"داعش".. وصمة تاريخية يدفع ثمنها الإسلام والمسلمون

قبل ثلاث سنوات، ومنذ يونيو 2014 تحديداً، أصبح اسم "تنظيم الدولة" (داعش) هو الأكثر تداولاً على لسان الساسة والعسكريين والعوام على حد سواء؛ بعدما تمكّن من اجتياح مساحات شاسعة في شمال العراق في وقت قياسي، وضمّها لمناطق سيطرته في سوريا، قبل أن يعلن زعيم التنظيم، أبو بكر البغدادي، ما أسماها "الخلافة الإسلامية".

التنظيم الذي حاول طوال سنواته الماضية إحداث صخب في كل مكان، حتى تربّع على عرش الاهتمام العالمي، بدأ مؤخراً في التراجع والانحسار حتى خسر كل ما كان تحت يده من أرض العراق، تقريباً، بعد شهور من المواجهات مع القوات العراقية المدعومة من كل حدب وصوب، في حين لا يزال يمتلك بعضاً من مناطق السيطرة في الأراضي السورية، وجيوباً في العراق، كما يظهر.

ورغم تراجعه الكبير، فإن أذرع التنظيم ما زالت تتحرّك في عدة مناطق بالعراق، ومثلها في اليمن ومصر وليبيا، فضلاً عن حضوره القوي في الساحة السورية، والعمليات الموجعة التي يتبنّاها في عدد من الدول الغربية، ما يعني أن الإسلام والمسلمين سيتحملان فاتورة كل ما اقترفه وما سوف يقترفه التنظيم من جرائم.

السنوات الثلاث المليئة بالحوادث والتفجيرات والمعارك الدامية، لم تكن ثقيلة ومكلفة على عناصر التنظيم وخصومه العسكريين وحسب؛ فقد كان لها وقع كبير على المسلمين، الذين تعرّضوا للتنكيل، والاتهامات، والتضييق، بل القتل في كثير من الدول، بالإضافة إلى ما لحق بصورة الإسلام من ضرر في العالم.

عملية انفصال التنظيم عن "جبهة النصرة"، فرع القاعدة في سوريا، عام 2014، وما تبعها من صعود لنجمه في سوريا والعراق، وتمدده إلى عدد من الدول؛ عبر إعلان حركات مسلّحة في هذه الدول موالاتها له، لم تكن وليدة لحظتها، برأي كثيرين، كما أنها لم تكن لخلاف فكري بين أبناء الشجرة الواحدة (القاعدة)، بقدر ما كانت وسيلة لتسهيل شنّ عمليات عسكرية هنا، أو تغيير خرائط سياسية هناك.

وكما كان التنظيم بمثابة السيف المسلّط على رقاب أنظمة ودول بعينها، ووسيلة لليّ ذراعها، فقد كان درعاً واقياً لدول وأنظمة أخرى كانت تجابه السقوط، وهو أمر تعززه استراتيجية التحالف الدولي في التعاطي مع التنظيم وأعوانه، والتي تقتصر على صدّهم واحتوائهم، والحدّ من تقدّمهم، ولكن دون إنهاء خطرهم وتهديدهم كلية عبر القضاء عليهم قضاء مبرماً، كما يقول المحلل المصري، بشير عبد الفتاح، في مقال سابق له على موقع قناة "الجزيرة".

المحلل المصري أشار إلى "الدور التاريخي لواشنطن في تجييش الحركات الجهادية الإسلامية بغية توظيفها لخدمة المشاريع الاستراتيجية الأمريكية في مختلف بقاع العالم".

والخميس 13 يوليو 2017، قال وزير الدفاع البريطاني، مايكل فالون، أمام مجلس العموم، إن هزيمة التنظيم في الموصل لا تعني هزيمته في سوريا والعراق.

اقرأ أيضاً :

وزير بريطاني: هزيمة "داعش" بالموصل لا تعني نهايته

- استهداف مسلمي الغرب

حادث دعس مصلين بالقرب من مسجد فينسبري بارك، الذي وقع في الـ 19 من يونيو 2017، ببريطانيا، كان مؤشراً ملموساً على تنامي الهجمات ضد التجمّعات المسلمة في المجتمعات الغربية، وهو الأمر الذي لا يمكن فصله عن الهجمات الإرهابية التي تنفّذها تنظيمات يأتي تنظيم الدولة في مقدمتها، لا سيما أن بعض الاتجاهات الغربية اعتبرت الهجمات ضد المسلمين في الغرب ردة فعل على الحوادث الإرهابية التي شهدتها الدول الأوروبية مؤخراً.

ويشير تقرير صادر عام 2017، عن وكالة الشرطة الأوروبية "يوروبول"، عن اتجاهات الإرهاب في أوروبا، إلى تعرّض التجمّعات المسلمة لعدد من الهجمات الإرهابية التي تورّطت فيها عناصر محسوبة على اليمين المتطرف في أوروبا.

وفي كندا، كان الهجوم الإرهابي على مسجد المركز الإسلامي في مدينة كيبيك الكندية، خلال شهر يناير 2017، الأكبر من حيث عدد الضحايا؛ فالهجوم الذي نفّذه ألكسندر بيسونيت، صاحب الأفكار اليمينية المتطرفة، بإطلاق النار على المصلين بالمسجد، أدى إلى مقتل ستة أشخاص، وإصابة نحو 19 آخرين.

- الإرهاب المضاد

يرتبط الإرهاب اليميني ضد المسلمين في الغرب بشكل أو بآخر بالهجمات الإرهابية التي تعرّضت لها الدول الغربية خلال السنوات الماضية، إذ إن العناصر اليمينية تبرّر هجماتها باعتبارها رد فعل على ما ينفّذه كل من تنظيمي "داعش" و"القاعدة" من هجمات في الدول الغربية.

وتجلّى هذا الترابط بين الهجمات الإرهابية المتبادلة في أكثر من دولة غربية، فبعد الهجوم الذي تبنّاه تنظيم "داعش" على مقر مجلة "شارلي إيبدو" الفرنسية، في يناير 2015، تعرّضت ستة مساجد لهجوم مسلّح من جانب عناصر يمينية، كما استهدفت عبوة ناسفة محلية الصنع مطعماً بالقرب من مسجد في فيلفرانش سور ساون.

وعقب الهجمات التي تعرّضت لها بريطانيا مؤخراً، سجّلت التقارير الأمنية ارتفاعاً في جرائم الكراهية تجاه المسلمين، وخلال الأسبوع التالي على هجوم مانشستر، في 22 مايو 2017، ارتفع عدد الهجمات ضد المسلمين في هذه المدينة إلى نحو خمسة أضعاف عما كانت عليه قبل الهجوم؛ حيث تم الإبلاغ عن 139 حادثاً ضد المسلمين، مقارنة بـ 25 حادثاً في الأسبوع السابق على الهجوم.

ويعبّر هجوم مسجد فينسبري بارك هو الآخر عن معضلة الارتباط الإرهابي، إذ إن منفّذ الهجوم، دارن أوزبورن، لم تُعرف عنه توجهات راديكالية، ويبدو أنه أصبح أكثر عداء للمسلمين بعد هجوم جسر لندن، في 4 يونيو 2017، ومن ثم فقد يكون نفّذ هجومه بدافع الانتقام.

- تسويق إعلامي

وسائل الإعلام العربية الموالية للحكومات المناهضة للتيارات الإسلامية بكل أشكالها، ونظيرتها الغربية التي تخضع في مجملها لجماعات الضغط السياسي، استحدثت تعبيرات من قبيل: "الإسلاميين المتشددين"، و"الإسلاميين المتطرفين"، ثم ما لبثت أن ألحقت بها عبارات "الإسلام المتشدد"، وقد اتّكأ القائمون على وضع هذه المصطلحات شديدة الأثر على ممارسات التنظيم التي لم يسبقه أحد لها تقريباً.

وبسبب تنظيم الدولة، استمرّ الإعلام الغربي، وجزء من الإعلام العربي، بترديد هذه المصطلحات التي قرنت التطرّف بـ "إسلاميين"، وانتهت بقرنه بـ "الإسلام"، حتى وصل الأمر إلى استبدال الساكن الجديد للبيت الأبيض، دونالد ترامب، مصطلح "الحرب على الإرهاب"، الذي أطلقه جورج بوش الابن، قبيل غزوه للعراق عام 2003، بمصطلح "الإرهاب الإسلامي المتطرف". وقد كان تنظيم الدولة نقطة الأساس التي حدد الرئيس الجمهوري عدوّه الجديد بناء عليها.

وفي سبيل القضاء على تنظيم الدولة وأفكاره ومشروع دولته التي قال منذ اللحظة الأولى إنها "باقية وتتمدد"، سقط آلاف المسلمين بين قتيل وجريح وسجين ومطارد ومضطهد.

وفي سبيل الغاية ذاتها هُدّمت مساجد، وقُصفت مدن، وأُزيلت معالم حضارية كبرى من على وجه الأرض، وفي الموصل العراقية ما يغني عن الكلام؛ فهناك آلاف القتلى والمصابين، فضلاً عن مئات الآلاف من النازحين والمشرّدين، أما الخراب والدمار فالحال يغني عن المقال.

مبعوث الرئيس الأمريكي في التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة، بريت ماكغورك، قال الخميس 13 يوليو 2017، إن دعم الاستقرار في المناطق المحررة من التنظيم يتطلّب 100 مليون دولار، معتبراً أن "تحرير الموصل ليس نهاية الحرب على داعش".

وإلى جانب هذا وذاك، فقد كان التنظيم بمثابة الفزّاعة التي استخدمتها الأنظمة القمعية بالمنطقة لتخويف شعوبها من مجرد التفكير في الاعتراض على سياساتها، وبات شعار "بدلاً من أن نصبح مثل سوريا والعراق"، هو النشيد الرسمي للعديد من مؤيدي الاستبداد.