• العبارة بالضبط

أيمن الموصل كشف المكشوف

بالنسبة لأهل العراق، يعرفون جيداً أن هناك مجموعة لصوص يحكمون البلاد، وأن كلّ من يتعامل معهم من منظمات أو جمعيات لا بد من أن تجذبهم السمعةُ السيئة للحكومة حتى يحصلوا على شيءٍ من المكاسب التي تأتي عن طريق بيعِ النفط والصفقات الأخرى، كبيع بعض الأراضي الحدودية، وإدخال الأجندات الخارجية لتنفّذ إراداتها على الأرض، لكنْ معظمُ من في هذا العالم لا يعرف ما يدور بهذا الجزء من الأرض الكبيرة.

الحكومة العراقية لم تصرف المالَ المخصص لأزمة النازحين التي أُدرِجت ضمن موازنة عام ألفين وسبعة عشر، مع علمها بوجود قرابةِ نصف مليون إنسان فيما يسمّى الجانب الأيمن من الموصل، على الرغم من أن الجميع يتحدث عن وجود كارثة إنسانية في الموصل، وأظهرت الصور التي تبثها وكالة رويترز مشاهدَ مؤلمة وكأنها من فيلم هوليوودي بموازنةٍ عملاقة ومئات الآلاف من الكومبارس الذين تظهر على وجوههم آثارُ جوعٍ وعطشٍ ويأس وألم وحسرة، وكان ذلك حقيقة حصلت في مدينة عراقية اسمها الموصل تابعة لمحافظة نينوى والتي تسمّى الحدباء وأم الربيعين.

وعلى الرغم من وجود أرقام كبيرة من المنظمات الإنسانية والدولية، ووجودِ حكومةٍ محلية ومركزية، لكنّ أهالي الموصل هربوا من المعارك حفاة جائعين، وساروا مسافات طوالاً ليصلوا إلى المكان الذي يستقبلهم فيه العساكر الذين عمل بعضُهم على إسعاف الأجساد المتهالكة، بما توافر لديهم من إمكانيات متواضعة، وعمل بعضُهم الآخرُ على اعتقال الرجال، وإجلاسهم في الوحل؛ من أجل ما يسمّى التدقيق الأمني، كل هذه المشاهد بثتها الوكالات العالمية؛ إذ لم يتجرأ صحفي محلي على نقل صورة واحدة تُظهر سوء الوضع؛ لأنه بذلك سيعرّض حياته وحياة أهله للخطر، شاهدت صوراً عدة للقصف الذي أنهك المدينة، ونثر أبنيتها نثراً، وعلقت في ذهني صورة العربة التي تبدو كأنها تسلقت الجدار الخارجي لأحد المنازل، حيث لم يترك القصف المدفعي والصاروخي والجوي شيئاً على حاله، فضلاً عما حطّمته العربات الملغمة التي يفجّرها مسلحو التنظيم.

منظرُ ذاك الرجل عارياً والسلاح موجه إليه، وآخر يحمل طفلته ويصرخ وهم يهربون تاركين كل شيء بنَوه خلفهم، يجعلك تعيد التفكير ألف مرة فيما قد يحصل معك مستقبلاً وأنت محكوم من هؤلاء الذين سحقوا كل شيء حتى يقال عنهم أبطال محرّرون، ربما هذا الرجل لم يرتكب أيّ جرم في حياته، لكنه مشتبه فيه، شأنه شأن كل أولئك الرجال الذين أُجلِسوا في الوحل، وأكتافهم ترتجف من شدة البرد، اعتُقلوا وأُهينوا فقط ليتمّ التحقق من سلامة موقفهم الأمني، تخيّل أن تكون معلماً أو مهندساً أو محامياً أو رياضياً أو طالب علم، ويحصل كل ذلك معك! كيف سيكون فهمك للحياة؟! وكيف ستجد هذا العالم؟! ربما ستقول: لماذا أنا معترفٌ بوجود مجتمع؟ أو لماذا أقدّم خدمة ما وأنا أُعامَل بهذه الطريقة؟! أو لن أبقى في هذا البلد ما إن أخرج من هذه المحنة.

اقرأ أيضاً:

سياسيو العراق أوفر حظاً من مواطنيه

الموصل المدمَّرة، ليست أول مدينة تمرّ بهذه الحالة، فسبقتها مدنٌ أخرى مثل بيجي والرمادي وجرف الصخر، والعائلات والأفراد الذين أُهينوا والذين هربوا والذين جاعوا وبردوا، وكلّ ما حصل معهم حصل مثلُه مع أهالي المناطق الأخرى، وكلما رأيت مئات الرجال يُساقون إلى التدقيق الأمنيّ أستذكرُ مشاهدَ علقت في ذهني لأشخاصٍ فُقدوا بالطريقة ذاتِها، حيث صوَّرَ منْ ساقهم إلى المذبحة أو المعتقل المزعوم مشاهدَ لاقتيادهم، ثم فُقد أثرهم، ولم يفكر أيّ سياسي أو شيخ أو منظمة دولية وحتى محلية في البحث عنهم ومعرفة مصيرهم.

ما حصلَ ويحصل في الموصل وكشفت بعضُ وسائل الإعلام الأجنبية، مثل "دير شبيغل" الألمانية، شيئاً من عوراته، أظهر لنا حجمَ الزيف في الإنسانية وبيّن لنا أنّ التعاطف على قدر المصالح، وصوّر لنا صورةً لم نرَها سابقاً للمجتمع، حيث كنّا نسمع عن المروءة والغيرة والرحمة، وعن العشائر والعروبة والوطنية وأشياء عدة أخفتْ سرابها تلك الطفلة التي ذهبت إلى ضابط قصف زملاؤه منزلها لتقول له: "عمّو، أهلي كلّهم ماتوا".

طبيبٌ محلي كشف وفاة عدة أشخاص نتيجة الجوع وانعدام أدوية الأمراض المزمنة في المدينة القديمة والتي يحاصَر فيها قرابة ربع مليون إنسان منذ عدة شهور، في ظل استمرار القصف العنيف، والذي دُفن بسببه المئات في الركام نتيجة قصف بيوت العائلات الموصلية التي تكدّست في ملاجئ وسراديب تحت منازلها؛ هرباً من الموت الذي كان ملاقيهم بقنابل وصواريخ حكومتِهم الموقرة ودعاةِ الإنسانية، دول التحالف الدولي الذين لم يتوقفوا عن قصف المدنيين رغم تقارير المنظمات الحقوقية والإنسانية التي دعتهم إلى وقف قتل مدنيي الموصل، لكنهم ماضون بمباركة أكثر من نصف الشعب العراقي، ونسبة أكبرَ من الأعراب والأغراب.

حتى شمس بلادي تختلف عن سواها

فكلٌّ هنا يريد إعادة الروح لمن سواها

كل شيء في بلادي داكن مثل الظلام

لا جمال في وحشة القبر فدع ذكراها

أما المخيمات، فتلك رواية ستتناقلها الأجيال بسند المأساة المتجلية بأقسى صورها، وسيرويها طفل أمضى سنوات صباه يئنّ من حرّ الصيف ولهيبه ويلتسع جسدُه الطري ببرد الشتاء وقسوته، وتعود به الذاكرة إلى صوت معدته الخاوية وهي تحدثه عن خذلان القوم وزيفِ نخوتهم، وتذكّره بماء الحميم الذي تجرّعته، وخبز دخل جوفها ما أرادت أن تكون كمجتمعه فتقبّلته، سيجلس في ديوان قبيلة تتفاخر بعددها وعديدها، وتتباهى بأنها منتشرة في كل أرجاء البلاد، وسيبتسم عندما يطلب منه زعيمهم تقديم شيء من الولاء لعمومته.

شريطُ الحياة هذا سجّل كلّ المشاهد، ولن يُفصح عن شيء مما رآه.. فقط سيهزّ رأسه وهو مبتسم ويقول: "كم أنتم منافقون ساذجون!"، قال هذه الكلمات عندما تذكّر سؤاله لوالده في صغره: يا أبي، لماذا نشارك العشيرة في كل شيء ونحن لا نستفيد منها شيئاً سوى الدفاعِ عن بعض الذين يرتكبون الأخطاء؟! ويجاوبه والده: سيدافع عنّا أبناء العشيرة عندما يُصيبنا سوء! والده الذي حرص على خدمة الوطن والمجتمع والعشيرة، فُقد أثره عندما أخذه حُماة الوطن الجدد إلى مكان مجهول، أما هو وإخوته وأمه فبقوا في المخيمات، ثم عادوا لإنشاء خيمة أخرى فوق ركام بيتهم المدمر الذي دمره أبناء الوطن، بعد أن نفَوا صاحبه، فما نسيَ الطفل، وما خجلَ الآخرون.