• العبارة بالضبط

انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي.. رغبة محفوفة بالخلافات

في إطار التحديات التي تواجهها تركيا في رحلتها للانضمام لمنطقة اليورو، والتي بدأت قبل ثلاثة عقود، أصدر البرلمان الأوروبي الخميس 6 يوليو/تموز 2017، توصية بتعليق المفاوضات الجارية مع أنقرة في هذا الشأن بشكل نهائي إذا ما دخلت التعديلات الدستورية التي وافق عليها الأتراك في استفتاء 16 أبريل/نيسان الماضي، حيز التنفيذ.

مشروع القرار في البرلمان الأوروبي حصل على تأييد 477 نائباً من أصل 638 شاركوا في عملية التصويت، في حين رفضه 64 نائباً، وامتنع 97 آخرون عن التصويت.

وينص القرار على مطالبة دول الاتحاد الأوروبي بتعليق محادثات انضمام تركيا إلى الاتحاد بشكل نهائي؛ في حال دخلت حزمة التعديلات الدستورية، التي أُقرت في استفتاء 16 أبريل/نيسان الماضي، بشكلها الحالي حيز التنفيذ.

الخارجية التركية انتقدت طلب البرلمان الأوروبي واعتبرته منحازاً وغير موضوعي، مشيرة إلى أن لهجة البرلمان تفتقد للطابع البناء وغير مشجعة.

ومنذ بدء مفاوضات عضويتها مع الاتحاد الأوروبي في عام 2005، واجهت تركيا مجموعة من العقبات التي انتهت بما يشبه تجميد هذه المفاوضات؛ بسبب مواقف بعض دول الاتحاد من الإجراءات التي اتخذتها أنقرة بحق المتورطين في محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في يوليو/تموز 2016.

وكان البرلمان الأوروبي صوت لمصلحة قرار مماثل في نوفمبر/ تشرين الثاني 2016، في حين جمّد الاتحاد المساعدات المالية المقدمة للحكومة التركية، بعد "فشلها في تحقيق تقدم في الملفات المطلوبة ضمن مفاوضات حصولها على عضويته الكاملة"، بحسب مسؤولي الاتحاد.

- بدء المفاوضات

الجمهورية التركية تقدمت بطلب رسمي للانضمام إلى الاتحاد في 14 أبريل/نيسان عام 1987. وفي 31 يناير/كانون الثاني عام 1995، وقعت مع الاتحاد اتفاقية اتحاد جمركي، وخلال قمة هلسنكي التي عقدت من 10 وحتى 12 يناير/كانون الثاني عام 1999، اعتُرف بتركيا رسمياً كمرشح للعضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي.

وخلال القمة نفسها وضعت الدول الأوروبية عدة شروط لبدء المفاوضات الرسمية مع تركيا؛ من بينها احترام الأقليات وحقوق الإنسان، وإلغاء عقوبة الإعدام، وتحسين علاقتها مع اليونان، وكف يد الجيش التركي عن التدخل في الشؤون السياسية.

وعقب هذه الخطوة أقر مجلس النواب التركي سلسلة من الإصلاحات السياسية والديمقراطية والاجتماعية والاقتصادية؛ منها: فتح المجال لحرية الرأي والتعبير وإنهاء حالة الاعتقالات السياسية، وإلغاء عقوبة الإعدام إلا في أوقات الحرب والطوارئ، ومنح حقوق للأقليات الدينية غير المسلمة.

غير أن مفاوضات العضوية الكاملة لم تبدأ إلا في 3 أكتوبر/تشرين الأول 2005، في عهد حكومة حزب العدالة والتنمية الأولى، ولكن دون تحديد سقف زمني لها.

اقرأ أيضاً :

البرلمان الأوروبي يوصي بوقف مفاوضات انضمام تركيا للاتحاد

- تجميد المفاوضات

حزب العدالة والتنمية أجرى إصلاحات سياسية واقتصادية، لكن ذلك لم يمنع المفوضية الأوروبية من تجميد مفاوضات انضمام تركيا جزئياً عام 2006؛ على خلفية الأزمة القبرصية، وترتب على ذلك إبطاء المفاوضات.

في مايو/أيار 2008 دعا البرلمان الأوروبي تركيا إلى تسريع خطا "عملية الإصلاح" التي تقوم بها في إطار المفاوضات الجارية وصولاً لنيل عضوية الاتحاد. وجاء في تقرير أصدره البرلمان الأوروبي عن مدى تقدم تركيا في العام 2008، أن تركيا "لم تحقق أي تقدم في مجال حرية الرأي".

وطالبت النائبة الهولندية ريا أومين روجتين رئيس الوزراء التركي وقتها، رجب طيب أردوغان، بأن "يحافظ على وعده بجعل عام 2008 عام الإصلاح في تركيا".

وإلى جانب المسألة الكردية وقضية الأرمن وغيرها من المواضيع التي طرحت في وجه تركيا، أظهرت دول أوروبية معارضتها انضمام أنقرة إلى البيت الأوروبي، فقد عارض الرئيس الفرنسي وقتها، نيكولا ساركوزي، بعد وصوله إلى السلطة، هذا الأمر بحجة أن تركيا لا تنتمي إلى أوروبا.

المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، أيضاً، رفضت انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، ودعت إلى "الشراكة الممتازة" بدلاً من العضوية الكاملة.

وبعد فجوة دامت سنوات لم تفتح خلالها أي مجالات جديدة للتفاوض بين الطرفين اتفقت حكومات الاتحاد الأوروبي، يوم 22 أكتوبر/تشرين الأول 2013، على إجراء جولة جديدة من المفاوضات مع تركيا بشأن انضمامها لعضوية الاتحاد، وذلك بعد أن سحبت ألمانيا التحفظ الذي كانت قد أبدته، في إثر تصدي أنقرة لاحتجاجات مناوئة للحكومة في يونيو/حزيران من نفس العام.

القرار الأوروبي جاء بعد أن أثنت المفوضية الأوروبية على الإصلاحات التي أدخلتها تركيا في تلك الفترة على نظامها القضائي، وعلى حزمة القوانين الجديدة التي كشفت عنها الحكومة التركية، والتي تهدف إلى إنقاذ عملية السلام المتعثرة مع المقاتلين الأكراد.

وبالإضافة إلى المواقف الرسمية لبعض الدول تعارض أحزاب وشخصيات أوروبية انضمام تركيا للاتحاد؛ من أبرزها رئيس حزب الحرية الهولندي، خيرت فيلدرز، الذي ما فتئ يردد أنه لا يرغب في رؤية تركيا بين دول الاتحاد الأوروبي.

وقال فيلدرز عام 2015، في تسجيل مصور نشره على موقع الحزب على الإنترنت: إنه "لا يمكن أن تكون دولة مسلمة مثل تركيا جزءاً من الاتحاد الأوروبي، فنحن لا نريد مزيداً من المسلمين، بل على العكس نود أن ينقص عددهم بيننا".

لكن أزمة اللاجئين دفعت الطرفين باتجاه تقديم تسهيلات لاستئناف المفاوضات التي يعتريها التعثر بشكل شبه دائم؛ ففي مارس/آذار 2016، أبرمت الحكومة التركية مع دول الاتحاد اتفاقاً يقضي بعمل أنقرة على الحد من تدفق اللاجئين لدول الاتحاد، مقابل تحقيق تقدم ملموس في ملف مفاوضات انضمامها للاتحاد، وإعفاء مواطنيها من تأشيرة الدخول لهذه الدول، وهو الوعد الذي لم ينفذ حتى الآن.

- المحاولة الانقلابية

بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة التي جرت في تركيا منتصف يوليو/تموز 2016، عاد التوتر بين أنقرة والأوروبيين؛ حيث دعا الاتحاد الأوروبي على لسان مسؤولة السياسة الخارجية، فيديريكا موغيريني، في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، تركيا لحماية ديمقراطيتها البرلمانية بما في ذلك احترام حقوق الإنسان، وسيادة القانون والحريات الأساسية وحق الجميع في محاكمة عادلة "بما يتفق مع التزاماتها بوصفها دولة مرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي".

وفي 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2016، صوّت البرلمان الأوروبي في قرار غير ملزم على تعليق مفاوضات انضمام تركيا إلى عضوية الاتحاد الأوروبي؛ بسبب ما رآه أنه استخدام للقوة غير المتناسبة من قبل الحكومة التركية ضد الذين دعموا انقلاب 15 يوليو/تموز.

الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، رد على هذه الاتهامات في 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2016، بالحديث عن احتمال إجراء استفتاء على قطع مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

آنذاك قال أردوغان للصحفيين إن الاتحاد الأوروبي يحاول إجبار بلاده على الخروج من المفاوضات، مضيفاً: "إذا كانوا لا يريدوننا فعليهم أن يقولوا ذلك صراحة، وأن يتخذوا القرارات المناسبة".

وفي ديسمبر/كانون الأول 2016، قال إنه استنفد الصبر والطاقة في اللهاث وراء أوروبا.

وبعد التقارب الذي حصل بين الطرفين مع تدفق أزمة اللاجئين إلى أوروبا عاد التوتر مجدداً بين أنقرة والأوروبيين على خلفية التعديلات الدستورية التركية التي تبناها مجلس النواب التركي وعرضت في استفتاء عام في أبريل/نيسان 2017، ومن أبرز ما جاءت به منح صلاحيات جديدة للرئيس.

ومنعت دول أوروبية تجمعات مؤيدة لتلك التعديلات كما جرى في النمسا وألمانيا وسويسرا وهولندا؛ ممَّا أثار غضب السلطات التركية، وتفاقم التوتر خاصة مع هولندا على خلفية منع الأخيرة وزيرين تركيين من دخول أراضيها، وتوعد القادة الأتراك هذه الدولة بإجراءات عقابية.

يأتي ذلك في الوقت الذي حذر خبراء في مجلس أوروبا من أن مشروع التعديلات الدستورية قد يحول النظام في تركيا إلى رئاسي "استبدادي".

معارضة عدد من الدول الأعضاء مثل فرنسا وألمانيا، أدت إلى تسييس عملية التفاوض ووضعتها في فصول وعرقلتها دون داع. كما أنه في ظل غياب استراتيجية ورؤية لزعماء الاتحاد، وفي ظل مشكلة قبرص التي استمرت على مدار عقود وصلت المفاوضات، تقريباً، إلى طريق مسدود.