• العبارة بالضبط

كيف تدحرجت كرة "الفبركة" لتقع في فخ المقاطعة؟

هبت رياح القطيعة على الدول الخليجية الشقيقة، ليشتد عصفها محاولةً اقتلاع حبال الوصل، واجتثاث الأواصر التي تلاحموا عليها منذ سنين.

ثلاث دول خليجية (السعودية والإمارات والبحرين) اتخذت قراراً مفاجئاً، وبشكل جماعي، بمقاطعة دولة قطر وسحب البعثات الدبلوماسية، وإغلاق المنافذ الحدودية براً وبحراً وجواً، في أزمة -وهي الأعمق- لم تشهدها منطقة الخليج منذ عام 1981، الذي أُسِّس فيه مجلس التعاون الخليجي.

ما الذي حدث؟ وما أصل الحكاية؟

خلال عودتنا بالزمن لأحداث حصلت منذ فترة قريبة.. تعرض موقع وكالة الأنباء القطرية لعملية قرصنة، ليل 24 مايو/أيار، من "جهة غير معروفة"، نشر من خلاله المخترقون تصريحات مفبركة نُسبت إلى أمير قطر الشيخ تميم بن حمد بن خليفة آل ثاني ووزير خارجيته الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني.

وأعلنت قطر أن الموقع الإلكتروني لوكالة الأنباء الرسمية التابعة لها تم اختراقه "من قِبل جهة غير معروفة" وأنّ المخترقين نشروا عليه تصريحاً مفبركاً نسبوه إلى أمير البلاد.

ولاحقاً، أعلنت وكالة الأنباء القطرية (قنا)، بحسب ما نقلت عنها شبكة الجزيرة، أن حساب الوكالة على تويتر أيضاً تم اختراقه وأن "أخباراً مفبركة" نُشرت عليه.

- نفي رسمي

وصرّح سيف بن أحمد آل ثاني، مدير مكتب الاتصال الحكومي في قطر، بأن "موقع وكالة الأنباء القطرية قد تم اختراقه من قِبل جهة غير معروفة إلى الآن".

وأضاف في بيان، أنه تم "الإدلاء بتصريح مغلوط" منسوب إلى أمير قطر، مشدداً على أن "ما تم نشره ليس له أي أساس من الصحة، وأن الجهات المختصة بدولة قطر ستباشر التحقيق في هذا الأمر؛ لبيان ومحاسبة كل من قام بهذا الفعل المشين".

وفيما بعد، نقلت "الجزيرة" عن "قنا" أن حسابها على "تويتر" تعرض بدوره للقرصنة، وذلك بعدما نشر هذا الحساب أن قطر قررت سحب سفرائها من دول عربية وإبعاد سفراء هذه الدول من أراضيها.

ونقلت "الجزيرة" عن مدير وكالة الأنباء القطرية تأكيده أن "الأمير تميم لم يُلقِ كلمةً اليوم، ونستغرب استمرار وسائل إعلام بعينها في تناقل التصريحات رغم البيان الواضح بأنها مفبركة!".

اقرأ أيضاً:

ارتدادات الزلزال الخليجي تجتاح تويتر.. ورفض المقاطعة يتصدّر

- تشويه للحقائق

وعلى الرغم من تأكيد أربع جهات رسمية قطرية حصول قرصنة إلكترونية، تعرضت لها "قنا"، أصرت وسائل إعلام عربية على الاستمرار في نشر هذه التصريحات دون الالتفات إلى النفي الرسمي، وتابعتها عبر استضافة خبراء ومحللين وإعلاميين؛ في محاولة لشحن الأوضاع بين الدول الخليجية الشقيقة.

طريقة تناول وسائل إعلام عربية التصريحات المفبركة، وغضها الطرف عن النفي القطري، أثارت خبراء في عالم الإعلام؛ لبُعد هذه الممارسة عن المهنية، حيث لم تنتظر هذه الوسائل الإعلامية كثيراً بعد حصول الاختراق وبث التصريحات المسيئة.

ولدى رصد طريقة تعامل إحدى وسائل الإعلام المعروفة، لوحظ تركيزها كثيراً على التصريحات المفبركة؛ إذ فتحت موجة بث استمرت عدة ساعات.

- فقدان للمهنية

وحول هذه التصرفات، أبدت كل من وكالة الأنباء الفرنسية ووكالة رويترز استغرابهما؛ بسبب مواصلة وسائل إعلام عربية نشر تصريحات مفبركة، وقالت "فرانس برس" في تقرير لها: إنه "كان لافتاً أن بعض وسائل الإعلام استمرت في نشر التصريحات المنسوبة إلى أمير قطر وكذلك التغريدات المنشورة على حساب وكالة الأنباء القطرية الرسمية حتى بعد صدور تأكيد قطري رسمي بأن هذه التصريحات والتغريدات مفبركة".

بدورها، قالت وكالة رويترز العالمية للأنباء إن وسائل إعلام في بعض دول الخليج العربية واصلت نشر التعليقات المنسوبة إلى أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، رغم إعلان قطر أن التقرير لا أساس له من الصحة.

- تأكيد اللُحمة الخليجية

وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، أكد الخميس 25 مايو/أيار، أن "دولة قطر تتمتع بعلاقات ودية وأخوية مع دول الخليج"، قائلاً: إن "مصيرنا واحد، ونتأثر جميعنا بالأزمات التي تحيط بنا في المنطقة".

وشدد في مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره الصومالي، بالعاصمة القطرية الدوحة بعد مباحثات، على "ضرورة الوحدة بين الدول والتغلب على المشاكل"، واصفاً عملية الاختراق بـ"الجريمة الإلكترونية وفق القوانين كافة".

وأضاف: "ما يتم في هذه الوسائل الإعلامية يعكس مدى مهنيتها"، متابعاً: "فوجئنا بـ13 مقال رأي كُتبت مؤخراً في صحف أمريكية تستهدف قطر".

وأكد وزير الخارجية القطري أنه يتم التحقيق في اختراق وكالة الأنباء القطرية و"سنكشف نتائجه لاحقاً"، مبيناً أن "شبكات المعلومات في قطر محمية، وما زلنا نتثبت من ملابسات الاختراق".

وتابع: "لمسنا وعياً لدى الرأي العام العربي مقابل أداء وسائل الإعلام المسيء".

اقرأ أيضاً:

#الشعب_الخليجي_يرفض_مقاطعة_قطر.. دعوة عبر "تويتر" لتعزيز الوحدة

- منظومة صلبة

وفي بيان لوزارة الخارجية القطرية، يوم الاختراق، أكدت أن "هذه الجريمة الإلكترونية النكراء لها أهدافها الدنيئة من قِبل مرتكبيها أو المحرضين عليها".

وزير الخارجية الكويتي، خالد الجار الله، وصف تصريحات وزير الخارجية القطري وتوضيحه لموضوع اختراق موقع "قنا" بـ"الإيجابية"، مشيراً إلى أن "كل دول مجلس التعاون تسعى إلى تعزيز وتطوير مسيرة المجلس".

وشدّد الجار الله، في تصريحات نقلتها صحيفة "الأنباء" الكويتية، بعد يوم من الاختراق، على أن "منظومة مجلس التعاون صلبة، وقادرة على مواجهة الظروف الصعبة بحكمة قادتها، التي تمكّننا من احتواء أي تداعيات سلبية لهذه التطورات"، مشيراً إلى "أننا نعيش فترة تجديد مسيرة مجلس التعاون".

- تضامن عالمي

دول غربية عدة أعلنت تضامنها الكامل مع قطر في مواجهة عملية القرصنة التي تعرّضت لها، معربة عن استعدادها للتعاون في التحقيق الذي تجريه الحكومة القطرية في هذا الشأن.

جاء ذلك خلال استقبال الأمين العام لوزارة الخارجية القطرية، أحمد بن حسن الحمادي، الخميس، سفراء روسيا وألمانيا وبريطانيا والصين وفرنسا وإيطاليا، في مقر الوزارة بالدوحة، الخميس.

كما شارك محقّقون من مكتب التحقيق الفيدرالي الأمريكي (FBI) في التحقيقات الخاصة باختراق الوكالة القطرية.

وفي الوقت ذاته، هاجمت صحف خليجية قطر، بعناوينها الرئيسة، وشنّ كُتّاب خليجيون حملة عبر مقالات تحرض على قطر، واتحدت الصحف بوصف قطر بالداعمة للإرهاب، والتي تمس أمن المنطقة وغيرها من التهم التي وُجهت لها بعد التصريحات المفبركة.

اقرأ أيضاً:

محلل عُماني: جهود كويتية عُمانية ستنشط لتطوّق الأزمة الخليجية

- مقاطعة غير مسبوقة

وبعد أسبوعين من اختراق الوكالة القطرية، أعلنت كل من السعودية، والبحرين، والإمارات، واليمن ومصر، الاثنين 5 يونيو/حزيران، وبشكل متزامن، قطع العلاقات مع قطر، وسحب البعثات الدبلوماسية، وإغلاق المنافذ الحدودية، وذلك بحسب بيانات رسمية نشرتها وكالات الأنباء السعودية والبحرينية والإماراتية الرسمية.

كان البيان مفاجئاً؛ إذ لم يكن من المتوقع أن تؤدي تصريحات مفبركة نفتها قطر، إلى مقاطعة أشبه بحصار.

وجاء في نص البيان السعودي: قرّرت المملكة "قطع العلاقات الدبلوماسية والقنصلية مع دولة قطر، كما قررت إغلاق المنافذ كافة؛ البرية والبحرية والجوية، ومنع العبور في الأراضي والأجواء والمياه الإقليمية السعودية، والبدء بالإجراءات القانونية الفورية للتفاهم مع الدول الشقيقة والصديقة والشركات الدولية لتطبيق الإجراء ذاته بأسرع وقت ممكن لوسائل النقل كافة من وإلى دولة قطر".

في حين جاء في بيان البحرين: إن "مملكة البحرين تعلن قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة قطر؛ حفاظاً على أمنها الوطني، وسحب البعثة الدبلوماسية البحرينية من الدوحة، وإمهال جميع أفراد البعثة الدبلوماسية القطرية 48 ساعة لمغادرة البلاد، مع استكمال تطبيق الإجراءات اللازمة. كما تعلن غلق الأجواء أمام حركة الطيران، وإقفال الموانئ والمياه الإقليمية أمام الملاحة من وإلى قطر خلال 24 ساعة من إعلان البيان".

بدورها، أصدرت الإمارات ومصر بياناً اتخذت فيه الإجراءات نفسها فيما يتعلق بقطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر وإغلاق المنافذ.

الدوحة أعربت عن أسفها لهذا القرار واتهمت جاراتها في الخليج بالسعي إلى "فرض الوصاية عليها"، معتبرة أن هذا القرار "غير مبرر".

وقالت وزارة الخارجية القطرية في بيان: إن "هذه الإجراءات غير مبررة وتقوم على مزاعم وادعاءات لا أساس لها من الصحة". وأضافت أن "الهدف من تلك الإجراءات واضح؛ وهو فرض الوصاية على الدولة"، معتبرة أن "هذا انتهاك لسيادتها كدولة وأمر مرفوض قطعياً".

اقرأ أيضاً:

في ذكراها الـ 50.. هل يعيش الخليج والعرب نكسة جديدة؟

- تحركات لاحتواء الأزمة

حالة من الارتباك اجتاحت الشعوب الخليجية، وبدت المطالبات بحلّ الأزمة التي نشبت بين اللإخوة جليّة، لتسارع الدول العربية والغربية لحلّ النزاع والمطالبة بالحوار لإنهاء الشقاق.

تحركت كل من تركيا وعُمان والكويت، لإعادة تطبيع العلاقات بين قطر والدول الخليجية، وجرت العديد من الاتصالات الهاتفية بين وزير الخارجية القطري ونظرائه حول ما جرى بالمنطقة.

والآن، تنتظر الشعوب الخليجية والعربية نتاج زيارة أمير الكويت، الشيخ صباح الأحمد الصباح، الثلاثاء 6 يونيو/حزيران، جدة لبحث الأزمة التي هزت الخليج العربي.