مستقبل الصناعات العسكرية التركية الروسية المشتركة

أصدرت الحكومة الروسية، قبل أيام، قرارها الأخير بإنهاء العقوبات كافة على التبادل التجاري مع تركيا، والتي فُرضت إثر إسقاط الطائرة الروسية على خلفية الخلاف حول سوريا، وعلى الرغم من توقعات كثيرة بأن تسوء العلاقات التركية-الروسية كثيراً لحد توقُّع البعض نشوب نزاع عسكري بينهما، فإن ذلك لم يقع؛ بل سرعان ما أخذت العلاقات التركية-الروسية في التحسن بدرجة لافتة للنظر.

فقد أخذت لقاءات القمة بين الرئيسين التركي أردوغان والروسي بوتين تتوالى بين أنقرة وموسكو وبطرسبورغ وغيرها، وتم التسريع برفع العقوبات الروسية عن الصادرات التركية، وإتمام كل العقود والاتفاقيات والصفقات السابقة، وضمنها اتفاقيات شراء النفط والغاز الروسيَّين، والشروع في تنفيذ اتفاقية السيل التركي لنقل الغاز الروسي عبر تركيا إلى أوروبا، وليس آخرها اتفاقيات إنشاء ثلاث محطات نووية لإنتاج الطاقة النووية في تركيا لأغراض مدنية وسلمية، هذا الإصلاح للعلاقات فاق المتوقع في سرعته ومن كلتا الدولتين معاً، وما زاد في التوقعات والمفاجآت هو التعاون السياسي والعسكري بين تركيا وروسيا والتوصل إلى اتفاقيات بينهما تؤثر على العلاقات الدولية أيضاً.

أما التعاون السياسي، فقد سبق الحديث عن العلاقات الثنائية والعمل المشترك لإيصال التبادل التجاري بين الدولتين إلى (100) مليار دولار خلال سنوات قليلة، وهو أمر أصبح ممكناً مع تزايد التعاون الاقتصادي والسياسي الواضحَين، ومن أبرز نقاط الاتفاق السياسي بين الدولتين إيجاد حل سياسي للأزمة السورية، فقد نجح اتفاق "أستانة 4"، الذي تم التوصل إليه بتاريخ 4 مايو/أيار الماضي لإنشاء مناطق وقف التصعيد العسكري فيها، مع إمكانية دخول مساعدات إنسانية إليها، فالأصل في اتفاق أستانة هو روسي وتركي، قبل أن تنضم إليه إيران، وبدأ ذلك في الفرصة التي وفرتها الخارجية التركية لعقد لقاءات بين المعارضة السورية مع روسيا في أنقرة وغيرها، بحكم أن روسيا اليوم هي الأكثر تحكماً في الوضع العسكري بسوريا؛ ومن ثم القدرة على التأثير على مجريات الصراع فيها، فتم عقد عدة لقاءات سياسية في أستانة العاصمة الكازاخية، والذي وجدت روسيا ضرورة ضم إيران إليه بناءً على طلب إيران أيضاً؛ حتى يكون لروسيا يد على المليشيات التابعة لإيران، التي تمسك بالعديد من مواقع الاشتباك ميدانياً أيضاً، فاتفاق "أستانة 4" حتى الآن يعتبر أول اتفاق سياسي له أثر على أرض الواقع في سوريا، بغض النظر عن الموقف منه الآن، ولكنه اتفاق له أثر على الواقع وكذلك التزام الأطراف فيه أيضاً.

وأما الاتفاقات العسكرية بين تركيا وروسيا، فهي الأكثر مفاجأة؛ فقد أعلن سيرغي جامازوف، المدير العام لشركة الصناعات الدفاعية الروسية "روستيك"، في مطلع الشهر الجاري: "إنهم يبحثون مع تركيا تصنيع طائرات حربية من الجيل الخامس بشكل مشترك"، مشيراً إلى أن "لدى أنقرة البنية التحتية اللازمة للمشروع"، وهذا المشروع للصناعة المشتركة للطائرات بين روسيا وتركيا ليس المشروع العسكري الوحيد؛ بل سبق ذلك إعلان التوصل إلى اتفاقية عسكرية بين البلدين يتم بموجبها تصنيع منظومة دفاع جوي مشتركة في تركيا، على رأسها منظومة الدفاع الجو "S-400"، فهذه الاتفاقيات العسكرية بين تركيا وروسيا كانت من المحرمات الدولية قبل عقود أو سنوات.

ولأهمية هذه الاتفاقيات لكلتا الدولتين روسيا وتركيا، فقد أعلنها الرئيس الروسي بوتين بنفسه، ووعد بأن يتم إنجاز الخطوات الرئيسة الأخيرة منها في وقت قريب، وأفاد بأن المباحثات الفنية بخصوص المنظومة قاربت على النهاية، وأنه يتم الآن التباحث في الجانب التمويلي، الذي من المتوقع أن تكون حصة الصناعات العسكرية الروسية فيه كبيرة. وقال الرئيس الروسي بوتين بخصوص هذه الاتفاقية مع تركيا: إن "بلاده لم تصنّع بعدُ أنظمة (S-400) في الخارج، لكن ليس هناك ما هو مستحيل أبداً".

هذه الصناعات العسكرية التركية التي يتم تطويرها مع روسيا، ليست ذات هدف أمني وعسكري لتركيا فقط، وإنما ذات أهداف عسكرية اقتصادية أيضاً، فتركيا تسعى لدخول سوق التجارة العسكرية الدفاعية بقوة، واختيار تركيا للتعاون مع الصناعات العسكرية الروسية المتطورة جداً يعني أن تركيا تعمل لتوسيع مجال خبرتها التصنيعية عالمياً، وكذلك فإن الموافقة الروسية على تصنيعها في تركيا يدل على أن هناك مصالح روسية في تلك الاتفاقيات مع تركيا، فهي ليست ذات مصالح اقتصادية لروسيا فقط، وإنما ذات مصالح أمنية وعسكرية مع تركيا، بحكم موقع تركيا الاستراتيجي المتوسط بين روسيا وأوروبا الغربية، وحيث إن تركيا تعتبر عضواً مهماً وكبيراً وثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي الناتو أيضاً، وهذا ما يثير لدى أمريكا وأوروبا شيئاً من المخاوف حول مستقبل التعاون العسكري الروسي-التركي، وعن مستقبل مكانة تركيا في حلف الناتو بعد أن وقفت العديد من الدول الأوروبية ضد العضوية الكاملة لتركيا في الاتحاد الأوروبي.

إن أمريكا والدول الأوروبية تعلم أن تركيا قد قطعت شوطاً كبيراً ومهماً في الصناعات العسكرية الدفاعية، وأنها أخذت بتصدير هذه الأسلحة الدفاعية للعديد من الدول في العالم، من ضمنها الدول العربية والإسلامية، وهذا إذا لم يجد شيئاً من الاعتراضات الظاهرة ضدها، ولكن تطوير هذه الصناعات العسكرية مع روسيا لن يكون بالأمر الهين عليها، وإذا لم تظهر هذه المخاوف على السطح حتى الآن، فإن توتر العلاقات التركية-الأمريكية أولاً، وتوترها مع العديد من الدول الأوروبية وفي مقدمتها ألمانيا، لا بد أن يًؤخذ بالحسبان، ولا بد أنه يأخذ بعين الاعتبار أثر العلاقات المتطورة بين تركيا وروسيا عموماً، وبالأخص في المجالات العسكرية، فتطور العلاقات التركية-الروسية عسكرياً من القضايا المسكوت عنها إعلامياً في الغرب، أو التي لم تبلغ حد الأزمة، ولكنها من القضايا التي تستطيع السياسة التركية المناورة عليها في رسم سياستها الخارجية، وفي ترتيب أولوياتها في العلاقات الدولية، وفي مستقبل الصناعات والصادرات التركية العسكرية الدفاعية، وتحقيق رؤية تركيا الجديدة حتى عام 2023.