• العبارة بالضبط

الدم البارد لأهل الموصل

بارد لأنه لم يحرك ضمائر ملايين المدعين الدفاع عن حقوق الإنسان بل المنتهكين حقوقه بصمتهم المطبق الذي صم آذانهم.

ناشف لأنه لم يذق الطعام منذ أشهر، فهم أشباح البنية، لا يقوون على الوقوف دقيقة صمت حداداً على شهدائهم.

الموصل تلبس السواد، وتعيشه، وتحسه، وتنتظره، وتتلقاه، يقيناً منها أنه يليق بها.

الجثث تملأ الشوارع على ضيقها، والدم يلون أرضاً ما كانت تعرف إلا واحات خضراء، ورائحة القتل تهيمن على الأجواء، والكبت يزين الواجهات، والضيم والقهر يأكلهم ويشربهم، إن قدر لهم أن يكونوا أحياء، ولكن قومي لا يعلمون.

هذه البقعة ليست كوكباً يصعب الوصول إليه، بل هي بضعة من بلد تسمونه يا عرب (الحضارة).

المفردتان الأكثر استخداماً في قاموس أهلنا هناك فيما تبقى من مناطق غير محررة في أيمن المدينة هي: الجوع.. القصف.

كم سمعتها مراراً وتكراراً ولا زالت موسيقاها الحزينة تهزني وتؤلمني: إن لم نمت بالقصف سنموت بالجوع.

تباً لكل المفاهيم والقيم الخاطئة التي أشربناها في صغرنا عندما كان أجدادنا يقولون لنا: لا أحد يموت من الجوع.

عذراً لكم: فكلامكم مردود عليكم، فثمة آلاف من المدنيين الأبرياء في أيمن الموصل ماتوا من الجوع، أو قتلهم همهم، حين لا يجدون ما يسدون به رمق أطفالهم الجوعى.

شهادات تبكي الحجر، وتدع الحليم حيران، وتتصور لأول وهلة أنها من وحي الخيال لا تمت للواقع بصلة.

حدثني أحد المنكوبين من منطقة الزنجيلي؛ فبعد أن أيقنوا أنهم راحلون لا محالة حاولوا الهرب بعد اشتداد المعارك وفي أثناء خروجهم تلقفهم قناص داعش القذر فأردى الابن والبنت قتلى، يقول لي صاحب القصة:

فنظرت إليهم نظرة أخيرة بهدوء الموت الذي لفهم، وأكملت طريقي زحفاً نحو القوات الأمنية.

وآخر يجر فتاة مصابة طلبت منه المساعدة، لكنها ثقلت عليه، فقال لها: يا بنتي ساعديني قليلاً، فالتفت إليها فإذا هي جثة هامدة راقدة هادئة.

ليس هنا مقام عرض مئات القصص التي تدمي القلب، وقد ذكرت نماذج وغيرها أدهى وأمر.

إنها بالفعل (قيامة الموصل) بمعناها المجازي والحقيقي:

صاخة أو طامة

يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ.

قيامة أولى وثانية وثالثة إلى ما لا نهاية.

فيا أيها المسؤول، ويا راعي حقوق الإنسان، وأيتها المنظمة الإنسانية، والأخرى الإغاثية، ويا أمم متحدة، يا كل من له ضمير إن كان ثمة ضمير.

أما يهزكم ما جرى، ويجري، وسيجري، متى تستيقظ الضمائر (الحية) إن كان هناك حياة؟ متى تنهضون لنصرة المظلوم، أم أنكم أرقام جامدة لا تضر ولا تنفع، مجردة من الإحساس الذي ذهب ولم يعد؟

جرائم داعش يندى لها جبين الإنسانية وديننا منها براء، والتنظيم المجرم كان عادلاً فقط في توزيع ظلمه على أهالي الموصل بمسلمهم ومسيحييهم ويزيديهم، وصابئهم، وإثنياتهم، وفرقهم وطوائفهم الأخرى.

الأرقام الفلكية التي أعدمها داعش لا تعد ولا تحصى، وأصبح وأضحى الدم الموصلي أرخص دم، ليس لذاته، بل لظلم ذوي القربى.

لا أمل في حياة لونها أحمر.. لكم الله أهلنا في الموصل.