خطر مشاريع حزب العمال الكردستاني على الدول العربية

يقال في المثل: "لم يشاهدوا اللصوص عندما سرقوا ولكن شاهدوهم وهم يقتسمون السرقة"؛ لأن عادة اللصوص أن يختلفوا وتنكشف السرقة أولاً، وتُكشف مخططاتهم ثانياً.

وقد يكون تصريح رئيس الوزراء العراقي السابق، نوري المالكي، يوم 25 مايو/أيار الماضي من هذا القبيل؛ فقد قال: "إن تنظيم الدولة مؤامرة أمريكية، وإن الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، هو من صمم سقوط الموصل بيد التنظيم، من خلال اجتماعات في إقليم كردستان حضرها ضباط أمريكيون".

كما ألقى المالكي بالمسؤولية عن مجزرة قاعدة "سبايكر" في محافظة صلاح الدين (شمالي العراق) على قائد الفرقة الرابعة في الجيش، متهماً إياه بالانسحاب "تنفيذاً لأوامر جهة سياسية ينتمي إليها"، في حين اتهم محافظ نينوى السابق، أثيل النجيفي، المالكي بعد هذه التصريحات بـ"التساهل في تسليم الموصل لتنظيم الدولة؛ لتصوره أنه لا يستطيع إلا حماية بغداد وكربلاء وسامراء وديالى؛ ومن ثم فعليه أن يضحي بغيرها من المناطق".

النجيفي، أكد أن "المالكي رفض دخول قوات البيشمركة الكردية للمشاركة في الدفاع عن الموصل وتلعفر ومنع سقوطهما، كما أنه لم يتخذ أي إجراء لمنع سقوط المدينة، ولم يتفاوض مثلاً مع الولايات المتحدة أو مع الأكراد لتفادي ذلك السقوط".

اتهام النجيفي للمالكي شهد عليه في وقت سابق وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، عندما اتهم المالكي بتسليم الموصل لـ"داعش" قبل أشهر، في حين شهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع نوري المالكي في حملته الانتخابية عندما اتهم أوباما بتأسيس "داعش".

وهذه الأيام، دخلت روسيا في هذه اللعبة؛ فقد كشف وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، عن اتفاق سري بين حزب الاتحاد الديمقراطي وقوات حماية الشعب مع تنظيم الدولة للانسحاب من الرقة ونقل المقاتلين إلى تدمر. وأعلنت روسيا رفضها هذا الاتفاق، وقامت بالفعل بقصف الرتل الأول لمقاتلي التنظيم الخارجين من الرقة؛ ما عطل الاتفاق مع الأحزاب الكردية الخاضعة لأوامر وزارة الدفاع الأمريكية البنتاغون.

هذا الحديث يعني أن أمريكا متورطة في الاتفاق بين حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي مع تنظيم الدولة، وهذا يؤكد فرضية إشراف البنتاغون على تحركات "داعش"، سواء عند احتلالها الموصل والرقة في يونيو/حزيران 2014، أو عند بدء إعلان تحجيمه وادخاره في أماكن أخرى؛ ما يعني أن المعركة الحالية هي حول رسم خريطة الشرق الأوسط فيما بعد "داعش"، وبذلك يكون دور التنظيم في آخر فصوله بشمالي سوريا.

الفصل الجديد هو دور الأحزاب الكردية الإرهابية، التي تم تصعيد دورها السياسي والعسكري منذ معركة كوباني، فأمدتها أمريكا بالأسلحة، ولا تزال؛ لتحقيق هدف واحد وهو جعلها جزءاً من القوة العسكرية الميدانية والمحلية التي تحتاجها أمريكا في المنطقة، وتخدم مشاريعها دون مناقشة، ويتم إعطاؤها الأراضي والمدن على حساب سكانها الأصليين من العرب أو التركمان شمالي سوريا.

هذا الفصل يتعارض مع مشاريع روسيا وبشار الأسد من جهة، ويتعارض مع مشاريع إيران والمالكي والحشد الشعبي الشيعي من جهة أخرى، كما يتعارض مع مصالح تركيا والجيش السوري الحر المدعوم سياسياً وعسكرياً من تركيا.

في خضم هذه الصراعات والتقسيمات الجغرافية، لا يظهر للدول العربية موقف موثَّق حول أحداث شمالي سوريا، وإن كانت أكثر قرباً للتحالف بين الجيش السوري الحر مع تركيا بالتأكيد، حيث إن عناصر الجيش السوري الحر هم مواطنون سوريون يدافعون عن مدنهم وقراها كي لا تُسرق من الاحتلال الإيراني أو الاحتلال الكردي.

أما التحالفات المليشياوية الأخرى بين المالكي والحشد الشعبي الشيعي وحزب الله الشيعي، فتعمل لصالح إيران ومشاريعها للاستيلاء على الأراضي العراقية والسورية وربط خطوط التواصل والنقل الجغرافي والديمغرافي فيها من طهران حتى شواطئ المتوسط. في حين تدافع بقايا جيش بشار الأسد عن نفسها وتجد الدعم الروسي مقابل إضفاء الشرعية الدولية للاحتلال الروسي في سوريا.

وبحكم التوحش الذي مارسه الاحتلال الإيراني في العراق وسوريا وقتله ملايين المسلمين فيهما، وما تبعه من تدخل في اليمن ودعمه لانقلاب الحوثي، فقد بدا الاحتلال الإيراني مرفوضاً من كل الدول العربية وشعوبها، ومرفوضاً ومكروهاً من كل الدول الإسلامية وشعوبها أيضاً.

وقد زاد هذا الرفض العربي والإسلامي للتمدد الإيراني في العراق وسوريا بعد مجيء ترامب، وما كشفه من مخاطر للتوسع الإيراني وعدم استقرار والإرهاب في المنطقة والعالم، في حين يتم إخفاء الخطر والسرقة التي تمارسها الأحزاب الإرهابية الكردية شمالي سوريا، حتى تم كشفه من قِبل الروس والقبائل العربية والتركمانية، وهي تستنكر اتفاقها مع داعش لتسليمها تدمر بدل الرقة.

هذا الاتفاق وما تجريه أمريكا في شمالي سوريا مع الأحزاب الكردية لا يقل خطورة عن الخطر الإيراني، فحزب الاتحاد الديمقراطي وقوات وحدات حماية الشعب أو قوات سوريا الديمقراطية، هي في النهاية فروع سورية لحزب العمال الكردستاني، وتعمل جميعها بالتعاون مع البنتاغون وتتلقى الأسلحة الأمريكية الثقيلة لاقتطاع جزء من الأراضي العربية من سوريا لإقامة كيان أجنبي عليها، سواء كان كياناً كردياً سارقاً للأرض العربية أو قاعدة عسكرية أمريكية تدّعي واشنطن أنها تريد استخدامها لوقف التمدد الإيراني، وهو ما رفضته تركيا.

تركيا ترفض أي دعم لهذه الأحزاب الكردية الإرهابية مهما كانت الأسباب، ولكن أمريكا لم تسمع الرفض العربي لهذه السياسة الأمريكية التي تضر بالأمن القومي العربي وتهدد تماسك دوله واستقرار المنطقة.

لقد نشرت وزارة الداخلية التركية، بداية الشهر الماضي، كُتيباً من 68 صفحة وباللغتين التركية والإنجليزية، تكشف فيه "العلاقة العضوية التي تربط تنظيم (ب ي د) الإرهابي (شمالي سوريا) مع منظمة (بي كا كا/كا جي كا) الإرهابية"، وبيَّن الكتاب أن منظمة "بي كا كا/كا جي كا" الإرهابية، تمكنت من حشد أرضية لها في الشمال السوري خلال نشاطها على الأراضي السورية ما بين عامي 1979–1998.

وبحسب الكتاب، فإنه بناءً على تعليمات عبد الله أوجلان رئيس حزب العمال الكردستاني، جرى تأسيس ما يعرف باسم حزب الاتحاد الديمقراطي (يكيتي) في سوريا "ب ي د"، في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2003، وتزعَّم نور الدين خلف المحمد، الذي يعرف باسم "نور الدين الصوفي"، منصب "السكرتير العام" في التنظيم.

وقد اتخذ التنظيم من مدينة القامشلي بمحافظة الحسكة (شمالي سوريا) مركزاً لنشاطاته، وشغل كل من صالح مسلم (عضو المجلس التنفيذي لتنظيم "كا جي كا") وآسيا عائشة عبد الله (تعرف باسم ديلان ريحان محمد) منصبي الرئيس المشارك في "ب ي د"، وكلاهما يتبنى المنطلقات النظرية ذاتها لمنظمة "بي كا كا"، ويعتبران عبد الله أوجلان "الزعيم الأول".

وبيّن الكتاب الخطة التي يتبعونها في عمليات تغيير التركيبة السكانية والتهجير الجماعي التي انتهجها تنظيم "ب ي د" شمالي سوريا، لا سيما ضد العرب والتركمان، فضلاً عن أعمال الترهيب واضطهاد المعارضين، وفرض التجنيد الإجباري على الأطفال والنساء؛ للحفاظ على حالة الهيمنة التي يفرضها على مناطق في شمال سوريا.

هذه الحقائق يعلمها بشار الأسد؛ ولذلك أخذ يغازل أمريكا عبر القنوات السرية بقبوله فكرة إقامة حكم ذاتي للأكراد في سوريا أو إقامة دولة كردية، مقابل بقائه في السلطة على أرض سوريا المفيدة، التي تحفظ النفوذ الإيراني الطائفي والمصالح الروسية الاقتصادية والعسكرية الدولية، وهو يعلم (بشار الأسد) أن الحقوق القومية التاريخية للأكراد ليست في الأراضي العربية وإنما في الأراضي الإيرانية بحسب الوثائق التاريخية.

لكن بشار الأسد الذي فرط في الأمن القومي العربي لإيران وروسيا مقابل بقائه بالسلطة في السنوات الأخيرة، على أتم الاستعداد أن يزيد في هذا التفريط لصالح حزب العمال الكردستاني وتقسيم سوريا أيضاً؛ ما يعني أن الدول العربية وشعوبها مطالَبة بأن تدافع عن حقوقها في سوريا، فسوريا أراضٍ عربية وليست إيرانية ولا تركية ولا روسية ولا كردية ولا أمريكية ولا إسرائيلية، والدول العربية أحق دول العالم بالدفاع عن الحقوق العربية في سوريا.

طريقة رفض الدول العربية لتقسيم سوريا لا يجب إعلانها قولاً فقط؛ بل لا بد من اتخاذ الخطوات التي تمنع التقسيم، وتمنع إعطاء الأكراد أرضاً عربية لإقامة كيان لهم عليها، وبالأخص أنه لا يوجد وسط ديمغرافي كردي يصلح لإقامة دولة عليها، وما يتم من تغيير ديمغرافي وتهجير سكاني والاستيلاء على بيوت الناس ومنازلهم هي أعمال غير قانونية، لا تقل في مخالفتها للقانون الدولي عن بناء المستوطنات الصهيونية في الأراضي العربية بفلسطين.

الدول العربية مطالَبة برفض الدعم الأمريكي للأحزاب الإرهابية الكردية، ولو كان ذلك بحجة مواجهة "داعش"؛ لأن داعش لعبة أمريكية أولاً، على ذمة ترامب ونوري المالكي، واتفاق تهريب "داعش" إلى تدمر من الرقة دليل على ذلك، ولو كانت أمريكا صادقة بتصفية "داعش" لما أعاقت تحرير تركيا لمنبج، ولما عرقلت المشروع التركي لاستعادة الرقة من "داعش" دون الحاجة إلى قوات حماية الشعب وقوات سوريا الديمقراطية أيضاً، ولكن أمريكا موغلة في تنفيذ خططها التي تهدد الأمن القومي العربي والتركي معاً.

لقد أصدر تحالف العشائر العربية والتركمانية بياناً، يوم الأول من يونيو/حزيران الجاري، يستنكر فيه عملية تسليم "داعش" الرقة لـ"ب ي د"، واصفاً إياها بـ"اللعبة"، وأعرب تحالف العشائر العربية التركمانية في سوريا، أن تسليم تنظيم داعش الإرهابي مدينة الرقة (شمال)، لتنظيم "ب ي د/بي كا كا" الإرهابي سيكون لعبة مرفوضة بشكل قطعي.

وشدد البيان على أن السوريين لن يقبلوا بسيطرة "ب ي د" على الرقة، معرباً عن إدانته للولايات المتحدة التي هيأت الأرضية لـ"ب ي د" في هذا الإطار، وأكد أن "إخراج الولايات المتحدة والموالين لها، تنظيماً إرهابياً (من الرقة) وإدخال تنظيم إرهابي آخر، يشير إلى مدى تجاهلهم لرغبات وطموحات الشعب السوري".

هذه الرغبات والطموحات للشعب السوري تتجاهلها أمريكا متعمدة؛ لأنها تستهدف استقرار سوريا أولاً، ولكنها في الوقت نفسه تستهدف الدول العربية وأمنها الوطني والقومي كما تستهدف تركيا أيضاً، فإذا كانت أمريكا جادة في حماية الدول العربية والمنطقة من النفوذ الإيراني الإرهابي، فإنها مطالَبة بالحفاظ على الأمن القومي العربي وعدم اقتطاع أراضٍ عربية لغير العرب، وإلا فإن أمريكا تكرر أخطاء بريطانيا بوعد بلفور الذي اقتطع أراضي عربية لليهود عام 1917؛ فأدى ذلك إلى حروب وعدم استقرار بالمنطقة ما زالت مستمرة حتى الآن.

كذلك، فإن اقتطاع أرضٍ عربية لغير العرب، سواء للأكراد أو للإيرانيين أو غيرهم، سوف يشعل الحروب في المنطقة لقرن قادم أيضاً، ولا يمكن إحباط ذلك إلا بموقف عربي موحد وصلب وجاد ضد تقسيم سوريا والعراق أولاً، وضد إقامة كيانات سياسية أو حكم ذاتي عليها لغير العرب، فأمريكا لا تملك الحق في مكافأة مليشيات كردية تقاتل معها بإعطائها أراضي لا تملكها أمريكا ولا الأكراد، وإلا فإن الحروب القادمة سوف تحصد أرواح الملايين، وفي مقدمتهم أبناء القومية الكردية المخدوعين بالمشاريع الأمريكية والإسرائيلية.

اقرأ أيضاً:

هل جاء ترامب للسعودية لإنهاء التمدد الإيراني في المنطقة؟