• العبارة بالضبط

أطفال الموصل.. جيل الحرب الضائع!

لا تزال صور ومشاهد الأطفال -إما وهم يُخرَجون من تحت الأنقاض لا يعلمون ما يجري، ترتجف فقط قُلُوبُهم الصغيرة بالخوف والآلم، وإما وهم أشلاءٌ متطايرة ومتفحمة هنا وهناك- لا تفارق مخيلتي رغم (أهازيج الفرح والنصر) التي أطلقها البعض ابتهاجاً بـ"التحرير"!

لم يكونوا يمارسون أيَّ دور إرهابي وهم يتلمسون براءة سنواتهم الأولى؛ إما لَعِبَاً في أفنية منازلهم وإما عائدين من مدارسهم وإما مجتمعين حول وجبة غداء أو عشاء فقيرة تسد رمق جوعهم مع والدَيهم وأخواتهم، وإما ربما نائمين هرباً وفزعاً من أصوات القصف والطائرات التي تُزمجر فوق رؤوسهم.

حربٌ أذهلت عيون الأطفال وأخمدت ومض براءتهم. نزاعات خطفت أعماراً لم تكتمل بعد.

أطفالٌ صاروا لا يعرفون شيئاً عن القراءة والكتابة، لكنهم أصبحوا خبراء في الحرب يعرفون أسماء الأسلحة وأنواعها، طفولة نضجت مبكراً قبل أوانها.

فمع تصاعد وتيرة العنف ضد الأطفال بالوطن العربي في السنوات الأخيرة، بات لا ينقضي يوم واحد دون أن نسمع عن مقتل أو استهداف طفل! بات الأطفال هم الهدف وهم الضحية في الحروب البشعة، والمجازر الظالمة! وإن لم يُصَب هؤلاء الأطفال بأي مكروه جسدي، تصيبهم التداعيات النفسية، وتؤثر عليهم وعلى مستقبلهم وحياتهم على المدى الطويل!

تركت أجواء العنف والحرب التي عاشها ويعيشها إلى الآن أطفال الموصل، آثاراً خطيرة ومشاكل نفسية واجتماعية على حياتهم.

أطفال عانوا إصابات مروعة عقب محاصرتهم بالنيران المتبادلة بين طرفي النزاع في الموصل. رأوْا بأعينهم رؤوس أقربائهم وجيرانهم تُقَطَّع بسبب انفجار قذائف الهاون، أو ربما سجلت ذاكرتهم مشاهد تطاير أشلاء أحد والديهم أو إخوتهم؛ إما نتيجة انفجار الألغام وإما السيارات المفخخة أو الصواريخ ، أو من يُسحَق تحت رُكام المنازل.

تقدِّر منظمة اليونيسف عدد الأطفال النازحين الذين تلقوا الإسعافات النفسية وخدمات الصحة العقلية حتى الآن، بـ70.000 طفل، من خلال فرق متنقلة من الأخصائيين الاجتماعيين. ولربما تزايد هذا العدد الهائل بتزايد أجواء الحرب والعنف في الجانب الغربي المنكوب من المدينة.

تقول "أم أشرف"، وهي سيدة موصلية، لمنظمة العفو الدولية: "شاهد أطفالي شقيقتي وهي تُقتل أمام أعينهم، وشاهدوا جارتنا ورأسها يُقطع بسبب القصف! وشاهدوا أجساداً مُقطَّعة على الأرض، كيف يمكن أن يبرؤوا من كل ذلك في يوم من الأيام؟!".

وفي إحدى مخيمات النزوح، لا يهدأ جسد "محمد"، البالغ من العمر 4 سنوات، أبداً؛ إذ يواصل هزّه طوال الوقت إلى الأمام وإلى الخلف؛ تارة يصفع نفسه وتارة أخرى يضرب رأسه بأرضية الغرفة، يبكي بحرقة كلما تبول على نفسه. وهو أمر اعتاده عدة مرات في اليوم الواحد، تقول والدته: إنه "يتصرف على هذا النحو منذ أن قتلت قذيفة هاون شقيقته"، تُضيف والدته التي لا تستطيع التحرك من على تلك الفرشة الرقيقة المُلقاة على أرضِ الخيمة بسبب كسر في ساقها.

وتتابع: "كان هو وشقيقته الصغرى (تغريد) روحاً واحدة في جسدين، كان يحملها طوال الوقت. والآن، لا يفهم لماذا فارقت شقيقته الحياة! وكثيراً ما يغمره شعور بالغضب والحزن؛ اعتقاداً منه أننا تركناها خلفنا!".

وتلك الطفلتان اللتان نجتا بصعوبة، لا يتجاوز كل منهما الـ10 سنوات والـ12 سنة، وجدتا نفسيهما تقومان بجميع الأعمال المنزلية؛ من جلب الماء إلى الطبخ وغسل الملابس، فضلاً عن العناية المستمرة بجروح والديهما، فلم يعد لديهما وقت للعب أو الدراسة!

تلك الندوب التي خلفتها هذه التجارب الصادمة (نفسية كما هي جسدية)، وهذه الجروح التي غيرت حياة هذه الأرواح الغضة، لم تجد سوى الإهمال من جانب الحكومة، وحلفائها الذين تقاعسوا حتى الآن عن ضمان توفير المرافق الطبية والنفسية المناسبة للتعامل مع هذا الواقع المرير.

ويتساءل هنا كل عاقل: ما دام هناك موارد للقيام بالحرب، ألم يكن من الأولى أن تكون هناك موارد للتعامل مع نتائج الحرب أيضاً؟! ألم يُفكر "دُعاة البناء" و"محاربو الإرهاب" في مصير الآلاف من أطفال الموصل وما سيواجهونه مستقبلاً؟!

جيلٌ من أطفال يعانون آلاماً نفسية؛ بسبب ذكريات العنف المفرط الذي عاشوه، وسط شعور مستمر بالخوف على حياتهم. جيل صار يخاف حتى من الأحلام عند النوم؛ كي لا يجدوا أنفسهم سائرين بشوارع مقفرة في مواجهة قناص يُصوّب من بندقيته رصاصة قد تصيب بطونهم أو رؤوسهم فيسقطون جرحى أو صرعى مرة ثانية!

لقد شوهت الحرب دواخل الأطفال وأفقدتهم براءة طفولتهم لدرجة يصح معها وصفهم بجيل الحرب الضائع!