السياسة التركية والفوضى الإقليمية

المعروف عن عملية صنع القرار الخارجي لأنقرة تاريخياً تأثّرها بالبيئة المحلية والخارجية، فالأسس التقليدية في السياسة التركية اعتمدت على آلية صنع القرار المختلطة، حيث اعتمدت بالأساس على مجموعة من النخب العسكرية والأعضاء البيروقراطيين في وزارة الخارجية، ونظراً إلى الاعتماد على عنصر الأمن من قبل المؤسسة العسكرية، ظل الخيار الأمني هو الطاغي لعقود من الزمن، وتم شرهنة التدخل العسكري من خلال مجلس الأمن القومي التركي بعد انقلاب 1982.

فالخيار الأمني كان الأبرز في ظل الحرب الباردة، وظلت تركيا الدولة التي تراعي المصالح الأمنية للرأسمالية ضد المد الاشتراكي الشيوعي، وفي أواخر الثمانينات، طرأ تغيير في عملية صنع القرار بمشاركة النخبة السياسية متمثلة برئيس الوزارء، لكن التحديات المتمثلة بحرب الخليج والحرب على العراق، وكذلك تزايد النشاط العسكري لحزب العمال الكردستاني، أعاد النفوذ إلى المؤسسة العسكرية ومجلس الأمن القومي في صنع القرار، وظلت المؤسّسة التنفيذية المدنية الجهة المنفّذة للقرار الأمني المعدّ من قبل العسكر.

استمرت الهيمنة الأمنية على الأجندة الرسمية للسياسة الخارجية التركية إلى بداية عام 2000، حيث بدأت ملامح التغيير السياسي تطرأ على الساحة التركية متأثرةً بالتطورات الإقليمية والدولية، وتغيير قواعد اللعبة في الإطار المحلي، بعد أن فشلت الحكومات التحالفية في حل الأزمات الخطيرة التي وقعت بها تركيا، خاصة في المجال الاقتصادي، والتدهور الأمني في الداخل، فضلاً عن تراجع الدور التركي كونها قوة إقليمية ذات نفوذ وتواجد استراتيجي متنافس مع القوى الإقليمية الأخرى ضمن توزيع القوة التقليدية في الشرق الأوسط.

محادثات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بين أنقره والاتحاد الأوروبي فتحت المجال أمام ديمقراطية المجتمع التركي، وإحداث إصلاحات سياسية مهمة في المجال السياسي والاقتصادي، خاصة في مجال الحريات الفردية والعامة، وحق التعبير الثقافي للأقليات، خاصة الأكراد، وكذلك التغيير في هيكلية النظام العالمي من عالم تحكمه الثنائية القطبية إلى الأحادية القطبية، وإعلان النظام العالمي الجديد فرض على تركيا إعادة النظر في الدور التركي، خاصة أن الاتحاد السوفييتي لم يعد موجوداً، أو بالأحرى اعتقد الغرب بأن الدور الأمني التركي في انكماش.

تركيا منذ بدايات عام 2000 تحاول توسيع نفوذها الإقليمي؛ من خلال استخدام موقعها الجيوسياسي وتاريخها، وكذلك ثرواتها، التي إذا ما استخدمت بشكل جيد فسوف تحدث نقلة نوعية في معايير القوة الإقليمية لتركيا، استطاعت أنقرة تحقيق إنجازات مهمة في البعد الاقتصادي والسياسي، وتحوّلت خلال عقد من الزمن إلى قوة إقليمية مهمة، وذلك من خلال استخدامها للقوة المرنة، والتعاون الاقتصادي مع الدول الأخرى، وتحولت إلى دولة لها مصداقيتها لدى القوى الإقليمية الأخرى، وخاصة بعد قيامها بالدور الإيجابي في محادثات السلام بين إسرائيل وسوريا، وكذلك الملف النووي الإيراني.

في الفترة التي تلت الربيع العربي حدث تغيير راديكالي كبير في الهيكل الأمني الإقليمي، وفُرض على الدول إعادة النظر في الخيارات الاستراتيجية في البعد الخارجي والاستعانة بالسبل الأمنية بهدف المحافظة على الأمن القومي والمحلي للاعبين البارزين على الساحة السياسية للشرق الأوسط، تركيا تعاملت مع التغييرات في البداية باستخدام تأثيرها وسياستها المرنة، إلا أن الثورة السورية غيّرت الأولويات لدى أنقرة؛ بسبب ظهور التهديد الوجودي، وظهور لاعبين غير دوليين، ما فرض على تركيا الرجوع من جديد إلى الخيارات الأمنية، الأمر الذي فرض عليها التنافس مع كل من إيران وروسيا، لكونهما شاركتا بالقوة العسكرية للحفاظ على طاغية دمشق.

الفوضى الإقليمية أثرت سلباً في أنقرة، خاصة بعد تغيير الولايات المتحدة دعم مشروع تغيير النظام في سوريا، وعدم حمايتها للمصالح الأمنية لأنقرة، وكذلك تغيير دورها إلى قوة غير فاعلة؛ ما فسح المجال أمام الروس والإيرانيين لفرض الأجندة الإقليمية، وفرض مزيد من العزلة الإقليمية على تركيا.

الاتحاد الأوروبي في المقابل خذل تركيا بعد سحبه للأنظمة الدفاعية، ما فرض على أنقرة حالة مشابهة لأزمة الصواريخ الكوبية خلال الحرب الباردة. إن أنقرة في المرحلة القادمة ستكون قوة إقليمية تعتمد على سياسات المرحلة حسب التطورات الأمنية، وستستمر في نهج البراغماتية من أجل حماية مصالحها في بيئة غير مستقرة؛ فالفوضى الإقليمية كفيلة بتغيير الخريطة الأمنية، وكذلك آلية توزيع القوة على اللاعبين البارزين، فالهيكلية الأمنية قبيل الربيع العربي قد استندت على مبدأ التوازن الإقليمي بين عدة دول دون أن تكون هناك هيمنة إقليمية لأي طرف على الآخر، فالتجلّيات الأمنية في المنطقة، والفوضى الإقليمية، تدفع تركيا باتجاه تبنّي نهج جديد قائم على النهج الأمني؛ من خلال تحالفات مرحلية مع قوى جديدة، وكذلك محاولة فتح مجالات جديدة للسياسة الخارجية في آسيا، خاصة مع الهند والصين، وكذلك في القارة الأفريقية، إلا أن الخيارات تظل صعبة في ظل التحديات، وتبقى الفوضى الإقليمية الإطار الذي يحكم الخيارات السياسية لأنقرة، خاصة بعد تعاظم الاعتماد على اللاعبين غير الدوليين في المنطقة.