تأملات سياسية في سورة قريش

في سورة قريش يمنُّ الله على قريش بأن مكَّن لهم رحلة الشتاء والصيف. فأطعمهم من جوع وسط صحراء مجدبة ونقص في الماء والثمرات، وآمنهم من خوف؛ خوف كان يعمُّ الجزيرة العربية وكان الناس يُتخطَّفون في كل المناطق خارج مكة وحولها.

ولأن مكة سوق العرب التي منها يتسوقون ولهم في البضائع الواردة إليها والصادرة منها شراكات وحصص، ولأن في مكة الحرم الآمن وهو موضع حج عند كل قبائل العرب وإليه يُجبى ثمرات كل شيء. لقد كانت مكة باللغة المعاصرة جاذبة للاستثمارات وسوقاً إقليمية رئيسة ومركزاً تجارياً وحيداً لتشغيل الأموال في المنطقة.

لذلك، كانت قريش في حصانة وحرمة، فلا يغزوها أحد في عقر دارها ولا يعتدي أحد على قوافلها ورجالها.. لذلك، دامت وسادت وأصبحت أم القرى.

لقد ثبَّتَ الجليل في ضرب مثال قريش دعامتي البقاء لأي مجتمع أو دولة: "الشبع والأمن".

وما زال علماء الاجتماع في العالم كله دون أن يطّلع أغلبهم على سورة قريش، يضعون هاتين الدعامتين كأول أساسين ضروريين للبقاء ويختلفون فقط في أيهما يسبق، هل الشبع والكفاية يسبقان أم الأمن على الحياة والمال يسبق، ومعظمهم ربط السبق بظروف الزمان والمكان.

الخوف والجوع دعامتا الفوضى وذراعا الانفلات لأي مجتمع، والأمن والشبع هما جناحا العدالة وقدما الاستقرار.

وفي سوريا، كلا الأساسين لن يستطيع بشار الأسد إعادتهما مهما فعل، لقد جاوز خطوط الرجعة في ذلك منذ زمن طويل.

ونكرر أن كل الخبراء والاقتصاديين الذين يحسبون ويحصون ويتوقعون ويرجحون أفضل الاحتمالات التي تناسب بشار الأسد في المستقبل القريب، لن يصلوا إلا إلى أرقام مستحيلة.. أرقام باثني عشر صفراً يحتاجها بشار وليس له من معين؛ بل هناك من يريد ويسيل لعابه وينتظر، ومنهم من لم يعُد ينتظر وبدأ يأخذ حصته ويؤمّنها منذ الآن.

ومن يدرس احتمال استقرار سوريا في ظل بقاء بشار مع ألوف ألوف الشبيحة والعفِّيشة وقطّاع الطرق، ثم يستعرض معهم عشرات المليشيات الطائفية المحلية والأجنبية مع ولاءات شتى وتدخلات شتى، يصل إلى توقع أكيد أن سوريا لن تشهد استقراراً وأمناً لعشر سنوات أكيدة.

اقرأ أيضاً:

الأستانة ومواجهة الفجور السياسي الروسي

لا كفاية وإطعام من جوع ولا أمن من خوف، إنه خوف سيزداد وسيشمل الجميع، وخاصة الموالين والرماديين الذين ما زالوا يملكون شيئاً يخسرونه.

لذلك، نكرر القول الجازم: إن نظام بشار الأسد ماضٍ إلى سقوط أكيد. لا يملك ولن يملك دعامتي البقاء.. هو زائل زائل بلا ريب، ويبقى فقط السؤال الكبير:

من سيستمر ويصمد؟

من سيحافظ على ثوابت الحرية والكرامة؟

ومن سيشتغل ليملأ الفراغ في كل شيء؟

نعم في كل شيء، فلم يكن نظام آل الأسد بدولة أو بشيء. منذ تأسيسه ليس بشيء وليس على شيء.

سيترك هذا النظام البلاد مدمرة ممزقة لأبعد حد ولا يُحسد ولا يُغبط من سيستلم بدلاً عنه أياً كان.