تأهب حجّم آثارها.. دروع قطر الاقتصادية تحميها من الأزمة الخليجية

لا شك في أن ورقة الاقتصاد تعتبر الأقوى في أي محاولات ضغط سياسية قد تُمارس من قِبل جهة أو جهات أخرى، إلا أن هذه الورقة تضعف قيمتها إن كان الطرف المستهدَف لديه قوة اقتصادية وعلاقات دولية واسعة، والأهم لديه المورد الداخلي من أجل التصدي لأي أزمة ممكن أن تواجهه.

لعل هذا ما ينطبق حالياً على الأزمة الخليجية، فدولة قطر التي تمت مقاطعتها دبلوماسياً ومحاصرتها اقتصادياً من قِبل كل من السعودية والإمارات والبحرين، تمتلك عدة أدوات تمكِّنها من مواجهة الحصار الثلاثي، الذي يأتي في أعقاب تصريح مفبرك لأمير قطر رغم النفي القطري الرسمي والمستمر، حيث تعتبر الدوحة ما يجري محاولةً للوصاية عليها.

وأعلنت السعودية والإمارات والبحرين ومصر واليمن وليبيا، الاثنين، قطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر، في حين لم تتخذ الدولتان الخليجيتان الأخريان؛ الكويت وسلطنة عمان، الخطوة نفسها. كما أعلنت تعليق حركة النقل الجوي والبحري والبري مع قطر، مع إمهال الزائرين والمقيمين القطريين في هذه البلدان أسبوعين للمغادرة، إضافة إلى قيام بعض البنوك المركزية بتوجيه المصارف بعدم التعامل مع البنوك القطرية بالريال القطري.

الحصار الثلاثي من الدول الخليجية المجاورة، السعودية والإمارات والبحرين، برياً وبحرياً وجوياً، تقف أمامه عدة دروع، لعل من أهمها حجم الاحتياطي النقدي، والبدائل الاستيرادية، وصغر حجم التبادل التجاري مع المقاطعين، واعتماد صادراتها على الغاز الذي تصدّره بحراً عبر موانئها.

بدت أضرار الحصار الاقتصادي المفروض بحق قطر منعكسة على الدول صاحبة قرار الحصار أولاً، بحكم تربُّع السوق القطرية كواحدة من كبرى الأسواق الاستهلاكية في المنطقة، بجانب قدرات الدولة الاقتصادية التي بلغ صندوق ثروتها السيادي نحو 335 مليار دولار، وتبوّؤها المركز الثالث عالمياً في احتياطي الغاز الطبيعي، إضافة إلى فائض تجاري هائل.

تأثير معاكس

نتيجةً للإجراءات الدبلوماسية والاقتصادية ضد قطر، كان هناك بعض الآثار الفورية لتلك الإجراءات، حيث هبطت سوق الأسهم القطرية الاثنين الماضي، وإن بقي ضمن نطاق المسموح به يومياً، إضافة إلى التكاليف الإضافية على حركة الطائرات وتوقُّف بعض الصادرات.

اللافت في الأمر أن المؤشر القطري، وفي تعاملاته المبكرة ليوم الثلاثاء -أي في اليوم الثاني فقط من تلك الإجراءات- ارتفع بنسبة 3.2%، معوِّضاً بعض الخسائر التي مُني بها الاثنين وبلغت نسبتها 7.3%.

لكن النتائج أو التأثيرات السلبية المباشرة لم تقتصر على قطر وحدها؛ بل أصابت أيضاً البورصات الخليجية لتنخفض ما بين 1% و0.6%.

الرئيس التنفيذي لشركة الأمل العالمية للاستثمار عبد الله الخاطر، يقول لـ"الخليح أونلاين" إن الأثر النفسي لتلك العقوبات الاقتصادية على قطر هو أكبر من الأثر الاقتصادي نفسه؛ لكونه يأتي من دول شقيقة؛ ومن ثم فإن الدوحة قادرة على تعويض أي خسائر طفيفة قد تنتج خلال الربع الحالي من عام 2017.

من جهة أخرى، يقول المحلل الاقتصادي يحيى سالم لـ"الخليج أونلاين" أيضاً إن أكثر ما يمكن أن يواجه الاقتصاد القطري هو المعوقات في الاستيراد والتصدير، لا سيما بعد إغلاق الحدود البرية مع السعودية ومرور بعض السفن في المياه الإقليمية للدول الخليجية المجاورة، إضافة إلى بث الخوف في الشركات الاستثمارية الأجنبية من ممارسة نشاطاتها داخل قطر أو الاستمرار فيها. إلا أن قطر أعلنت رسمياً، وبوضوح، أن لديها بدائل كثيرة وواقعية لتجاوز هذه الأمر.

- تبعات الأزمة الاقتصادية

في مقابل تلك الإجراءات، عمدت قطر، وبشكل فوري، إلى اتخاذ إجراءات احترازية واستعمال بدائل عديدة؛ للحفاظ على وتيرة استيراد السلع الغذائية والاستهلاكية، مستفيدة من مميزات وخصائص الاقتصاد القطري نفسه.

وفي هذا الخصوص، يضيف الخاطر أن قطر عمدت خلال السنوات الماضية إلى تقوية الاقتصاد المحلي وتمتينه، من خلال بناء المطارات الضخمة وامتلاك أسطول كبير من طائرات نقل الركاب وشحن البضائع، فضلاً عن امتلاكها أكبر الموانئ البحرية القادرة على استقبال سفن عملاقة تستطيع إفراغ الحاويات الكبيرة ويمكن استخدامها بدلاً من حدودها البرية مع السعودية والتي أُغلقت.

كما يملك الاقتصاد القطري مقومات صمود أخرى؛ فعلى سبيل المثال تملك قطر 15% من الاحتياطات العالمية المؤكدة من الغاز الطبيعي؛ أي ما يعادل أكثر من 900 تريليون قدم مكعبة، كما تمتلك صندوق ثروة سيادياً يُقدر حجم أصوله بنحو 335 مليار دولار، ولديها فائض تجاري بلغ 2.7 مليار دولار في أبريل/نيسان وحده.

ويضيف المحلل الاقتصادي يحيى سالم، أن السيولة المالية المتوافرة لدى قطر جعلتها تجد أسواقاً بديلة لاستيراد كل احتياجاتها الغذائية أو حتى تلك التي لها علاقة بمشاريع كأس العالم 2022، ومن تلك البدائل: الكويت وعُمان، وإيران التي فتحت مجالها الجوي وأسواقها أمام الدوحة، إلى جانب الأسواق في الجانب الآسيوي.

وللمدير التنفيذي لـ"الأمل العالمية للاستثمار"، عبد الله الخاطر، وجهة نظر أخرى أيضاً، فهو يؤكد أن تلك المحنة ستنقلب منحة للبلاد، حيث ستعمد الشركات المحلية، وبالتعاون مع القطاعين الخاص والعام، إلى الإبداع والعمل على إعادة الهيكلية والبحث عن أسواق بديلة؛ لتغطية احتياجات السوق أو الاعتماد على نفسها محلياً، الأمر الذي يحافظ على السيولة داخل حدود الوطن؛ ما يعطي -بحسب الخاطر- دفعة قوية للنمو الاقتصادي في الربع الثالث من العام الحالي.

وبهذا الخصوص، يشير الخاطر إلى أن المتضرر الأساس من إجراءات بعض الدول الخليجية بحق قطر هي تلك الدول نفسها؛ لخسارتها السوق القطرية الاستهلاكية، ولقدرة الدوحة على إيجاد البدائل الكثيرة.

وبلغة الأرقام، فإن حجم تجارة قطر مع دول العالم يصل إلى نحو 90 مليار دولار تقريباً، في حين تبلغ وارداتها من السعودية والإمارات والبحرين نحو 5 مليارات دولار فقط، وهو رقم صغير بالنسبة للمجموع العام؛ ما يعني أن إيجاد البديل ليس بالمهمة الصعبة؛ بل إنه يجعل الحكومة القطرية تضع خططاً للتعامل مع أي أزمة اقتصادية حالية أو قادمة مهما بلغ حجمها.