أموال القذافي بين الاسترجاع والضياع

على الرغم من أن العقيد معمر القذافي كان يجاهر بحرصه على أموال ليبيا وخوفاً من أن تأخذها الشركات البترولية والقوى الأجنبية التي كان يُطلِقُ عليها القوى الإمبريالية، فإن سقوط نظامه في 17 فبراير/شباط 2011، أظهر كذب وزيف هذه المقولة وانكشفت الحقيقة المُرة، وتبين أن هناك أعداداً خيالية من أموال الليبيين هربها هو وعائلته ومقربوه خارج ليبيا، وفي الدول والبنوك الأجنبية، والتي لطالما تغنّى بعبارة أنه يسعى للحفاظ على هذه الثروات من أن تأخذها هذه الأخيرة.

وبعد ظهور هذه الحقائق الصادمة، بدأت التساؤلات عن حجم هذه الأموال، وكيف تم تهريبها؟ وما هي الدول التي تحتضنها؟ وكيف يمكن استردادها؟

والإجابة عن هذه الأسئلة، بطبيعة الحال، ليست بالأمر السهل؛ فهذه الأموال يصعب تقدير قيمتها ورقمها الحقيقي لأسباب متعددة.

ذلك أن هذا الملف هو من أعقد الملفات التي خلّفها ما يُعرف بالربيع العربي في ليبيا.

فطرق التهريب قد تعددت، ولعل من أهمها ذلك الكيان المالي الموازي للمنظومة المالية الرسمية الذي أنشأه القذافي في ثمانينات القرن الماضي، وهذا بحجة التهرب من العقوبات التي تم فرضها على ليبيا من قِبل الأمم المتحدة وأمريكا ودول غربية أخرى، على خلفية اتهام القذافي بالضلوع في عمليات استهدفت غربيين، ثم اتهامه مرة أخرى في قضية سقوط طائرة رُكاب أمريكية فوق قرية "لوكريبي" بأسكتلندا سنة 1988، والمعروفة بقضية "لوكيربي".

وقد لعبت هذه المنظومة المالية الموازية دوراً كبيراً في تهريب ونهب ثروات ليبيا، سواء ما تعلق بالسيولة المالية أو ما تعلق بالذهب والألماس، وكل هذا بحجة الاحتياط لعمليات تجميد أصول ليبيا المفاجئة.

هذه المنظومة المالية الموازية، هي عبارة عن بنك مركزي موازٍ غير رسمي، يتم عن طريقه تهريب الأموال ووضعها في حسابات بنكية سرّية بالخارج.

ومن هنا، يكون القذافي قد أعطى الصبغة الشرعية للفساد؛ بل وقنّنه.

اقرأ أيضاً:

#لا_لروحاني_في_الجزائر

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد فقط؛ بل تعدى إلى إنشاء شركة "الاستثمارات النفطية" التي أسسها مقربون من القذافي برأسمال فاق المئة مليون دولار آنذاك.

وبعدها، تم تأسيس شركة أخرى تمثل هذه الأخيرة في "موناكو" حيث تسمح قوانينها بعمل الشركات غير المقيمة، كما لا يُلزمها القانون بالإفصاح عن إيراداتها.

هذه الشركة كانت تقوم ببيع البترول الليبي وتضع مداخيله في حسابات شركات وهمية يملكها أشخاص غير معروفين.

وبهذا، يكون هذا النظام الموازي قد أعطى مطلق الحرية للقذافي في التحكم والتصرف بالأموال الليبية في الداخل وبالخارج، دون المرور بالقنوات والمؤسسات المالية الرسمية.

كما أن هذا النظام أنتج العشرات من الشركات الوهمية، مهمتها الأساسية تهريب أموال ليبيا إلى الخارج.

لم يتوقف الفساد عند هذا الحد فقط؛ بل كانت الشركات الأجنبية التي تقوم بصفقات ومشاريع داخل ليبيا تُقدم عروضاً مالية مرتفعة جداً مقابل إنجاز هذه المشاريع، وهذا الفارق يأخذه مقربون من القذافي؛ ليضعوه في حسابات خاصة.

وفي عام 2011، أصدر مجلس الأمن الدولي القرار رقم 1973/2011 الذي قضى بتجميد كل الأموال الليبية، وعلى أثره قامت عدة دول بتنفيذه، وهذه الدول هي:

بريطانيا جمّدت 20 مليار دولار، وفرنسا 11 مليار دولار، والولايات المتحدة الأمريكية 37 مليار دولار، وكندا 2.5 مليارات دولار، وألمانيا 7.3 مليارات يورو، وهولندا 3 مليار يورو، وإيطاليا 8 مليارات دولار، ولكسمبورغ أكثر من مليار دولار، وسويسرا 827 مليون دولار.

وقد قدّر المجلس الانتقالي قيمة الأموال الليبية بأكثر من 160 مليار دولار، في حين قدَّرتها لجنة ملاحقة الأموال المنهوبة بـ220 مليار دولار.

غير أن هذه الأموال المهرَّبة يصعب تحديد قيمتها الحقيقية، خاصة أنها موزعة على الأقل عبر 35 دولة وأربع قارات، وعلى أن أموال القذافي وعائلته تمثل الجزء الأكبر منها.

في المقال القادم، سنحاول أن نعطي أهم الأسباب الأخرى التي لا تسمح بتحديد الرقم الحقيقي لهذه الأموال المهربة، وما هي السبل القانونية لاستردادها.