الوفاة الأخلاقية قبل الوفاة السريرية لمصطفى طلاس

مع انتشار نبأ الوفاة السريرية لمصطفى طلاس وزير الدفاع السابق، انتشرت التعليقات الكثيرة على مواقع التواصل الثورية حول سيرته وتاريخه وملاصقته لحافظ أسد، ودوره في تثبيت بشار، وانصبت أغلب التعليقات والكتابات بحدة ضد مصطفى طلاس، ولكن بعض التعليقات الصادرة من بعض المعارضين "الإسلاميين" فاجأت الجميع، وعاكست التيار الثوري العام، وقدمت العزاء لآل طلاس بوفاة شهيرهم مصطفى طلاس.

ولأن بعض البعض عندما تعجب الجميع من قوله فقد لجأ إلى عبارات الخلق الإسلامي الجليل، وراح يقول إن الإسلام علمه أن لا يكون لعَّاناً ولا شامتاً ولا بذيئاً.

وأوحى للجميع أن حسن خلقه الإسلامي ومبادئه الإسلامية، دفعته ليعزي بوفاة مصطفى طلاس.

إنه يخطئ ثم يجادل.... يجادل في الله، ويوهم الناس أن سلوكه مستمد من الله، والله أمر به، يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.

لقد كان طلاس الصديق الصدوق لحافظ أسد، وظهر كواجهة سُنيّة دائمة في الجيش ليُخفي الأسد طائفيته السوداء الشديدة خلفها.

توطدت علاقة مصطفى طلاس بحافظ في القاهرة، وعندما حصل الانفصال عام 1961، اعتقل حافظ أسد في القاهرة، ولم يستأمن أحداً على زوجته وابنته إلا مصطفى طلاس الذي عاد بهما إلى سوريا.

وفي سنة 1964 حصلت مواجهة دامية بين السلطة والشعب في حماة، وامتدت إلى أكثر مدن القطر على شكل إضرابات واحتجاجات عامة، وبعد القمع وقصف مسجد السلطان في حماة تشكلت محكمة عرفية وعُين مصطفى طلاس رئيساً لها، فأصدر أحكاماً بالإعدام على علماء مدينة حماة، وكانت هذه الأحكام بمثابة وسام على صدره، أثبت من خلالها أن ولاءه لطموحاته أكبر من ولائه لأهله وعشيرته، وهو السني الحمصي ابن الرستن.

وفي عام 1965 اشترك مدفوعاً من صديقيه حافظ الأسد وصلاح جديد، في تسريح عدد كبير من ضباط السُّنَّة في الجيش.

اقرأ أيضاً :

تحديثات فريدة لخرائط "آبل" تنافس "جوجل ماب".. تعرّف عليها

وفي انقلاب ما سمي بالحركة التصحيحية في 16 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1970 كان مصطفى طلاس الذراع اليمنى لحافظ أسد، في تنفيذ الانقلاب ونجاحه، وكان وقتها حافظ الأسد وزيراً للدفاع ومصطفى طلاس رئيساً للأركان ونائباً لوزير الدفاع.

وفي أحداث الثمانينيات كان مصطفى طلاس مطلعاً وشريكاً في مجزرة حماة وغيرها؛ بحكم منصبه من جهة، ومن خلال توقيعه لقوائم إعدام عشرات الآلاف من الأبرياء طيلة أعوام الثمانينات.

وثبَّت مصطفى طلاس مرة أخرى حكم حافظ أسد بعد مرضه وغيبوبته في صيف عام 1983، ودخول مراكز القوى في صراع شديد من حوله عام 1984، واستطاع طلاس أن يضغط ويقنع ويرجح الكفة لصالح الموالين لحافظ أسد.

وساند مصطفى طلاس استلام بشار الأسد للسلطة عام 2000، ومرر التوريث المُهين، وقدم ابنه مناف ليكون وريثاً له وداعماً لبشار.

كل ذلك وغيره يجعل مصطفى طلاس شريكاً كامل الشراكة لآل الأسد في أغلب ما فعلوه، ويتحمل معهم الوزر كاملاً.

وخروجه من سوريا لا يغير من الأمر شيئاً؛ لأنه لم يعترف ولم يدن ولم يتب ولم يطلب العفو من ربه ومن الشعب السوري، ولم يحظ بأي عفوٍ أو مغفرة، ولا يُقرر العفو إلا أصحاب الدم والحرمات.

وأولاد مصطفى طلاس يشاركون أباهم الجرائم أيضاً، إذا لم يعترفوا بدور أبيهم في الجرائم، ولم يتبرؤوا منها ومنه، ومن لا يتبرأ شريك.

إبراهيم عليه السلام وعد أباه بأن يستغفر له ربه، ولكن الله لم يرض بذلك، ووجَّه إبراهيم ليتبرأ من أبيه فجرم أبيه لا يُغتفر، وسارع إبراهيم فوراً لتنفيذ ذلك؛ ﴿فلما تبين له أنه عدوٌ لله تبرأ منه﴾.

وبنو إسرائيل الحاضرين أيام النبي عليه الصلاة والسلام وجَّه لهم القرآن الإدانة عن جرائم آبائهم، وكان خطابهم عن جرائم أجدادهم أيام موسى بصيغة كاف الخطاب وميم الجمع، وبصيغة "قل"، وكأنهم هم من ارتكب الجرائم..

نعم لأنهم لم يعترفوا بجرائم آبائهم ولم يُنكروها بل افتخروا ببعضها على مر القرون.

﴿ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت....﴾.

﴿.....قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين﴾.

﴿....قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين﴾.

وفي قضية أن تُذكرَ مساوئ من يموت... ففيها وجه صائبٌ واجب مطلوب في الإسلام؛ ليُذكر الفاسق بما فيه، وليُعلم الجرم ومرتكبوه، وحتى لا تضيع الحقوق وتُزور الحقائق والتاريخ.

قال الحسن البصري: "أترغبون عن ذكر الفاجر؟ اذكروه بما فيه كي يحذره الناس".

أما قضية اللعن التي يبالغ البعض بتجنبها فلعن المجرم في الإسلام أمر جائز خلاف ما يظن بعض الناس، على ألا يكون اللعن عادة أو موجهاً لغير مستحقيه.

فعن فرعون ومن معه قال الجليل: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾.

وآل الأسد المجرمون ومن معهم فاقوا فرعون ومن معه في الإجرام أضعافاً مضاعفة، وأن يُتبَعوا باللعنات في هذه الدنيا أمر لا ينكره إلا متفيهق دعيّ.

والنبي صلى الله عليه وسلم قد دعا شهراً كاملاً على المشركين الذين غدروا بالقراء السبعين من الصحابة الذين أرسلهم الرسول صلى الله عليه وسلم لدعوة المشركين إلى عبادة الله وحده، فأعطوهم الأمان، ثم غدروا، فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعنهم في الصلوات الخمس في القنوت.

فما بالك بمن قتلوا مئات الآلاف من خيرة الشعب السوري، وعاثوا في الأرض فساداً، وجمعوا ثرواتٍ على حساب هذا الشعب المستباح المظلوم.

جاء في الأدب المفرد للإمام البخاري: أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، جاري ظلمني، فقال له عليه الصلاة والسلام: أخرج متاعك فاجعله في قارعة الطريق، فكان الناس يمرون والمتاع الملقى في الطريق يلفت نظرهم، والرجل واقف بجانب متاعه يشعرهم أن أحداً أخرجه من داره وطرده منه، فيقولون له: ما لك يا فلان؟ قال: جاري هذا ظلمني، فما يكون منهم إلا أن يسبوه ويقولوا: قاتله الله ... لعنه الله، والظالم يسمع بأذنيه مسبة الناس ولعن الناس له، فكان ذلك أقوى رادع له عن ظلمه، لأنه سارع إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يا رسول الله، مر جاري أن يعيد متاعه إلى داره، فقد لعنني الناس، فكان جوابه عليه الصلاة والسلام: "لقد لعنك من في السماء قبل أن يلعنك من في الأرض".

ويبقى سؤال جوابه واضحاً ولكنه يتكرر: ألسنا متشددين إذا رفضنا كل من ابتعد عن النظام وبأي شكل كان هذا الابتعاد؟ ولا جواب مفيد إلا القول: "لن ينفع شريك للنظام أن يبتعد".

أما من ينشق عن النظام ويتبرأ من النظام ويتوب ويعتذر من الشعب عما فعل حتى لو كان ما فعله مجرد وجوده في صفوف النظام الأولى، ثم يصلح، فأولئك عسى أن يغفر لهم أصحاب الدم والحرمات ولن يضيع حق ووراءه مطالب.