فحدود إسرائيل مع الأردن أكثر من 335كم والعمق لا يجاوز في بعض النقاط 45كم. الفوضى على هذه الحدود –إن حدثت– تهدد كل إسرائيل من الشمال إلى الجنوب، فأي فوضى خلاقة أو غير خلاقة يمكن أن تسمح بها أمريكا في الأردن! ولذلك كان في الأردن على الدوام حيز من الحرية محسوب بدقة متناهية وبإشراف أمريكي لتفريغ الاحتقانات ومنع هيمنة المعارضين في آن واحد.

وفي مصر، رضخت الأطراف الداخلية والخارجية لإرادة الشعب المصري بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني؛ لأن الثورة كانت في حساب تلك الأطراف فوضى عارمة مدمرة لهم وكان الرضوخ للثورة مؤقتاً وإجبارياً ولكن عندما أوصل الخيار الانتخابي محمد مرسي إلى الحكم ولم يفز أحمد شفيق ممثل العسكر، كان لابد من الخيار الأمريكي الأمثل وهو الانقلاب العسكري لإيصال البديل إلى السلطة.

وكان لا بد من شيء من الفوضى المحسوبة التي تهيئ للانقلاب الذي حدث فعلاً وحصلت إسرائيل على استقرار حدودها مع مصر ودُمِّرت الأنفاق مع ضمانة قوية من نظام السيسي في مصر.

أما الفوضى في سوريا، فهي الأخطر والأسوأ في حسابات الأمريكيين والأوربيين والإسرائيليين لأسباب جغرافية وبشرية وتاريخية..

واشتغلت أجهزة الدول الكبيرة كلها للسيطرة على سوريا في وقت مبكر ومن أول انقلاب نفذه حسني الزعيم لصالح وكالة المخابرات المركزية، وحامت الشكوك والظنون والتساؤلات حول حافظ أسد، وكان التساؤل الأبرز: كيف استقرت السلطة بيد حافظ الأسد بعد انقلابه العسكري عام 1970ولم تستقر لغيره في عشرة انقلابات حصلت من قبله خلال 24 سنة؟

في سوريا، تأكدت الإدارة الأمريكية من أهلية بشار الأسد كبديل يحافظ على الاستقرار بعد وفاة أبيه وستبقى تفاصيل ما أخذت وزيرة الخارجية أولبرايت من بشار كعهود وضمانات في الخلوة الشهيرة الطويلة معه في عزاء أبيه طي الكتمان، غير أن الإطار العام اتضح باستخدام أولبرايت فور خروجها من الخلوة عبارات التثبيت والاعتراف والمدح.

فقد أشادت وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت بالانتقال السلس والهادئ والمنظم للسلطة في سوريا وأعلنت عقب لقائها بشار الأسد أنها لمست منه بوادر مشجعة إزاء السلام في المنطقة، ورداً على سؤال عن مسألة خلافة حافظ أسد، قالت أولبرايت إن سوريا تملك "نظاماً يعمل على ما يبدو بطريقة سلمية ومنظمة، ويبدو أن بشار يتمتع بتصميم كبير ومستعد لإتمام واجبه... ويبدو أن أمر انتقال السلطة يسير بشكل سلس ونرجو أن يستمر في ذلك الاتجاه". وعندما وُوجهت أولبرايت أكثر من مرة بالسؤال: "ما سبب إيفاد الرئيس كلينتون مثل هذا الوفد الرفيع للمشاركة في جنازة حافظ الأسد الذي ما زالت بلاده على قائمة وزارة الخارجية الأمريكية للدول الراعية للإرهاب؟!" قالت: "من المناسب جداً أن نشيد بشخصية تاريخية وأن نعبر عن تعازينا لشعب سوريا. ولا شك في أننا يجب أن نعمل مع القيادة السورية من أجل تحقيق سلام شامل".

وأضافت: "لقد لعب الرئيس حافظ الأسد دوراً مهماً في الشرق الأوسط ولن يغير رحيله من الحاجة الملحة لأن تسعى كل الأطراف من أجل سلام شامل"، وأكدت استعداد أمريكا للعمل مع كل الأطراف لبلوغ تلك الغاية".

وقال مسؤولون أمريكيون آخرون يرافقون أولبرايت، إنهم تأثروا بسرعة وفاعلية عملية انتقال السلطة الى بشار الأسد. وقالوا إن الانتقال يتم بسرعة فائقة وبسلاسة وبطريقة منظمة بعيدة عن "الفوضى".

لقد تأكدت الإدارة الأمريكية وقتها أن بشار خير بديل لأبيه في تحقيق نوع الاستقرار الذي تريده حتى لو كان استقراراً بالحديد والنار.

ولكن بعد سنة من الثورة السورية، اهتزَّ بشار واهتزَّ الاستقرار، وتأكدت إدارة أوباما أن بشار الأسد قد بدأ يسقط في دوامة مهلكة وأنه يتورط بسرعة في الدم، وأنه قد خلق دوافع الفوضى وعدم الاستقرار في سوريا، وكان سفير الولايات المتحدة فورد يوصل للإدارة تقاريره عن ازدياد واتساع الخروج عن سلطة بشار الأسد، فلجأت الإدارة بالتعاون مع أجهزة أوروبية، كانت الفرنسية في مقدمتها، إلى تفعيل آلية "إيجاد البديل".

البحث عن بديل، سياسة أمريكية قديمة وعريقة وتكاد المخابرات المركزية الأمريكية تكون أكبر مطبخ عالمي لصناعة الأفراد البدلاء للاستيلاء على الحكم في الدول ذات الأهمية للولايات المتحدة وحلفائها.

إيجاد البديل المناسب الملائم لمصالح أمريكا وحلفائها يكون في حال موت الرئيس الذي ناسب المرحلة طيلة أيام حياته أو في حال استحالة استمرار الرئيس في الحكم وتفلت الأمور عن سيطرته وانتشار الفوضى... والبديل الجديد يجب أن يحقق الاستقرار مع أمور أخرى كثيرة.

ومن ذلك، أن الجديد يفتح صفحات جديدة من الديكتاتورية والفساد وسيصبر الناس على الوجه الجديد ولن يثيروا "الفوضى" سنين وسيعطونه الفرصة ويبررون له سنين وسنين، وهذا ما حصل في سوريا أحد عشر عاماً ثم انهار.

ويبدو أن الوكالات الأمريكية المتخصصة بالتعاون مع الوكالات الاستخبارية الأوربية، قد نَفَذَت إلى كبار المسؤولين العسكريين حول بشار الأسد وأبرمت معهم ترتيباً لانقلاب حاسم وعلى أعلى المستويات. ويبدو أن الأمر كُشف قبل تنفيذه من المخابرات السورية فكان تفجير مبنى الأمن القومي الشهير الذي دُبر لقتل كل الذين وافقوا واتفقوا وشاركوا.

ومن غير انقلاب يُدعم من الخارج، كانت البدائل الأخرى صعبة وغير مضمونة. ولم تتجاوب أعداد كافية من أفراد الجيش السوري الحر لمحاولات عديدة لتجنيدهم وتوجيههم من قبل الـ"سي آي إيه" و"البنتاغون" استمرت سنتين كاملتين.

ولاحظ كل المراقبين أن إدارة أوباما بعد هذا التفجير وضعف التجنيد راحت تتدرج باتجاه الإبقاء على بشار الأسد "لعدم وجود البديل المناسب"؛ المناسب لأميركا وإسرائيل طبعاً، واستمرت الإدارة في هذه السياسة رغم ضربة الكيماوي الأولى، واستمر هذا الحال حتى ضربة الكيماوي الثانية في "خان شيخون".

ومما لا شك فيه، أن الضربة الأمريكية للشعيرات كانت استعراضية إلى حد كبير. ولكن ما صدر من تصريحات أمريكية وأوروبية بعدها وصل إلى ذكر رحيل بشار الأسد من جديد وتكررت التصريحات في ذلك، وكرروا مع هذا الكلام ضرورة أن يتم ذلك بطريقة منظمة "بلا فوضى".

يبدو أن الفوضى واستمرارها في سوريا من دون نهاية واضحة لها حسب المنظور الأمريكي، تدفع اليوم إلى حتمية الضغط والعمل على رحيل آل الأسد، ويبدو أن واشنطن تكرر البحث عن بديل.

ويبدو أن الضغط على موسكو لتتخلى عن بشار ولتُنفذ الانتقال تحت إشرافها إلى بديل يناسب الجميع– هو المسعى الذي طالب به موسكو علناً وزير الخارجية البريطاني، وأشار إلى ذلك وزير الخارجية الأمريكي من موسكو، وأكد ضرورة خروج آل الأسد من السلطة، ولكن بطريقة منظمة "بلا فوضى".

الفوضى لم تكن يوماً في سوريا ولن تكون خلّاقة ولا مفيدة لمصالح أمريكا وأوروبا وإسرائيل، وربما تكون الفوضى هي الدافع الأكبر للجميع أن يكرروا البحث عن بديل، بديل يرضي روسيا وأمريكا وأوروبا وإيران، وليس ذلك بالأمر اليسير إذا تغافلوا عما يرضي الثورة السورية التي تمضي في عامها السابع دون أن تستشير أحداً.