• العبارة بالضبط

دول الخليج.. أولوية خيارات بريطانيا الاقتصادية بعد الانفصال

يشكّل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تطوراً مهماً ستنعكس تأثيراته سلباً بشكل واضح على الاقتصاد البريطاني. وبلغة الاقتصاد، يعني الطلاق من الاتحاد خسارة لندن لأهم وأكبر سوق تجارية لها، وخسارتها لرؤوس أموال كبيرة في قطاعي العقارات والخدمات، ولموقعها كعاصمة مالية للاتحاد الأوروبي.

ومن الملاحظ أن قادة الاتحاد الأوروبي يحاولون جاهدين أن تدفع لندن ثمن خطوتها، ما سيدفع بريطانيا إلى البحث عن خيارات أخرى لتعويض خسارتها عبر الانفتاح على أسواق جديدة وغنية كالأسواق الخليجية.

ومنذ اللحظة الأولى لعملية الانفصال كان الاتحاد الأوروبي صريحاً مع الحكومة البريطانية بشأن نيته إغلاق الأسواق الأوروبية أمامها، حيث نصحت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، البريطانيين في خطابها أمام البرلمان الأوروبي، بألا يخدعوا أنفسهم حينما يعتقدون أنهم قادرون على الاستفادة من مزايا الاتحاد الأوروبي، وهذا ما كان واضحاً في سرعة قادة الاتحاد اعتماد لائحة القواعد الإرشادية لمفاوضات الانفصال.

وفي هذا الصدد يقول أستاذ الاقتصاد في جامعة "ميتروبوليتان" البريطانية في أثينا، عبد اللطيف درويش، إن الاتحاد الأوروبي يريد أن يكون خروج بريطانيا "عسيراً"، لما تشكّله عملية الانفصال من خطر يهدّد وحدة أوروبا ككل، ويدفع دولاً أخرى إلى الخروج.

اقرأ أيضاً :

الإصلاحات الاقتصادية تخرج دول الخليج من بؤرة أزمة النفط

- خسائر البريكست الاقتصادية

يؤكد درويش والعديد من الخبراء لـ "الخليج أونلاين"، أن الخطوات التي سيتخذها الاتحاد الأوروبي بحق بريطانيا ستكون "قاسية": "منها مُطالبة لندن بإرجاع مبلغ يقدر بنحو 60 مليار دولار دفعت لها من قبل البنوك الاستثمارية الأوروبية لدعم مشاريع في عموم المملكة المتحدة".

ووضعت شركة التأمين البلجيكية "أولير - هرمس" دراسة حول تأثير الانسحاب على بريطانيا، مفادها أن الناتج المحلي الإجمالي للمملكة المتحدة سيفقد 4 نقاط ما بين 2017 و2019، إضافة إلى انخفاض قيمة الجنية الإسترليني 20%، وتوقع إعلان 1700 شركة إضافية إفلاسها، واختفاء 820 ألف وظيفة في المملكة ككل.

والجدير بالذكر أن الإحصائيات الحديثة تقول إن بريطانيا تصدّر نحو 45% من إنتاجها للسوق الأوروبي الموحد، في حين تستورد نحو 4% فقط من أوروبا، ومن ثم فإن أي إغلاق للسوق الأوروبية أمام البضائع البريطانية سيصيب بريطانيا في مقتل، وستكون نتائجه ضخمة، بحسب محللين.

ولعل النقطة الأهم في هذا الموضوع هي رحيل المؤسسات المالية الكبرى داخل بريطانيا، حيث بدأت بالفعل مؤسسات مالية فرنسية وألمانية بالخروج، ما يزعزع الثقة بالسوق المالية داخل لندن، ويخفض من قيمة الجنيه الإسترليني أكثر فأكثر.

- خيارات بريطانيا.. وطوق نجاتها

بالنظر إلى كل ما سبق، تحاول بريطانيا البحث عن خيارات أخرى تعوّض خسارتها في السوق الأوروبية، والبحث عن رؤوس أموال للاستثمار في أراضيها.

ويقول خبراء في هذا الصدد، إن دول مجلس التعاون الخليجي هي المرشّح الأكثر قوة لأن تكون الوجهة الاستثمارية المستهدفة لبريطانيا خلال فترة ما بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي.

ويضيف درويش لـ "الخليج أونلاين"، أن الدول الاستعمارية الكبرى دأبت في كثير من الأحيان على اللجوء إلى مستعمراتها القديمة عندما تشعر بالضائقة المادية، وعليه فإن بريطانيا ستذهب إلى دول الخليج؛ الحليف الاستراتيجي والقديم لها، كما ذهبت فرنسا إلى أفريقيا.

وتتمتع دول الخليج بخصائص تميّزها عن بقية الدول بالنسبة إلى بريطانيا؛ أهمها الغنى المادي، والتطوّر العمراني، والاحتياط الاستراتيجي بالنفط والغاز، والحاجة الخليجية الدائمة لتطوير الطاقة والتعليم والبنية التحتية والرعاية الصحية والصناعة العسكرية.

وحددت لندن مؤخراً فرصاً استثمارية في 15 قطاعاً خليجياً، تقدّر بنحو 30 مليار جنيه إسترليني، خلال السنوات الخمس المقبلة، تشمل جميع دول المنطقة.

وبحسب بيانات حديثة، تعدّ دول الخليج أكبر مستثمر في بريطانيا، ويتراوح إجمالي استثمارات الأفراد والصناديق السيادية الخليجية بين 200 و250 مليار دولار، وتحتل نسبة الاستثمارات العقارية أكثر من 23% منها.

لكن رأياً آخر عبّر عنه درويش لـ "الخليج أونلاين"، يرى أن بريطانيا لن تستطيع تجاوز أزمتها بالاعتماد على دول الخليج فقط؛ لاعتبارات مهمة، أهمها رحيل المؤسسات المالية البريطانية التي كانت تشكّل عامل جذب لكل الاستثمارات الخارجية باعتبارها جسر عبور بينها وبين الأسواق الأوروبية.

ويضيف درويش بأن فقدان بريطانيا لتلك المؤسسات يفقدها هذه الميزة الجذابة في عالم المال والأعمال، و"عليه فسترحل جميع الاستثمارات الصينية والخليجية عن بريطانيا باتجاه عواصم أوروبية أخرى، أو على الأقل ستتحجم كثيراً هذه الاستثمارات لدرجة تضر بشكل كبير بالاقتصاد البريطاني على المدى القريب".