• العبارة بالضبط

العراق.. مشروع التسوية السياسية لن يُعيد الدولة بدون العرب السنة

إن المعضلة العراقية أساساً معضلة تغييب العرب السنة عن المشاركة في الدولة العراقية، وإن أي محاولة لعلاج المشكلة تتطلب بالضرورة إشراكهم بمشروع بناء الدولة.

وعُقدت عدة مؤتمرات جمعت الأطراف السياسية والعسكرية والإعلامية السنية المشاركة وغير المشاركة في العملية السياسية، للوصول إلى صيغة سنية جامعة، وموقف موحد من العملية السياسية والمشاركة فيها، رعتها دول خليجية وأوربية كمؤتمر الدوحة ومؤتمر باريس وأنقرة ومونترو، وغيرها الكثير من الحوارات واللقاءات السنية – السنية التي لم يعد لديها مُبرر لعدم الاشتراك في الحياة السياسية.

وأدركت إيران مؤخراً أن هناك سياقاً دولياً وتحضيراً إقليمياً لمرحلة ما بعد داعش، هذا السياق والتحضير سيفرض واقعاً جديداً وأسساً ومعالجات للأزمات المتعددة والمترابطة للوصول إلى دولة بشكلها اللامركزي، والإعداد لمرحلة جديدة وعملية سياسية عراقية بعيداً عن الإقصاء والاستهداف لأي طرف داخلي، مع غطاء من القرارات والمعالجات الدولية والأممية، وتوقع عليها الأطراف الإقليمية المؤثرة على الساحة العراقية وبرعاية الأمم المتحدة، مع محاولة إشراك أو استيعاب الجميع بما فيهم الأطراف المسلحة السنية والأطراف والشخصيات السياسية والاجتماعية غير المشاركة في العملية السياسية السابقة أو المقصية منها.

هذا التوجه أو السياق يفرض الاتفاق على وثيقة تكتبها الأطراف الداخلية والخارجية ويتشارك الجميع في صياغتها؛ لذا بادر رئيس كتلة "التحالف الوطني" الشيعي عمار الحكيم لاستباق الزمن، وعرض وثيقة من الداخل بدل من أن تُفرض من الخارج وسماها "التسوية التاريخية"، لحل الخلافات بين الخصوم السياسيين والانتقال لقواعد لعبة جديدة تبعد العنف عن التأثير على مجريات الأحداث والأطراف السياسية المتنافسة، وتضع آليات وأدوات سلمية توافقية، وتخضع للضغط الدولي الراغب بالتسوية السياسية المرجوة للعراق، وتعالج النتائج الكارثية لتغييب العرب السنة ونعتهم بالإرهاب وإعادة الإعمار وعودة النازحين.

إن الرغبة الدولية والإقليمية المعادية لإيران ترغب بتقديم أكثر من تسوية من أكثر من طرف أو أكثر من مشروع من الأطراف ذات الثقل الداخلي والدعم الإقليمي؛ للخروج بتسوية تحقق رغبات أغلب الأطراف وداعميهم، وترضيهم عن التسوية النهائية أو المشروع النهائي لعراق ما بعد داعش؛ لأن الرضا والمشاركة يؤديان إلى الاستقرار وإلى قبول فكرة التسوية بدل رفضها فقط وعدم الاشتراك بها.

جميع القوى السياسية العراقية وجميع المكونات العراقية راغبة بالتسوية السياسية، ولكن قطعاً ليست التسوية المطروحة من كتلة "التحالف الوطني" بزعامة عمار الحكيم، والذي عرض تسوية من طرف واحد وتحتوي على بنود تحتمل التأويل والتفسير لأكثر من وجه، ولم تضع آليات ولا أدوات لتطبيقها ولا حدود تطبيقها ولا عقوبات على المخالفين لها، سوى إدانة أعمالهم ورفضها، وهذا يُعد تكراراً للأخطاء السابقة التي أوصلت العراق إلى ما هو عليه اليوم.

التسوية بحاجة إلى عقد سياسي واجتماعي جديد، يُحدد وينظم العلاقة بين مكونات الشعب العراقي الذي فقد عقديه الاجتماعي والسياسي جراء ممارسات الحكومات العراقية المتعاقبة السابقة، وممارسات داعش والمليشيات الذين أحدثوا شرخاً وتمايزاً داخل المجتمع والدولة العراقية؛ ثم الاتفاق على مشروع التسوية السياسية بين الأطراف السياسية يشترك بطرحه والاشتراك به جميع المكونات والأطراف.

من هنا يمكن القول أن مسار التسوية سيأخذ زمناً أطول للاتفاق على مشروع ما بعد داعش، وحدود ذلك المشروع وحدود الشراكة فيه، ومن هي الأطراف التي ستمثل المكونات العراقية التي ستحددها الانتخابات القادمة.

وإن مشروع التسوية الذي قدمه الحكيم تم شخصنته، ولم تعد تؤمن به قوى التحالف الوطني نفسه ولم تؤيده المرجعية الشيعية، فهم وقّعوا على وثيقة التسوية كجزء من النظام الداخلي داخل التحالف الوطني ولن يلتزموا بها، ويصرحون بذلك علناً في الإعلام خاصة أطراف منظومة اللادولة "المليشيات" التي يرعاها المالكي وكتلته "دولة القانون"، الذين لا زالوا يحلمون بفكرة "الأغلبية السياسية" التي يحملها المالكي، وهي أغلبية طائفية تقوم على إقصاء الآخرين بدل إشراكهم. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن مسودة وثيقة التسوية السياسية السنية لا تحظى هي الأخرى بتوافق، وهي بين من يريد تقديمها بدون شروط وبين من يريد تقديمها بشروط وضمانات داخل القوى السياسية السنية والتي لا تخلو من التنافس السياسي بينهما.

وأخيراً، أيّاً كان مشروع التسوية والمتوافقون عليه وإن كانوا متفقين فيما بينهم؛ فلن يحقق شيئاً على الأرض ولن يبني دولة ما لم يتم إشراك العرب السنة الذين لن تقوم للدولة العراقية قائمة بدونهم، وعندما يغيبون ستغيب الدولة وعندما يحضرون ستعود الدولة؛ لأنهم رجال دولة ولم يغيبوا إلا في مرتين الأولى عندما هاجم المغول العراق والثانية بعد عام 2003، وعندما أرادت إيران وأمريكا هدم الدولة العراقية قاموا بتغييبهم عنها، أمّا اليوم فأمريكا مع عودة الدولة وإشراك العرب السنة، وإيران مع رفضها لذلك تريد تغييب السنة من جديد.