استراتيجية إسلامية لمواجهة الإسلاموفوبيا

تزايدت في السنوات القليلة الماضية عمليات الاعتداء على المساجد والمراكز الإسلامية، وأماكن تجمعاتهم في أوروبا، في ظل خلفية أيديولوجية دينية تاريخية حاقدة، وفي ظل رعاية إعلامية تعمل تحت حملة الحرب على الإرهاب والإرهابيين، وهي تتهم الإسلام بذلك، كذباً وزوراً، وفي ظل دعم سياسي ترعاه أحزاب اليمين المتطرف في معظم الدول الأوروبية.

وقد وصل الأمر إلى الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وغيرها من الدول الغربية، إذ شهدت اعتداء على المساجد والمسلمين العزل، ظلماً وجوراً.

وقد رصدت رئاسة الشؤون الدينية التركية مئات العمليات الإرهابية التي تعرضت لها المساجد في أوروبا، قدرتها بأكثر من 352 حريقاً ومداهمة عام 2016 وحده، ومعظم هذه المساجد لا ذنب لها إلا أنها ترفع مآذن إسلامية، ويتوجه لها المسلمون الأوروبيون لأداء الصلوات أو سماع دروس ومحاضرات ثقافية ودينية، يستفيد منها الأوروبيون، المسلمون وغير المسلمون، وكأن المهاجمين يستهدفون مناراة العلم والمعرفة والهداية الإسلامية بالكراهية والاعتداء والحرق بدل الحوار والتعارف الثقافي والتواصل الحضاري.

هذه الظاهرة باستهداف المساجد الإسلامية والمراكز الثقافية دفعت رئاسة الشؤون الدينية التركية لتبنى استراتيجية لمكافحة الإسلاموفوبيا، لأن الإسلاموفوبيا هي الخلفية الثقافية المعاصرة التي تملأ قلوب الإرهابيين الأوروبيين عداءً للإسلام والمسلمين، وتوجُّه رئاسة الشؤون الدينية لتبني هذه الاستراتيجية لمكافحة ظاهرة الإسلاموفوبيا ومعاداة الإسلام، تعني أن رئاسة الشؤون الدينية التركية تدرك مسؤوليتها الإنسانية والدينية نحو المسلمين في أوروبا وغيرها، مهما كانت أصولهم القومية والعرقية، ففي حديث إعلامي خاص، قال رئيس الشؤون الدينية التركية الدكتور محمد غورماز: "إن الاستراتيجية المشتركة، تتألف من منحيين:

المنحى الأول: هو عبارة عن اللقاءات التي ستعقد مع المسلمين القاطنين في أوروبا.

المنحى الثاني: لقاءات مع مجتمعات غير مسلمة، وبحث سبل درء خطر وقوع عالمنا في براثن هذه المصيبة والمآلات التي أنتجتها".

هذه الخطوة التركية تدل على خطورة ما يتعرض له المسلمون في أوروبا من اضطهاد متزايد في السنوات الماضية، وأنها بازدياد مع صعود أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا، وحيث إن معظم أئمة المساجد الموجودة بين المسلمين الأتراك يتبعون رئاسة الشؤون الدينية التركية وإشرافها، فإن من لوازم هذا الإشراف أن تتابع رئاسة الشؤون الدينية التركية المشاكل التي تتعرض لها المساجد والمشرفون عليها.

وكانت رئاسة الشؤون الدينية قد أرسلت وفودها سابقاً لدراسة هذه المشاكل على أرض الواقع، ومعاينة الاعتداءات الإرهابية عليها، والخطوة الجديدة هي أن تتابع رئاسة الشؤون الدينية التركية هذه المشاكل على أوسع نطاق ممكن، بحيث تعقد هذه الاجتماعات بمشاركة ملحق رئاسة الشؤون الدينية ومستشاريها في البلدان الأوروبية وغيرها.

إن الداعي لهذه الاجتماعات هو أن "هنالك تطورين هامّين متعلقين بالشرور الناجمة عن الإسلاموفوبيا، أولها خروج هذه الظاهرة من سياق الفوبيا وتحولها إلى عداء ما وراء الكراهية، والثانية انتشارها ضمن فئات المجتمع وخروجها عن منصات الإعلام والسياسة"، بحسب رئاسة الشؤون الدينية التركية، وأن "هناك ضرورة لبحث مسألة مكافحة الإسلاموفوبيا مع رجال دين من مختلف المعتقدات والأديان، فضلاً عن المسلمين أنفسهم"؛ فالمشكلة لا تخص المسلمين وحدهم وإنما كل المسؤولين الأوروبيين المعنيين بالأمر.

وقد شارك في الاجتماعات التي عقدت في صقاريا التركية، بين 22 و25 مايو/أيار الحالي، ممثلون عن رئاسة الشؤون الدينية من كثير من البلدان، فضلاً عن مستشاري الخدمات الدينية، وقد بحث المشاركون في هذا الاجتماع الموسّع سبل مكافحة المنظمات الإرهابية، وعلى رأسها "فتح الله غولن"، تحت بند "مكافحة استغلال الدين"، فضلاً عن جلسات خاصة لمكافحة المنظمات التي تتبع أفكاراً أيديولوجية وانفصالية وعنصرية.

وعقدت جلسات تحمل عناوين: "اللاجئون المسلمون والأقلية المسلمة في أوروبا"، و"معاداة الأتراك والإسلاموفوبيا الصاعدة"، و"السياسات المعادية للإسلام والمراحل القانونية"، و"العلاقات مع المنظمات الأهلية"، و"فعاليات الأهداف المشتركة مع المؤسسات الشريكة"، و"الخطابات التي تحمل محتوى العنف ومكافحة التطرف"، و"الإسلاموفوبيا وانتهاكات حقوق الإنسان"، ونوقشت كذلك المشاكل التي يعاني منها الشرق الأوسط ودول البلقان وآسيا الوسطى، وأوروبا ودول أوراسيا وروسيا والبلطيق، كلاً على حدة.

هذه الاستراتيجية التركية ضرورية ومهمة لمعالجة مشاكل المسلمين في أوروبا، لأنها مشاكل الأمة الإسلامية نفسها، ومن الأهمية والضرورة الكبرى أن تصبح استراتيجية متبناة من كل دول العالم الإسلامي، وبالأخص في الدول العربية، فبعض الدول العربية لها فعاليات نشطة في الأوساط الأوروبية في المستويات السياسية والعلاقات الاقتصادية، وسواء كان المسجد الذي يُعتدى عليه يتبع الرعاية التركية أو الباكستانية أو العربية أو الإيرانية أو غيرها، فإنه اعتداء على الإسلام؛ لأنه بيت من بيوت الله تعالى، وهو اعتداء على الأمة الإسلامية لأن حملة الإسلاموفوبيا في أوروبا وخارجها لا تميز بين المسلمين سواء كانوا أتراكاً أو عرباً أو هنوداً أو غيرهم، فالاعتداء هو على الهوية الإسلامية والرمز الإسلامي، بدليل أن قوانين الحظر التي تصدر ضد ارتداء الحجاب في بعض الدول الأوروبية لا تميز بين حجاب تركي أو حجاب عربي أو إيراني، فالقرار الذي أصدرته الحكومة النمساوية، يوم الثلاثاء 2017/5/16، حظر ارتداء النقاب في الأماكن العامة، ولم يخص جالية إسلامية دون أخرى، وقد جاء هذا القرار النمساوي بعد أيام من إقرار برلمان البلاد مشروع قانون يحظر ارتداءه في الأماكن العامة، يبدأ سريانه في أكتوبر/تشرين الأول 2017.

ويأتي قرار النمسا حظر ارتداء النقاب ضمن حزمة تتعلق باندماج المهاجرين، وتتضمن أيضاً حظر توزيع المصاحف، وقد وافق الائتلاف الحاكم- الذي يتكون من الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الشعب النمساوي المحافظ- على هذه الحزمة التي يجري التفاوض عليها منذ مارس/آذار الماضي، وقد أقرت الحكومة النمساوية هذه الحزمة رغم الاضطرابات الشديدة التي يمر بها الائتلاف الحاكم، والتي أدت إلى إقرار إجراء انتخابات مبكرة في أكتوبر/تشرين الأول المقبل، حيث يعيش في النمسا قرابة ستمئة ألف مسلم، يمثلون نحو 7% من سكان البلاد.

هذا القرار لم يبدأ بالنمسا؛ فقد حُظر النقاب في عدد من الدول الأوروبية من قبل، فقد حظر النقاب في باريس بتاريخ 11 أبريل/ نيسان 2011، وتبنت بلجيكا تشريعاً يحظره في يوليو/تموز 2011، وكذلك صدر قرار في ثلاث مدن فرنسية، العام الماضي، بحظر ارتداء لباس البحر الإسلامي النسائي؛ بمبرر تعارضه مع قوانين العلمانية في البلاد، فهذه القوانين التي تحد من حرية المسلمين الأوروبيين كان ينبغي مقاومتها ورفضها منذ البداية، لأنها لا تعبر عن حق المجتمعات الأوروبية بالحفاظ على هويتها الثقافية كما يدعون، بقدر ما تعبر عن تجاوب متعسف مع حملة الإسلاموفوبيا، التي تزرع العداء بين المواطنين الأوروبيين أولاً، ثم بين الشعوب الأوروبية والشعوب الإسلامية ثانياً، وهذا ليس في مصلحة الدول العربية والإسلامية في المستقبل أيضاً.

إن كل دول العالم الإسلامي مطالبة بوضع استراتيجية مشتركة لمواجهة موجة العداء للإسلام والمسلمين، سواء تسمت بالإسلاموفوبيا أو غيرها، وسواء كانت في أوروبا الغربية أو غيرها، وإذا كانت الجهود الفردية للدول الإسلامية يمكن أن تكون مفيدة، فإن الجهود الجماعية لدول العالم الإسلامي ستكون أكثر فائدة، وأكثر استجابة من الدول الأوروبية وشعوبها وبرلماناتها وأحزابها السياسية، فلا بد أن تسمع كل الدول التي تنشر الإسلاموفوبيا في بلادها أو تسمح بها أو تشجع عليها، أن هناك أمة إسلامية تقارب ملياري إنسان على الأرض، يرفضون سياسات التمييز العنصري ضدهم، ويرفضون حملات الكراهية لأسباب دينية. وهذا يتطلب وضع دول العالم الإسلامي استراتيجية مشتركة تحمي إخوانهم في أوروبا، وتحمي مواطنيهم إذا توجهوا لأوروبا أو غيرها أيضاً.