مراهنة الأحزاب الكردية على خدمة الغرب

تزامن في مرحلة تاريخية واحدة مشروعان سياسيان عملا على منع الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط؛ الأول منهما هو المشروع الأمريكي الداعي إلى الفوضى الخلاقة، وقد أعلنته وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس عام 2005، والمشروع الثاني هو مشروع الربيع العربي، الذي بدأ بساعة غضب التونسي محمد بوعزيزي بحرق نفسه أواخر عام 2010، وما تلاه من احتجاجات شعبية في تونس ومصر وليبيا وسوريا والعراق واليمن وغيرها، عام 2011، أسقطت بعض الأنظمة السياسية العربية، في صورة تاريخية نادرة ومذهلة.

وعلى الرغم مما قيل عن علاقة اتهامية متبادلة بين المشروعين فإن توثيق ذلك لم يتم حتى الآن، وهي نقطة خلاف ستبقى دون حل، وما تم الاختلاف عليه أيضاً أن تكون أحداث المشروعين المؤلمة ذات وجه واحد أسود قاتم مظلم، أو وجه أبيض ناصع مشرق، بحسب المحللين والمتابعين للمشروعين، لأن بقاء الحال على ما كان عليه الحال من قبل محال، والتغيير إن لم يكن حركة بشرية حرة فهو حركة تاريخية حتمية، والنتائج التي تقرأ بخواتيمها قد تأتي بعد سنوات أو عقود.

ربما كان نجاح المشروع الأمريكي بـ"الفوضى الخلاقة" كبيراً، بالنظر إلى ضخامة الفوضى الواقعة، ولكن مشروع الربيع العربي عُرقِل بالعقبات لإحباطه، وبالعقوبات لمن قاموا به ولمن تجاوبوا مع أمنياته، فنشطت حركات الردة أو التمرد عليه، سواء باسم أحزاب سياسية، أو أنظمة سياسية، أو تدخلات عسكرية، أو عراقيل دولية، وبالرغم من صعوبة ما أفرزته تلك الردات أو التمردات من مظالم اجتماعية، أو خسائر مادية أو مجازر بشرية، فإنها كانت من طبيعة ردات الفعل على تلك الأحداث داخلياً، وتبقى تفاعلاتها مؤلمة ونتائجها محزنة، لأنها تجاوزت حدود الاختلاف السياسي الطبيعي، ومع ذلك تبقى أحداثاً داخلية قابلة للتفهم بين مشاريع الإصلاح والتغيير وبين الرافضين لها؛ خشية على أنفسهم وليس على مشاريعهم فقط.

ولكن ما كان مؤلماً وغريباً أن يجد المشروع الأول، وهو المشروع الأمريكي، بالفوضى الخلاقة فرصته الانتهازية باستغلال ثورات الربيع العربية وثورات الردة عليها بإدخال أطراف غير عربية في المشروع الثاني، فيدفع بالأطماع الإيرانية الطائفية للمشاركة بالفوضى الخلاقة في المنطقة، ويدفع العنصر القومي الكردي الحالم بدولة كردية للمشاركة في حروب المنطقة ونزاعاتها، وكلا المشروعين الإيراني والكردي يظنان أنهما يستفيدان من ظروف المرحلة غير المستقرة لتحقيق أهدافهما، في حين أنهما وقود بشري في هذه الحروب، لأنهما لا يستطيعان كسب معاركهما إلا بسند خارجي هو الإرداة الأمريكية وجيشها والدولة الإسرائيلية وهيمنتها ومشاريعها بتقسيم المنطقة وإضعافها، وقد أضيف إليها للمرة الأولى تورط الجيش الروسي كدولة محتلة تحاول ممارسة الاستعمار على الطريقة الغربية البغيضة.

اقرأ أيضاً :

مستقبل الصناعات العسكرية التركية الروسية المشتركة

إن الاشتباكات العسكرية التي تجري على الحدود التركية السورية بين الجيش التركي وقوات حماية الشعب التابعة لحزب العمال الكردستاني لا تخرج عن هذه المشاريع التي تخلق الفوضى وعدم الاستقرار في المنطقة، سواء برعاية أمريكية أو إسرائيلية أو غيرها، فكلها تسعى لاستخدام الأحزاب الكردية التابعة لحزب العمال الكرستاني، في إشعال المنطقة بمزيد من الحروب والقتل والدمار، وهدفها- لا شك- هو توريط تركيا في حروب المنطقة بشكل أكبر، ومن أهدافهم عرقلة المشروع النهضوي التركي بعد أن حقق النجاحات الكبيرة في العقد الأخير.

وتركيا مع إدراكها لهذه الأهداف الغربية لا تستطيع أن تقف مكتوفة الأيدي، وقد صبرت سنوات وهي تحذر من التحركات الأمريكية الخاطئة بدعم الأحزاب الإرهابية التابعة لحزب العمال الكردستاني، مثل حزب الاتحاد الديمقراطي، وقوات حماية الشعب، وقوات سوريا الديمقراطية، فهذه تنظيمات إرهابية بحق الشعب السوري أولاً، وقد قامت بطرده من قراه ومدنه شمال سوريا في السنوات الماضية، وبدعم من الطيران الأمريكي بحجة محاربة داعش، في حين أن الهدف من الدعم الأمريكي هو إيجاد واقع ديمغرافي جديد يخدم مشروع التقسيم الأمريكي في سوريا.

وبالرغم من الادعاءات الأمريكية بأنها سوف تحفظ الحدود التركية من الاعتداءات الإرهابية من هذه الأحزاب، وأنها سوف تأخذ الأسلحة منها بعد انتهاء مهمتها، فإن ذلك لا يعدو أن يكون خديعة، بحسب وصف الرئيس التركي أردوغان قبل أيام، وهذا يعني أن تركيا سوف تكون مضطرة مرة أخرى إلى الدخول في معركة جديدة داخل الأراضي السورية لمنع إقامة أي كيان انفصالي شمال سوريا يهدد أمنها القومي، دون انتظار إذن أمريكي أو من غيرها، بل الأرجح أن يكون ذلك بالتفاهم مع روسيا ضمن اتفاق أستانة 5، الموقع بتاريخ 4 مايو/أيار الماضي، بل من المرجح أن يكون التدخل الجديد أكبر حجماً من عملية درع الفرات، وأن يرقى لمستوى قوة عسكرية حافظة لاتفاق أستانة 5، وداعم للجيش السوري الحر الذي يدافع عن أرضه ووطنه شمال سوريا.

إن ما يثير المخاوف أكثر من هذه الأحزاب الإرهابية أنها لا تمتنع عن ارتكاب المجازر بحق الشعب السوري والسكان الأصليين في المناطق التي يستولون عليها، فهي تمارس سياسة مشابهة للحشد الشعبي الشيعي في العراق نحو السكان العرب الأصليين، فبعد أن تقدمت قوات حماية الشعب الكردية في مدينة الرقة، ارتُكبت مجازر وقُتل العشرات من المدنيين من جراء قصف جوي ومدفعي من قوات سوريا الديمقراطية والتحالف الدولي على أحياء سكنية داخل الرقة، وأشارت إلى أن القصف جاء متزامناً مع معارك في الجهة الغربية للرقة، وغير بعيد عن الرقة، قتل خمسون قتيلاً، بينهم أطفال ونساء، وعشرات الجرحى سقطوا من جراء غارات جوية بقنابل عنقودية نفذتها طائرات لم تعرف هويتها، مستهدفة الأحياء السكنية في بلدة دبلان التي يسيطر عليها تنظيم الدولة، وتبعد عشرين كيلومتراً عن مدينة الميادين في ريف دير الزور الشرقي، فالطائرات نفذت غارات متتالية على معظم المناطق السكنية في البلدة، وأدى إلى أعداد أكبر من القتلى، معظمهم من النساء والأطفال، والهدف دفع السكان الأصليين للهروب منها.

إن عملية القتل التي تستهدف المدنيين في الرقة وغيرها لا تستهدف داعش، وإنما تستهدف التغيير الديمغرافي، وهو ما تغض أمريكا النظر عنه إن لم تكن مساهمة فيه، والهدف إيجاد أرضية صالحة لإقامة كيان دويلة كردية، تسعى مؤسسات القرار الأمريكي والأوروبي والإسرائيلي لدعمه في سوريا والعراق في هذه المرحلة، وهو ما يفرض على تركيا معارك دفاعية ولو كانت على الأراضي السورية، لأن منع إقامة هذا الكيان في هذه المرحلة أقل ضرراً وخسارة على الدولة التركية مما لو تمكنت هذه المليشيات الإرهابية من تثبيت وتمكين نفسها في مواقع عسكرية محمية، فلا ضمانة لتركيا بكل الوعود الأمريكية بمنع تهديد الأراضي التركية منها، وكم هو حري بالدول العربية أن تمنع إقامة هذا الكيان الكردي وهو يقام على أراضيها في هذه المرحلة، فليس بالضرورة أن يكون كسب المعارك ضد داعش ثمنه اقتطاع أراض عربية لغير العرب.

إن تركيا قادرة على تنفيذ عملية عسكرية في محافظة الرقة ومدينة منبج التابعة لمحافظة حلب شمالي سوريا، وقادرة على تدمير أي دولة انفصالية تقوم عليها، ولكنها تعلن موقفها برفض تأسيس هذه الدويلة الكردية حتى لا يكون الأكراد مجرد أدوات وضحايا في مشاريع استعمارية في سوريا، فالغرب أو غيره يضحي بالمخدوعين من الشعب الكردي لتنفيذ مشاريعه الاستعمارية، ولذلك فإن دخول القوات التركية إلى سوريا مرة أخرى، سواء بحسب اتفاقية "مناطق تخفيف التوتر" في سوريا الموقعة مع روسيا وإيران، أو بتحرك وتفاهم مع روسيا، فإنه للحيلولة دون وقوع مزيد من الخسائر في المستقبل.

وبهذا الصدد أعلنت مصادر تركية محلية عن استعداد الجيش التركي لإنشاء قاعدة عسكرية في منطقة جبل الشيخ بمحافظة إدلب شمال غربي سوريا، ثاني أعلى قمة في سوريا، في إطار اتفاقية "مناطق تخفيف التوتر" في سوريا، ومن المرتقب أن تبدأ تركيا بإنشاء تلك القاعدة في تموز/ يوليو المقبل.

وستتمكن القوات التركية، من رصد أي تحرك على امتداد مساحات واسعة تشمل مناطق في محافظات حماة وحمص وحلب، فضلاً عن إدلب، وهو ما يعني أن خطط تنظيم "ب ي د/ بي كا كا" الإرهابي، في التمدد من شمال شرقي سوريا والوصول إلى البحر المتوسط ستكون مستحيلة.

وبحسب تصريح أدلى به متحدث الرئاسة التركية، إبراهيم قالن، الأسبوع الماضي، فإن العمل جار على نشر قوات تركية وروسية بين مناطق سيطرة المعارضة والنظام السوري في إطار اتفاقية مناطق خفض التوتر، المتفق عليها بمباحثات أستانة، فهل يمتنع عقلاء الأكراد وشرفاؤهم عن التورط في الأعمال العدوانية الغربية ضد الأمة العربية والإسلامية؟