• العبارة بالضبط

دواعي التحدي السعودي ونقل المعركة لإيران

قد يكون التصريح السعودي الأول أو الأكثر صراحة وحدة في التعامل مع السياسة الإيرانية في المنطقة، هو ما جاء على لسان ولي ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان آل سعود "إن المملكة لن تلدغ مرة ثانية من إيران، وتدرك أنها هدف رئيسي للنظام الإيراني الذي يستهدف قبلة المسلمين"، مستنداً إلى رؤية أقامها على سؤال: حول طريقة التفاهم مع إيران؟ ومجيباً: "إنهم يريدون السيطرة على العالم الإسلامي"، و"إن منطقهم تحضير البيئة الخصبة لحضور المهدي المنتظر".

في هذه القراءة لولي ولي العهد السعودي تدخل الأحداث في المنطقة بمرحلة جديدة من التوتر والتهديد والتحذير؛ فهي تعبر عن شدة الامتعاض الذي تعاني منه السعودية من التصرفات الإيرانية العدوانية في البلاد العربية، ليس فقط في العراق وسوريا واليمن وإنما في المخاطر التي تتهدد السعودية أيضاً.

فالقراءة السعودية للتطورات التي حدثت في المنطقة في السنوات الماضية، وما يمكن أن يحدث في السنوات القادمة هي أن إيران تسعى للسيطرة على السعودية، وتضعها الهدف الأول، بهدف السيطرة على مكة المكرمة والمدينة المنورة كخطوة رئيسية للسيطرة على العالم الإسلامي كله، بمنطق التحضير العقدي من وجهة نظرهم لظهور المهدي المنتظر لدى الشيعة الاثنا عشرية.

وممَّا سبق يمكن القول إن الحرب العدوانية التي تشنها إيران على العراق وسوريا واليمن قابلة للتوسع في السعودية، بل هي الهدف الرئيسي لها، وبالتالي فلا إمكانية لتحسن العلاقات السعودية مع إيران حتى تغير الأخيرة سياستها في البلاد العربية، وإلا فإن المعركة التي تحاول إيران أن تكسبها مذهبياً وسياسياً وطائفياً في البلاد العربية ينبغي أن تواجه بسياسة مقابلة وعكسية داخل إيران أيضاً.

اقرأ أيضاً

"إسرائيل" هي من تقرر مصير بشار الأسد

هذا الخطاب السعودي الجديد، وبتعبير أدق هذا التهديد السعودي لإيران وعلى لسان ولي ولي العهد السعودي، كان ينبغي أن يكون معروفاً لدى إيران، لأن أي دولة يمكن أن تتبع سياسة دفاعية مع عدوها لمدة زمنية معينة، على أمل أن يغير سياسته العدوانية.

لكن مواصلته لهذه السياسة العدوانية والأعمال الإرهابية والتحريضية لا يمكن أن تتوقف على المواقف الدفاعية فقط، بل ينبغي أن يكون من أساليب ردعها عن غيها التفكير بنقل المعركة داخل بلادها أيضاً، أي إن التهديد السعودي بنقل المعركة إلى داخل إيران هو خطة دفاعية وهجومية في آن واحد؛ لأن الغاية أن تردع إيران نفسها عن عدوانها على الدول العربية والإسلامية قبل أن يردعها العرب والمسلمون وحلفاؤهم.

إن ما كان يجب أن يكون معروفاً للقيادة الإيرانية وحرسها الثوري الطائفي أن طائفتهم أقلية طائفية في إيران نفسها، وليس في العالم الإسلامي فقط، وبالتالي فإن أطماعهم كان ينبغي أن تكون بحجمهم فقط، وعدم الزيادة عليها؛ لأنهم لن يستطيعوا تنفيذ أطماعهم مهما صورت لهم أحلامهم إمكانية ذلك، وطالما أنهم أقلية طائفية غير مرغوبة في العالم الإسلامي فإنهم بعدوانهم على الأمة العربية والإسلامية يفتحون على أنفسهم أبواب العداء ضدهم.

هذا العداء إن لم يكن لأسباب مخالفتهم للعقائد الإسلامية، فبسبب عدوانهم وجرائمهم ومجازرهم ضد العرب والمسلمين، فلا يمكن عزل الخلفية الطائفية لدى الشيعة الإيرانيين وأتباعهم من المتعصبين العرب لطائفيتهم وشيعتهم عن الدوافع السياسية للتوسع الفارسي في البلاد العربية والإسلامية، أي أن إيران تفتح على نفسها بحربها الطائفية ضد الإسلام والمسلمين حرباً ضد أقليتها الطائفية في إيران والعالم الإسلامي أولاً، وتفتح على نفسها حرباً قومية داخل إيران قبل خارجها ثانياً.

هكذا يمكن التفكير بكيفية نقل المعركة إلى داخل إيران، ليس من قبل السعودية فقط وإنما من قبل العالم العربي والإسلامي أيضاً، فإيران لا تحظى بأي دعم لحروبها العدوانية داخل البلاد العربية في العراق وسوريا واليمن ولبنان وغيرها، ولم تستطع تمرير كذبها على المسلمين بعد انكشاف جرائمها في العراق وسوريا واليمن، من أنها تقوم بحروب ضد الشيطان الأكبر (أمريكا) أو ضد إسرائيل، فهذه الأكاذيب لم يعد لها سوق في العالم الإسلامي إطلاقاً.

وإذا بقي لهذه الأكاذيب بعض الفاعلية في إيران فبسبب الغلق الإعلامي الداخلي، وعدم وصول الصورة الإعلامية الصحيحة والصادقة للشعب الإيراني، وهذه أولى الخطوات التي ينبغي أن تبدأ بها السعودية وغيرها، في نقل المعركة لداخل إيران، وهي إعلام الشعب الإيراني بالحقيقة المُرَّة والأليمة والمدمرة، فليس من المتوقع أن الشعب الإيراني يوافق سياسة القيادة الإيرانية بشن الحروب العدوانية على الشعوب العربية والإسلامية، سواء لأسباب طائفية أو سياسية قومية؛ فالشعب الإيراني غير معني بفقدان شبابه وهدر أمواله في احتلال بلاد العرب والمسلمين وتشييعها ديمغرافياً بالقوة العسكرية، فالخطوة الأولى بنقل المعركة لإيران هي بالبحث عن أفضل السبل لمخاطبة الشعب الإيراني بلغته كي يردع حكومته عن غيها العدواني الطائفي والتوسعي.

إن الأخطاء التي ارتكبتها إيران في الدول العربية في السنوات الأخيرة قد أودت بحياة ملايين المسلمين، وإذا كانت الحرب الإيرانية العراقية التي دامت ثماني سنوات (1980-1988) متشابكة الأسباب والمواقف الخاطئة في حينها، فإن الأخطاء الإيرانية التي بدأت باحتلال العراق مع أمريكا عام 2003 وما واصلته بعد الانسحاب الأمريكي من العراق، وما اقترفته من مجازر وجرائم في سوريا واليمن وغيرها لا يحتمل اللبس والشك بأن إيران هي من تتحمل وحدها مسؤوليته، فحرسها الثوري الطائفي ومليشياتها هي التي تقاتل وتقتل المواطنين العرب في بلادهم، كما أنها تتسبب بقتل جنودها خارج بلادهم في حروب عدوانية ضد إخوانهم من العرب والمسلمين.

لذلك فإن الرد الإيراني على التحذيرات السعودية باتهام السعودية بدعم الإرهاب ليس صادقاً أمام العرب والمسلمين، وإنما هو للاستهلاك المحلي داخل إيران، فالأمة الإسلامية قاطبة اليوم تشكو من الأخطاء الإيرانية داخل بلادها وخارجها.

إن المسؤولية الكبرى على إيران هي أن تتفهم دواعي هذا التحذير أو التهديد السعودي بنقل المعركة لإيران قبل أن تصل إلى السعودية، فما قامت به السعودية من حرب دفاعية في اليمن كانت حرباً استباقية لحماية بلادها وشعبها بعد الانقلاب الإيراني في اليمن، والذي نفذته إيران بأيدي حزب طائفي شيعي زيدي حوثي، خرج عن معتقدات الزيدية أولاً، وخرج عن مواقفه القومية العربية لأطماع طائفية واهمة، والسعودية معنية بوقف هذا العدوان الإيراني في شمال الجزيرة العربية وشمالها وشرقها وغربها.

فهل تدرك الحكومة الإيرانية أخطاءها، وأنها مكشوفة المخططات، وأنه لا أمل لها بتحقيق أهدافها الطائفية ولا القومية في السعودية ولا في البلاد العربية إطلاقاً، وأن الفرصة الحقيقية هي بقبول التحذيرات السعودية والعربية والإسلامية قبل فوات الأوان؟